منتديات القصواء الإسلامية


 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  قائمة الاعضاءقائمة الاعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الإثنين 29 أكتوبر 2007 - 22:44

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ان شاء الله ستكون في هذه الصفحة كل المحاضرات المفرغة الخاصة بالشيخ ( عائض القرني )

" عنوان المحاضرة " الإسلام والتحديات المعاصرة

عناصر الموضوع
1


جوانب التحديات المعاصرة على الإسلام


من التحديات التي تواجه الإسلام: نشر الإلحاد



من التحديات التي تواجه الإسلام: الشهوات 4


من التحديات التي تواجه الإسلام: زرع الخلاف في الصفوف



من التحديات التي تواجه الإسلام: وصم الدين بالتطرف


من التحديات التي تواجه الإسلام: المؤامرة على المرأة المسلمة



من التحديات التي تواجه الإسلام: هدم الاستعلاء عند المسلمين


من التحديات التي تواجه الإسلام: الإعجاب بحضارة الكفار


الإسلام والتحديات المعاصرة

الإسلام محارب منذ أن وجد على وجه الأرض، وهذه من سنن الله الكونية، وقد تمثل حرب الإسلام في عدة أمور منها:

نشر الإلحاد والشهوات، وزرع الخلاف بين المسلمين، والمؤامرة على المرأة المسلمة لتكون سافرة عاهرة، ووصم الدين الإسلامي بأنه دين تطرف، وهدم الاستعلاء عند المسلمين، والإعجاب بحضارة الكفار.

وقد تطرق بذكر كيفية مواجهة هذه التحديات والأسباب التي تعين الشاب على الثبات على هذا الدين.

جوانب التحديات المعاصرة على الإسلام




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعــد:

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

عنوان هذه المحاضرة هو: " الإسلام والتحديات المعاصرة"

أيها الإخوة: إن الإسلام مصارَع ومحارَب منذ أن وُجد على الأرض، ومن سنن الله الكونية أن يحارب ويصارع؛ لأنه عظيم.. يقول الله سبحانه وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31] ويقول سبحانه: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة:251] ولأن هذا الدين بعظمته لا بد له من أعداء.. ولا بد أن يفهم الدعاة وطلبة العلم والعلماء والمتوجهون إلى الله مسألة خطيرة، تتكون من شقين:

الأمر الأول: أنه لا يمكن أن نبقى بلا قراءة، وقضية أن تُسلَّم لنا الساحة ونظفر بها بلا قتال ولا مجاهدة فليس بصحيح، ولو سُلِّمت لأحد من الناس لسُلِّمت لمحمد عليه الصلاة والسلام.. إذاً لا بد من دموع، ولا بد من تضحية، ولا بد من قتال وشهداء، ولا بد من تشويه لمعالم الحق، واتهامات مغرِضة، وتعليقات مرة، فهو أمر طبيعي، بل هو قضاء وقدر.

الأمر الثاني: إذا قلنا: إن الإسلام محارَب؛ فلا يعني هذا أن يجلس الدعاة؛ لأن بعض الدعاة أصابهم قنوط ويأس، يقولون: كفر العالَم، وألحد الناس، واجتاحنا الكافر، وتحوَّلت الديانات إلى كفر، فالله المستعان! ثم تلفف ببردته، وجلس في بيته يصلي الضحى وقيام الليل ويبكي.. أحسن في جانب، ولكنه والله انهزم في الجانب الآخر، وفشل في الساحة، والله لا يريد هذا الانهزام، ولا يريد من المسلم أن يفشل.

الإسلام والتحديات المعاصرة التي نعيشها يمكن أن تُجمل في ثمان مسائل:

المسألة الأولى: الإلحاد.

وهو أكبر ضربة تُوجَّه ضد شبابنا ونَشْئنا وجيلنا وقلوبنا وبيوتنا.. الإلحاد ومركبه الأدب، وقد ركب قبل أربعين سنة أو أقل منها على مركب الاقتصاد، وعندي وثائق وحقائق وبراهين عن ناشئة ذكرتُهم البارحة رضعوا ثدي الإلحاد في بلادنا، واستنشقوا هواءنا وشربوا ماءنا، وسوف نسمع ماذا قالوا يوم غُزوا بالإلحاد، ويوم تحدانا بهم الكافر ليحاربنا بأقلام مِنَّا.

المسألة الثانية: الشهوات.

المسألة الثالثة: زرع الخلاف في الصفوف بتهييج مواطن النزاع وتضخيم مواطن البَوْن بين المسلمين على غير طائل إلا نتيجة الفُرقة والتشتت والتمزق.

المسألة الرابعة: وصم الدين بالتطرف.

وقد أسست ذلك هيئة الإذاعة البريطانية وبثَّته على العالم، ووكالاتُ أنباءٍ متطرفة، وليس المسلمون هم المتطرفون.

المسألة الخامسة: المؤامرة على المرأة.
فإننا كلما طُعِنا أتت الطعنة الكبيرة من جانب المرأة.

المسألة السادسة: تعليل تخلف المسلمين بتمسكهم بالدين.

وكأننا لم نصنع سيارة ولا صاروخاً إلا لأننا ربينا لحانا وقصَّرنا ثيابنا، وكأن الإنسان إذا حلق لحيته وطوَّل ثوبه وتفرنج وأصبح خواجة سوف يستطيع أن يصنع طائرة وصاروخاً، وكأن هذا المسلم بليد وغبي، والسبب عندهم -وهؤلاء دعاة الوثنية الإلحادية في ساحتنا- السبب هو أن المسلم متمسك بدينه.


قال الناظم:

منهم أخذنا العود والسيجارة وما عرفنا نصنع السيارة


مر أحد هؤلاء الضائعين الذين لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ليس بمسلم ولا خواجة، ما صنع طائرة ولا صاروخاً ولا ثلاجة ولا برادة، وما جلس معنا يصلي ويقرأ القرآن.. مرَّ بشيخ في مكان من الأمكنة، والشيخ يقرأ على التلاميذ ويشرح لهم الروض المربع في الفقه، فقال هذا المتطور: يا شيخ! الناس صعدوا على سطح القمر، وأنت لا تزال في الروض المربع ؟! فقال الشيخ: أما أنت فلا صعدت على سطح القمر ولا جلست معنا تقرأ الروض المربع لكنك ضائع، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

فنقول: ليتهم عندما ضاعوا فعلوا مثل فعل الكافر؛ لكنهم تبجَّحوا وجعلوا يحاربوننا ويحاربون هذا التوجه العظيم الذي أعاد الله به للأمة روحها وكيانها، وسوف تكون نتائجة محمودة -بإذن الله- بمثل هذه المؤتمرات، واللقاءات والدروس، وتبادل وجهات النظر وتناسي الخلاف إلا فيما يمكن أن يكون فيه تنبيه أو رد.

المسألة السابعة: هدم الاستعلاء في نفوس المسلمين.
وكما تفضل الشيخ/ سلمان البارحة في قوله: أصبحت كلمة (كافر) صعبة.. إذا أتيت إلى أمريكا -وهو مجتمع كافر- فلا تقل: كافر، بل قل: أمريكي.. قل: مجتمع غربي، حضارة غربية.. ولذلك بعض الكتبة والمفكرين من المسلمين يستخدم هذه العبارات، ويقول: بلا قسوة، ويستدل بقوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83] وكلَّما قلنا له شيئاً قال: القوم هناك مسلمون بلا إسلام، وعندنا إسلام بلا مسلمين! هذا الرجل وأمثاله عندهم عدم استعلاء، وانهزامية داخلية في نفوسهم، وليتهم أبقوا هذه الكلمات اللطيفة مع شباب الإسلام، لكن كلما تعرض بعضُهم للشباب بمناسبة أو بغير مناسبة قال: كث اللحية، متطرف، لا يعرف إلا البسملة وتحريك الأصبع في التشهد، ويتكلم عن الكالونيا وتقصير الثياب! وكلما عرضت له مصيبة قال: هم المتزمتون والمتطرفون!! فليتك يا أخي وجهت ربع هذا للكافر، وصافيت إخوانك، ووجَّهت هذا الجيل ونزلت إلى الشباب المسلم.

المسألة الثامنة: الإعجاب بحضارة الكفار:
وقد رأينا أن الخواجة والكافر والملحد إذا وصل إلى بلد نظر إليه المسلم وكأنه نزل من الجنة، حتى أنهم يهزون أكتافهم ويقولون: حسناً حسناً، (Thank You) أنا لا أعرف الإنجليزي، لكنهم يقولون هذا الكلام، وقد رأيت بعضهم يقدمه على المسلمين السُّجَّد الذين يصلون الصلوات الخمس.. إنه انهزام داخلي، بمعنى أن هذا صاحب حضارة، وقد صنع لنا وقدم لنا وأسس، أما نحن فبَدْوٌ أوباش، وليس عندنا إلا رجعية وتخلُّف!.......


من التحديات التي تواجه الإسلام: نشر الإلحاد



أيها المسلمون: كل هذه المسائل تندرج تحت العنصر الأول: الإلحاد.. وهذا إذا سكت عنه الدعاة وجلسوا يتصارعون ويتلاطمون ويتراكلون بينهم؛ فسوف ينتشر انتشاراً رهيباً حتى تُغزَى به بلاد ما كان ليصلها ولا ذرة من ذلك بسبب أن الدعاة تلاشوا.. أنا لا أنكر جهود العلماء ففيهم خير، وفيهم رُشد وصلاح، ولكني أعتب على بعض مَن لم يعِش الواقع مع طلبة العلم، وهذه -مسيرة توجه الشباب- إذا لم يقُدْها العلماء فسوف تقف أو تضيع.

إن ميزة الإسلام عندنا أن مصدر التلقي هو الكتاب والسنة، وأن القادة للشباب هم العلماء. قال الدكتور/ سعود الفنيسان : على العلماء أن يقربوا من الشباب خطوة، وعلى الشباب أن يقتربوا من العلماء ثلاث خطوات، هذا لا بد منه، وكذلك على العلماء أن يرحموا الشباب ولا يبكتوهم، فإن الشاب في أول الهداية يكون متحمساً لكن على العالم ألاَّ يبكِّته ولا يزري به، وعلى الشاب أن يعرف قدر العلماء.

سمعتُ أن بعض الناس يقولون: العلماء هؤلاء لا يعرفون إلا الحيض والغسل من الجنابة، ولا يعرفون إلا تقصير الثياب، ولا يعرفون إلا صدقة الفطر! أقول: اتقِ الله يا أخي! أما تعرف أن لحومهم مسمومة؟! أما تعرف أن الله أثنى عليهم في القرآن؟! أما تعرف أنهم ورثة محمد عليه الصلاة والسلام؟! فإذا لم يُفتوا هم في الحيض وفي الصلاة والزكاة والطلاق والخُلع، فهل ستفتي أنت أو غيرك؟! تأتينا بالصيدليات المناوبة ودرجات الحرارة؟! إذا سألوك: كم عدة الحائض؟ أو متى تصلي وتصوم؟ تقول: لا أعرف.. الإسلام دين عدالة، ودين تآخٍ، الإسلام ينطلق من أطر، وينبثق من بوتقة الدعوة إلى الله.

هذا الفراغ لا يحله ولا يغطيه إلا العلماء، ونحن المسلمين على مشارب، أي: على ثغرات، قال تعالى: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60] والرسول عليه الصلاة والسلام ما طلب من الصحابة جميعاً أن يكونوا فقهاء، لكنه وضع كل واحد فيما يستحقه، وهذه عظمة محمد عليه الصلاة والسلام..

جاء إلى أبي بكر الصديق فوجده رجلاً عظمياً عملاقاً فجعله الإداري الأول ورجل الساعة والخليفة الأول.

وجاء إلى خالد فوجد أنه يعرف قطع الرءوس من الأكتاف، ويذبح الأعداء على الطريقة الإسلامية، فقال: {أنت سيف الله المسلول }.

وجاء إلى زيد بن ثابت فوجده فَرَضي، فقال: {أفرضكم زيد }.

وجاء إلى أبي بن كعب ، فقال: {وأقرؤكم أبي } وإلى حسان بن ثابت فوجده شاعراً، وزارة إعلام متنقلة، فقال: {قائد الشعراء إلى الجنة حسان بن ثابت }.

إذاًَ: نطلب من الجميع التخصص، ونحن في صالة فيها كثير من طلبة العلم والأخيار، وكل يمكن أن يغطي ثغرة، وأن يسد مجالاً، ولا نطلب منهم جميعاً أن يكونوا إنشائيين، أو أُدباء، أو فقهاء؛ لكن كلٌّ مُيَسَّر لما خُلِق له.......



بعض النماذج من أقوال الملحدين



ولن أقرأ لكم من القرآن عن الإلحاد والملحدين؛ فأنتم تعرفون ما ذكر الله في الملحدين والكافرين، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة:161] ولن أخبركم عن حكم الإلحاد، فهذه أحكام مُسَلَّمَة عند العامي من المسلمين؛ لكن اسمع إلى بعض ما أنتجت لنا حضارة الإلحاد في أبنائنا.. فهذا أحدهم ويُسمى الحربي -حاربه الله أو هداه- يقول:

أرضنا البيد غارقة...


يقول: أرضه غارقة!

طوَّف الليل أرجاءها...


وكساها بعسجده الهاشمي...


فدانت لعادته معبدا...


الهاشمي هو محمد عليه الصلاة والسلام.. الهاشمي هو الذي أخرج العرب الذين كانوا يطاردون اليرابيع، وكانوا يتقاتلون على الشياة، وكان لا يعرف الإنسان منهم ما تعرف ناقته، مثل شيوخ القمر، أخرجهم إلى أن يفتحوا الدنيا في خمس وعشرين سنة.. الهاشمي عليه الصلاة والسلام هو الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور.. الهاشمي عليه الصلاة والسلام هو الذي أتى إلى الإنسان وكان أشبه شيء بالحيوان، فزكَّاه وعلَّمه وطهَّره، وعلَّمه أن هناك جنة عرضها السموات والأرض.. يقول الله عنه: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2] قاتل الله هذا المجرم.

وكساها بعسجده الهاشمي...

يقول: أرضنا ما رأت النور فهي غارقة في الظلام منذ أن جاء محمد فغطاها بردائه.

وأحدهم ألقيت معه مقابلة في صحيفة هنا في أمريكا ، فسألوه: لماذا تأخر العالم الإسلامي؟ فقال: بدأ تأخره من أربعة عشر قرناً. أي: أنه حسب من انطلاقة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فجعلها أول التأخُّر.

يقول في قصيدته:

بعض طفل نبيٍّ...


على شفتي ويدي بعض طفلِ...


من رجال الجوازاتِ...


حتى رجال الجماركِ...


حتى النخاع...


يهجم الخوف أنى ارتحلنا...


وأنى حللنا...


وأنى رسمنا منازلنا في الهواء البديلِِ...


والنساء سواسية...


منذ (تَبَّتْ) وحتى ظهور القنا...


يقصد: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] يقول: المرأة محارَبه منذ أن حاربها الله في تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] وأتينا نحن نعلن حربها.

ولكني أسأله سؤالاً:

ما هو الحلم الجديد الذي يَعِدُ به الناس هذا المجرم وأمثاله من الحداثيين والإلحاديين، ويصفونه بالانفتاح وكسر الأقفال، والخروج إلى المألوف، وكسر الحواجز، والثورة على القديم؟ الحلم هو جنة كارل ماركس ، ولينين ، واستالين ، جنتهم التي وعدوا بها العالم فأتت فإذا هي جهنم، نارٌ تلظى.. سحقوا الشعوب، وقتلوا الألوف المؤلفة، وذبحوا القيم والمبادئ.

أو هي شريعة منغ تي تونغ ، الصيني المجرم الذي عرَّض الشعب الصيني للهلاك، وما حدث هناك في بكين دليل وشاهد على فعله.. يريد هذا جنة للمسلمين مثل تلك الجنة، يعدنا بهذا الحلم الذي رأيناه وأبصرناه، وشبع العالم منه وامتلأ.

إن من المقطوعات التي ينبغي أن نتصدى لها، بل الفكر المطروحة: الإلحاد، ولا أزال أقوله وأكرره، وإن مسئولية من يأتي لمثل هذه المؤتمرات في مثل هذا البلد الكافر الظالم أهله أن يجعل الأساسيات أولاً هي الأصول.. إيمان، رسالة، قرآن، عقيدة.. ثم تأتي الأمور الجزئية في آخر كلامه أو في مداخلاته مع إخوانه.

وهذا أحد الملحدين المجرمين يقول:

صار الله رماداً صمتاً رعباً في كف الجلادين


أعوذ بالله! وراوي الكفر ليس بكافر، وهو كلام أظنه ينقض الوضوء، لكن ماذا نفعل لنخبر الشباب أن هذا يقال، وأن الإسلام يُحارَب من أبنائه.. وليت أن الذي قاله ماركس ، وقد قال مثل ذلك، ولا نستغرب منه لأنه أسس أعظم المذاهب إلحاداً، لكن أن يقول هذا الكلام أبناء خالد وعمر ، وأبي .. أبناء الذين فتحوا الدنيا.. أبناء عقبة بن نافع الذي وقف على المحيط الأطلنطي بفرسه وقال: يا بحر! والله لو أعلم أن وراءك أرضاً لخضتك بفرسي؛ لأرفع (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).. أبناء هؤلاء تحولوا إلى ما سمعتم، وفي بلد من البلدان جاء مجرم حَداثي ملحد زنديق، وكان يدرس في جامعة توجهها إسلامي؛ لكن فيها هذه الحية الرقطاء وأمثاله، فجلس في الفسحة وقال لزملائه: جلس الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه يوماً من الأيام، فقال لأصحابه: أتدرون ما البيبسي؟ -أي: هذا الذي يُشْرَب- قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قوموا عني. فيورد مثل هذا الكلام، ويضحك به جيلاً، ويفسد به في بيته وجامعته وفصله. فنعوذ بالله!



الله في مدينتي يبيعه اليهود...


(لا إله إلا الله)! قُلْ هُـوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4].

الله في مدينتي مشرد فريد...


أراده الغزاة...


أن يكون لهم أجيراً شاعراً قواداً...


يخدع في قيثارة أحد العباد...لكنه أصيبْ...


لأنه أراد أن يصونْ...


زنادق الحقول...


من حرابهم أراد أن يكونْ...


تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً!!


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الإثنين 29 أكتوبر 2007 - 22:45

طرق التصدي للملحدين



ولا أستغرق في النماذج، لكن ما هو الحل لهذا التحدي الصارخ الذي أُعلن أمام الملأ وأصبح مكشوفاً أمام الناس؟

في نظري أن الحل يأتي في غرس الإيمان في القلوب، ويأتي بأن نعيد الناس إلى حرارة الرسالة التي أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم، وتأسيس العقيدة الصادقة في الله، وفي الكون، والحياة، والرسالة.. وأرى ألا نشتغل بالجزئيات عن الكليات؛ لأنك حينما تستهلك وقتك في مسألة من المسائل كمسألة فضيلة من الفضائل، أو جزئية من الجزئيات، كقيام الليل أو صلاة الضحى، المسألة أعظم من ذلك، المسألة الآن إيمان وكفر، زندقة وإلحاد في الساحة، فينبغي علينا أن نوجّه أكثر اهتمامنا إلى الإيمان، ونغرسه في القلوب بطرق شتى، منها:

أ/ الانطلاق في العمل لهذا الدين.

الطريقة الأولى: أن ننطلق وأن نترك هذا التقمص في البيوت:

لأن في الساحة الإسلامية دعاة كثيرون، ففي مدينة من المدن قال لنا بعض العلماء: حصرنا الدعاة في هذه المدينة فوجدناهم ثلاثة آلاف وستمائة (3600) داعية؛ ولكن الذي يعمل منهم ما يقارب الثلاثين (30) داعية، أما الآخرَون فلا يعملون، وإذا ألقى أحدهم محاضرة في السنة، فإنه يلقيها بالقطَّارة وكأنه يتفضل على المسلمين، وهذه هي رسالته، بينما التبشير والإلحاد يجوب العالم، وكلهم مجندون بمستشفياتهم، ودورهم وتأهيلهم وميزانياتهم.

ب/ الدعوة إلى الله من قبل.

الطريقة الثانية: أن ينزل الشباب دعاة إلى الله عزَّ وجلَّ..

أنا لا أعرف أنه لا يوجد أحد من الإخوة لا يعرف أن يصور أو يصحح للكافر أو للملحد مساراً عقدياً أو إيمانياً. صحيحٌ أنه قد لا يعرف أن يفتي في جزئية من المسائل، أو لا يستحضر الدليل، لكن مُجمل الإسلام وتصوير الإسلام لا أعرف أن أحداً منا لا يستطيع ذلك أبداً؛ لكن من ينطلق؟ ومن يذهب؟ الصحابة كلهم كانوا دُعاة، كان الواحد منهم يحفظ سورة أو سورتين، ثم ينطلق بها داعية؛ فيصلح الله سبحانه وتعالى على يديه جيلاً أو أجيالاً.

جـ/ تناسي الخلاف الجزئي.

الطريقة الثالثة: أن نتناسى الخلاف، إلا خلافاً عقدياً أصولياً..

فإنا ننبه المبتدع، ونحاول أن نصلح من حاله، وأن نرده إلى الله، أما الخلافيات الجزئية التي للمجتهد المصيب فيها أجران، وللمجتهد المخطئ أجر واحد؛ فهذه المسألة فيها سعة، وشكر الله لـابن تيمية قوله: لا يُعَنَّف المخالِف في فرعية من فروع الدين. فلو دخلت إلى المسجد فوجدت أحد المسلمين وضع يده اليمنى على اليسرى تحت سرته، فما ينبغي أن تقول: تب إلى الله، استغفر الله، حسيبك الله، نسأل الله أن يهديك سواء السبيل.. يا أخي! اجعل يدك على صدرك وأنت المصيب، وهو دليله مرجوح، لكنك أخذت وقتاً ثم أوجدت ضغينة في قلبه، ثم أذهبت المقاصد العظمى من الرسالة الخالدة التي أتى بها صلى الله عليه وسلم، فإنه ما كان يُعَنِّف أصحابُه بعضُهم على بعض في مسائل الخلاف.






من التحديات التي تواجه الإسلام: الشهوات




وهذه لطبقة من الناس؛ لأن الكافر عندما أتى إلى المفكرين والأذكياء حاربهم بالإلحاد؛ فإن بعض الناس تجده عصامياً ولو كان ملحداً زنديقاً.. لا يحب المرأة، ولا ينساب مع كأس الخمر؛ لكنه يحب الإلحاد، فيضرب الإسلام بخنجر الإلحاد والزندقة.. وبعضُهم ضائع، ما عنده إلحاد ولا زندقة؛ لكنه وراء المرأة.. وراء المجلة الخليعة.. وراء كأس الخمر.. وراء الأغنية الماجنة.. وراء الشهوات، كالدابة تماماً.. ضائع صاحب شهوات.. يقول سبحانه: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] ويقول سبحانه: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179].......



أسباب انتشار الشهوات والانخراط فيها



أ/ عدم الاهتمام بالعلم الشرعي.

وهذه الحرب -حرب الشهوات- وتغرير شباب الإسلام بها أتت من أمور:

في بعض المدارس يدرسون الطالب (طه والطبلة): كان لـ(طه) طبلة يضرب عليها، فخرجت البطة من الطبلة، فقال طه: أين كنتِ؟! ولذلك يخرج الواحد من الثانوية وهو لا يعرف قراءة الفاتحة، ووالله لقد قُوبِل مع طالب تخرج من الثانوية يريد كلية الشريعة، وإذا به لا يحفظ سورة المسد..! لماذا؟! لأنه كان يدرس هذه الأمور: (طه والطبلة) درس وخاب، وأكل وشرب ونام.

وهذا ناتج عن عدم تأسيس شبابنا على العلم الشرعي، ولو ربيناهم على (قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم) وقال البخاري : وقال مسلم : فإن هذا هو العمل الأصيل.

العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفانِ


ما العلم رسمك للخلاف سفاهةً بين الرسول وبين رأي فلانِِ


كان الصحابة يُنشئون جيلهم على العلم الشرعي، وكانت حلقاتهم (قال الله وقال رسوله) وفيها التفسير والفقه والحديث، أما الآن فقد أصبحت عدد حصص القرآن في الأسبوع حصة واحدة، وسمعنا أن مدرساً كان يدرس في الابتدائية، دخل على الطلاب، وهو لا يعرف القراءة في المصحف، وهو من عِداد المعلمين، فقال للطلاب: ما هي الحصة؟ قالوا: قرآن، قال: ما يحتاج، نخرج تمارين رياضية.

ما يحتاج يا مجرم؟! ما يحتاج قرآن؟! مَن أنت ومَن أُمَّتُك إلا بالقرآن؟! ما هي الرسالة التي أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم إلا القرآن والسنة؟!

بينما داعية آخر عظم الله أجره، وهو مشهور، وله بعض المؤلفات، أُدخل في مدرسة، وكان يحمل دعوة، ويحمل رسالة، وكان مدير المدرسة يشن حرباً على الدعوة، فقال المدير للأستاذ: أنت حصتك رسم، مادة فنية. يريد أن يحجزه عن الطلاب، لا يريد أن يعطيه فقهاً ولا عقيدةً ولا تفسيراً ليدخل إلى القلوب، قال: مادة فنية؟ قال: نعم. قال: حسناً، فدخل الفصل فقال للطلاب: ما هي مادتكم؟ قالوا: مادة فنية رسم، فرسم لهم وردة أو زهرة على السبورة، ثم تكلم عمَّن خلقها وأنشأها ومن صوَّرها وأبدعها، ثم ألقى عليهم محاضرة في العقيدة حتى أبكى الطلاب.

إذاً: لا بد أن ندخل من هذه المداخل، أنا لا أقول: نترك هذه العلوم؛ لكن أن نجعل حصة واحدة للحديث، وحصة للفقه، والباقي جغرافيا وثقافة وعلم نفس وتربية! ومن هذا القبيل قائمة عريضة طويلة، فيخرج الشاب وعنده معلومات سلة مهملات، ولكن ليس عنده إيمان. هذا غير صحيح.

ب/ قلة النوافل عند الشباب.

إما أن الأساتذة لم يوجهوهم للنوافل، أو لأنهم في الأصل ما قرءوا هذا ولا تعلموه، ولذلك لا يتحدث عن قيام الليل، ولا عن صلاة الضحى، ولا عن الذكر وتدبر القرآن، فينشأ الشاب وقلبه ما اطمأن بالإيمان وما تشبَّع به، ويمكن أن يُخدع بأدنى شيء، فيرى الفتاة ويُلاحقها، ويسمع الأغنية وينهار، وربما رأى الخمر فلا يمكن أن يتغلب عقله على هواه، قد سيطر عدم التربية الروحية عليه.

جـ/ الجلساء.

أصيب مجتمع المسلمين بجلساء الله حسيبهم، فإن من أسس التربية عند المسلمين الجليس الصالح والجليس السوء.. مصاحبة هذا والانتباه لهذا، يقول ابن المبارك :

وإذا صاحبت فاصحب ماجداً ذا عفاف وحياء وكرمْ


قوله للشيء لا إن قلتَ لا وإذا قلتَ نعم قال نعمْ


قال الله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] وهذا الشافعي يمدح نفسه بما أعطاه الله، وهذا من باب التحدث بالنعم، يقول:

أحب الصالحين ولستُ منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة


وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواءً في البضاعة


يقول: من ميزتي ولو أني مذنب أني إذا رأيت الصالح أحبه.. إذا رأيتُ الذي يصلي الصلوات الخمس، والذي يلتزم بالسنة، ويحب الله ورسوله أحبه وأضمه وآتلف معه.. ومع أني أعمل المعاصي لكني أكره هذا العاصي، وأكره المجرم. فرد عليه الإمام أحمد وقال:

تحب الصالحين وأنتَ منهم ومنكم قد تناولنا الشفاعة


يقول: أنت من أسرة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن بيتكم خرجت الشفاعة بسند رجاله ثقات، فكيف أنت؟! بل أنت من الصلحاء الكبار.

قال ابن المبارك في كلمة نثرية: أحب الصالحين ولستُ منهم، وأكره الأشرار وأنا شر منهم. وقد ذكرها الذهبي بسند حسن إليه.



وسائل الوقوف ضد حرب الشهوات



أيها الإخوة: ما هي حلول حرب الشهوات؟

ذكرنا أسباب حرب الشهوات، والآن نعود بمفهوم الضد ونذكر الحلول..

أ/ غرس حب النوافل في القلوب..

إن بعض الدعاة لا يتحدث في هذه الأمور، ويقول: لا تحدث الناس في اللحية، أو في الثياب، أو في النوافل، فإذا قيل له: لماذا؟ قال: هذه قشور.. سبحان الله! تأتينا بمفهوم بعد خمسة عشر قرناً؟! أين الصحابة عن هذه الكلمة؟! وأين السلف الصالح والأئمة والفقهاء والعلماء؟! تقسم أنت هذا الدين إلى قشور ولُباب؟! إن مسألة قشور إزراء بالإسلام، إنها حرب على الدين.. إنها هجوم صارخ على السنة.. إنها جرح لمشاعر المسلمين، إن المسلم المسلم متكامل، أما أن يأتيك مسلم وكأنه من باريس ، لا تعرفه إلا إذا صلى، فإذا قلت له: لماذا لا تظهر عليك السنة؟ قال: القضية أعظم من ذلك، وإذا قلت: وما هي القضية؟ قال: القضية قضية إيمان؛ لأن الإيمان حقائق إذا صيغت في القلب أصبحت استراتيجية الدعوة متطورة..! لا. الإيمان يظهر والإيمان يبطن، الإيمان -كما عرفه أهل السنة -: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، فإذا نقص شيء فقد نقص بحسبه.

إذاً: غرس النوافل، وتربية الجيل على النوافل؛ هي الحرارة الإيمانية.

ب/ الثقافة الإيمانية.

أيها الإخوة: هنا ملاحظة وظاهرة: إذا ركب الإنسان منا في الطائرة وجد شباباً -حتى من الدعاة- من يأخذون الرحلة كلها في قراءة مجلات وجرائد، ولو كانت إسلامية، لكنك لا تسمعه يقرأ جزءاً من القرآن، أو يسبح، أو يرفع يديه ربع ساعة أو عشر دقائق ليتصل بالواحد الأحد الذي لا يربي القلوب إلا هو.. وإن القلب ليضعف بسبب هذه الأمور، وهي ليست حراماً؛ لكنها ليست ثقافة إيمانية، ولا بد من قراءتها لمعرفة الواقع، لكن أين الحرارة؟! أين القرآن؟! أين الأوراد؟! كان ابن تيمية إذا صلى الفجر ذكر الله تعالى حتى يرتفع النهار، فيقول له تلاميذه: ما هذا؟ قال: هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ لسقطت قواي. هذا الحصن الحصين، ومن المعلوم عند العلماء والصالحين أن مَن أكثر الدعاء في الصباح، ومن كان عنده اتصال بالله؛ أن الله يعافيه من كثير من الذنوب والخطايا، ويسدده ويهديه سواء السبيل.

جـ/ نشر العلم الشرعي.

ومنها -وأعود إلى ما قلت-: العلم الشرعي، نشر علم السلف .. والفكر له حجم في الإسلام، الإسلام يعترف بالعلماء ولا يعترف بالمفكرين، كلمة المفكرين ما ذكُرت في القرآن إلا من باب التفكر لأهل العلم والتدبر؛ لكن مسألة مفكر مسلم فيها نظر، فلا يوجد إلا عالم مسلم أو عالم كافر.. فالعلماء هم ورثة الأنبياء.. والمفكرون يؤجرون، ولكن يعطى الفكر مساحة، ولا بد من ربطه بمفكرين من المسلمين.



من التحديات التي تواجه الإسلام: زرع الخلاف في الصفوف




ومما حوربنا به: زرع الخلاف في الصفوف، وتمزيق الكلمة بجزئيات ونحذر من بعضنا البعض ونقول دائماً: هؤلاء من جماعة كذا.. وهؤلاء من مشرب كذا.. وانتبه من هؤلاء.. سبحان الله! يحذر بعضُنا من بعض! أصبحنا كأننا على أناجيل متعددة! وأصبحنا كأننا في ديانات مختلفة!

والذي أراه أن الأصلح أن يقوم أهل العلم وقادة هؤلاء بالتفاهم في مجالس خاصة، لمعرفة الخلاف، والعودة إلى الكتاب والسنة، ومعرفة من هو المصيب من المخطئ، وعدم إثارة ذلك في المجامع العامة، وفي محافل لا تتحملها عقول الناس.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: [[حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكَذَّبَ اللهُُ ورسولُه؟! ]].

وقال ابن مسعود : [[إنك لستَ محدثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان عليهم فتنة ]] وجاء في صحيح البخاري أن عمر رضي الله عنه وأرضاه سمع في الحج وفي آخر حجة حجها قائلاً يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة أي: أنها صدفة، ولا يصح إطلاق الصدفة؛ ولكنها جاءت مفاجأة طارئة، ما رُتِّب وما أُعِد لها، وما كان أبو بكر متهيئاً لأخذ الخلافة، فالقائل هذا قصدُه حسن، وهو لا يتهم أبا بكر ، فهو أحق الناس بالخلافة رضي الله عنه وأرضاه، لكنه يريد أن يقول: إنها جاءت طارئة، ففُهِمَت فهماً آخر، فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: لأقومن في الحجيج هذه الليلة فأتكلم لهم عن بيعة أبي بكر ، وأشرح لهم ذلك، فجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه، أحد العشرة، فقال: يا أمير المؤمنين! أنت مَن أنت -أي: في عقلك- وأنت إذا تحدثت في هذا المجمع كان فيه من الغوغاء والأوباش والسواد ما لا يفهمون كلامك فيوقعونه على غير مواقعه، فينتشرون به في الآفاق وقد غيَّروه، فتكون فتنة، فأرى أن تعود إلى المدينة فإذا وصلت إليها واجتمعت بعلية الصحابة في المسجد وبالمهاجرين والأنصار أخبرتهم وأنت على تمكن. قال: أصبت يـابن عوف ، أصاب الله بك الخير. فعاد عمر ، وألقاها في المسجد في مجتمع يفهم ما يقول.

فإثارة الخلاف ليست من الحكمة، وهو تحدٍّ موجود، وأكثر من يحرض عليه هم أهل الشهوات والشبهات في الساحة، بضرب التوجهات بعضها ببعض، وفي الأخير تخسر الدعوة الإسلامية وتهبط هذه المقدرات؛ لأننا إذا هاجمنا إخوتنا سوف نخسر ألوفاً مؤلفة، فأنت كلما تحدثت في جزئية قلت: العالم الفلاني فعل كذا، حسبنا الله عليه، أما تدري أن معهم ألوفاً مؤلفة في العالم الإسلامي؟! وهل من الحكمة أن تنتقدهم؟! لا. بل اذهب إليهم، إلى قاداتهم وعلمائهم لأن الدين النصيحة، وتكلم معهم، وانصحهم.. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:110] ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34].......


من التحديات التي تواجه الإسلام: وصم الدين بالتطرف




الأمر الرابع: وصم الدين بالتطرف:-

إن بعض الشباب -ولو استقاموا- خائفين وجلين، منهارين؛ لأنه في مجتمع يصم الإنسان بالتطرف، وقد شارك بعض المفكرين -كما أسلفتُ- في الهجوم على الشباب المستقيم، بعضهم -والله- يقول: أنا أريد أن أطلق لحيتي ولكن أخاف من هذا المجتمع، يقصد من قولهم: متطرف، متزمت، مطوِّع... إلى غير هذه الكلمات، فأصبح كأن الدين متهم، وكأن من يطلق لحيته إرهابي، وأن المشاكل لا تأتي إلا منه، فيقال: انتبهوا منه! وتوضع عليه علامة استفهام.. من أتى بهذا؟

وإني أقول: إن من يصف الدين بالتطرف فإنه من فروخ اليهود، واتباع العلمانية ، وأذناب الشيوعية ، بيض استالين ولينين في الساحة، يجعلون حزب محمد صلى الله عليه وسلم متهماً؟! أنا أسأل: من المسئول عن المخدرات ونشرها في العالم؟! من المسئول عن الزنا؟! من المسئول عن البنوك الربوية؟! من المسئول عن إحداث الخلاف في الصفوف؟! من المسئول عن تضييع فرائض الله عزَّ وجلَّ؟! إنهم هؤلاء الضائعون.

ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان


لهان عليَّ ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
......



.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الإثنين 29 أكتوبر 2007 - 22:46

أمور تعين على الثبات



إن قضية ضرب التوجه الإسلامي ووصمه بالتطرف؛ هذا من أعظم الحروب، وينبغي لنا أن نثبت، والثبات مبني على ثلاثة أُسس:

الأساس الأول: أن تعلم أن من سنن الله في الكون أن يحارَب الصالحون.. قال تعالى:

أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2-3] وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ [المطففين:30-33] وهذا من عهد رسالته عليه الصلاة والسلام، فقد سموه: شاعراً، وكاهناً، ومجنوناً.. قال تعالى: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [التكوير:22] وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:1-2].

إذاً: فاعرف أن قدوتك هو محمد صلى الله عليه وسلم.

الأساس الثاني: اعلم أنها من الحسنات التي تُدَّخر لك عند الله، وتكفيرٌ للسيئات..

قال ابن سيرين : وددتُ أن الناس لا يأثمون، وهم يغتابوني. لماذا؟ لأنهم يكفرون من سيئاته.

ونقل الغزالي عن الحسن البصري أن رجلاً اغتابه، فأخبر الحسن ، فأهدى له طبقاً من التمر، وقال: يهدي لنا حسناته ونهدي له تمرنا.

وهذه مدرسة عملية، ولذلك لا يهمنا من يهاجمنا ويسبنا، نقول: الحسنات من الله، وهذه كفارات للسيئات.

الأساس الثالث: أن العظماء دائماً مبتلَون، وقد قيل:

شكوتَ من ظلم الوُشاة ولم تَجِدْ ذا سؤدد إلا أُصِيْبَ بِحُسَّدِ


لا زلت يا سبط الكرام مُحَسَّداً والتافه المسكين غير مُحَسَّدِ


أتظن أنه يُحسد إنسان لا هم له في الحياة، رجل ينام الليل والنهار، ضائع في الدهر؟! تحسده على ماذا؟!

إن العرانين تلقاها مُحَسَّدةً ولا ترى لكرام الناس حُسَّادا


فيا إخوتي: إنما حُسدتم وهوجمتم بسبب ما عندكم من عَظَمَة، لأنكم تمثلون الخلود في رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، وأنتم امتداد لتلك الدعوة العالمية: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] فالضائع الذي ما عنده نور ولا هداية لا بد أن يهاجمك، ولا بد أن يعاديك.

فعليك بهذه الأسس وافهمها وتدبرها.


من التحديات التي تواجه الإسلام: المؤامرة على المرأة المسلمة




الأمر الخامس: المؤامرة على المرأة..

المرأة أمرها عجيب، ونبؤها غريب! وقد دخل الكافر من طريق المرأة، والرسول عليه الصلاة والسلام حذر وأخبر أن أخوف ما يخاف على الأمة النساء فقال: {إن فتنة بني إسرائيل كانت من النساء } وكان العرب في الجاهلية إذا أرادوا للرجل سحق عظيم أو إرجاع عظيم عن فكرته سلطوا عليه امرأة.

ذكر الذهبي عن عبد الرزاق الصنعاني -المحدِّث الكبير، شيخ أحمد ، وشيخ يحيى بن معين - أنه جاء إليه طلاب إلى صنعاء يتعلمون منه الحديث، وكان عسراً في الرواية، ما كان يحدثهم باستمرار، فطرقوا عليه الباب، فخرج عليهم، وقال: لا أحدثكم شهراً كاملاً. فتوسلوا بأصحابه فرفض، فكلموا جيرانه فرفض، فأهدوا هدية إلى امرأته من وراء حجاب وقالوا: كلمي لنا الشيخ. فأتت فكلمته فخرج الإذن في الصباح؛ لأنها تملك حق الفيتو، فقال الشيخ/ عبد الرزاق : تعالوا أحدثكم، ثم تبسم للطلاب وهم جلوس وقال:

ليس الشفيع الذي يأتيك مُتَّزراً مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا


وهذا البيت للفرزدق من قصيدة طويلة في ديوانه.......



وسائل محاربة المرأة



إنه يُراد للتوجه الإسلامي أن يُسْحَق بطريق المرأة، والحرب على المرأة ينطلق من ثلاث جبهات:

الجبهة الأولى: زعم أن الإسلام كَبَتَها حقها.

وكنت مع أحد الفضلاء وهو يتكلم عن هذه القضية ويقول: أين كَبَتَها حقها؟! والله ما عرف حق المرأة إلا الإسلام، وما رفع قدرها إلا الإسلام، ولا صانها إلا الإسلام، ومن أراد أن يعرف ذلك فليقرأ مذكرات الأمم الأخرى وكتبهم حول المرأة، وحقوق المرأة عندهم... فلم يعرف لها حقها إلا الإسلام.

الجبهة الثانية: أن الحجاب ومسألة جلوسها في البيت وعدم مشاركتها للرجل ليس بصحيح، وأنه خلاف الواقع..

وهذا خطأ كبير، كان أحد الدعاة من العلماء يتكلم في مجمع كبير، فتكلم عن المرأة، فقامت امرأة من آخر الصفوف وهي سمينة وبدينة، فقالت: يقول صلى الله عليه وسلم: {رفقاً بالقوارير } وأنتم لا ترفقون بنا. فقال هذا الداعية -وكان سريع البديهة ودعوباً، وكانت هي سمينة كالبرميل- قال: نعم. يقول: {رفقاً بالقوارير } ولم يقل: رفقاً بالبراميل. وأنا ليس قصدي بهذا الهجوم على المرأة؛ لكن المرأة قد أُمْلِي في ذهنها أنها لا تشارك، وأنها محرومة من المجالات، ولذلك يُناقَش ويقال: لماذا لا تدخل المرأة إلى البرلمان؟! سبحان الله! أَحُلَّت كل مسائلنا الكبرى والصغرى وما بقي إلا مشاركة المرأة؟! نقول: نحن منا رجال كبار لم يشاركوا في البرلمان، وتأتي المرأة لتشارك؟! قالوا: ما هو موقف المرأة من العمل ومشاركة الرجل؟ والمرأة العاملة أطول عمراً، هذه حكمة تقول: المرأة العاملة أطول عمراً، أي: أن المرأة الكافرة التي تعمل أطول عمراً! وقد قيل لي في مناسبة: علِّق على هذا، فقلت: أطول عمراً في جهنم.

الجبهة الثالثة: عدم تعليم المرأة..

أيها الإخوة الفضلاء: الناحية الثالثة تأتي من عدم تعليم المرأة، صحيحٌ أننا مسلمون، ولكني أتكلم عن كثير من بلاد العالم الإسلامي أن المرأة ما أعطيت حقها، فلو نظرنا -مثلاً- إلى هذا المؤتمر وجلالته وما فيه من اهتمام؛ لكن مهما يكن ربما تأخذ المرأة ثلث ما يجري من محاضرات ودروس، أنا أقول هذا تقديراً؛ لكن في بعض الأمكنة لا تسمع المرأة شيئاً إلا إن كانت سمعت شريطاً إسلامياً، أو تقرأ في المصحف في البيت.

إن الدعاة الذين يتجهون إلى المرأة قليلون، والدعوة في جانب صفوف النساء قليلة، والمرأة لا تزال تشكو فقراً وجدباً في عالم الإيمان والدعوة.. فالمرأة بحاجة إلى دعاة يصلون إليها بأي وسيلة غير محرمة، ولا بد من دروس خاصة للنساء، محمد عليه الصلاة والسلام جعل للمرأة يوماً من نفسه، قال البخاري : باب هل يجعل للنساء يوماً من نفسه؟ فقد جعل لهن يوم الإثنين، يتحدث معهن؛ لأن مشاكل المرأة مشاكل خاصة عن حياتها الخاصة.. فلا بد من دعوات، ولا بد من علم، ولا بد من اهتمام بجانب المرأة.

فأوصي إخواني الذين يشرفون على تربية النساء ورعايتهن أن ينتبهوا لهذا الجانب العظيم، فإن المرأة قد حوربت في البيت بأجهزة إعلام فتاكة، الفيلم الواحد يستطيع في نصف ساعة أن يُهَدِّمها، وأن يردها من تقية -إن لم يحفظها الله- إلى فاجرة؛ لأنها ضعيفة، ثم إن المرأة ليس عندها قوة في الإيمان -بسبب التربية- ولا رادع من العلم إلا من رحم ربك، فتنهار أمام الفيلم والمجلة الخليعة والصورة العارية والموسيقى، فلابد من تربيتها وتعليمها.



من التحديات التي تواجه الإسلام: هدم الاستعلاء عند المسلمين



هدم الاستعلاء في نفوس المسلمين..

ليعيش المسلم بلا استعلاء، يقول سبحانه وتعالى: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [آل عمران:139] يقول سيد قطب : نحن الأعلون سنداً ومتناً. وقد صَدَق، فإن سندنا من الله الواحد الأحد، وإذا افتخر الناس بالتراب، فإننا نفتخر بالوحي الخالد الذي أتى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، تمشي وأنت مرفوع الجبين.. وأنا أوصيكم بقراءة كتاب الظلال على أن فيه بعض الملاحظات العقدية وبعض الملاحظات التي لا يسلم منها البشر؛ لكن الظلال في مثل هذه البلاد أمره عجيب، يجعلك تمشي وأنت مرتفع على الكافر، وأنت فوق الكافر، جبهتك في السماء، ليس مثل كتب بعض المفكرين المسلمين حيث يقول أحدهم: انظر إليهم أين بلغوا؟! بلغوا الثريا ونحن في الثرى. فيجعلك مهزوماً، وهذا ليس بصحيح بل لابد من الاستعلاء والقوة والانتصار.. أنت صاحب المبادئ الخالدة، قال تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:1] يقول في الظلال : هذا هجوم أدبي سافر على الكفار. ويقول في سورة البقرة: بدأت هذه السورة ببداية لا بد منها، إنها سحق وتدمير لبقايا اليهود.. فنحن نأخذ منه الحكمة، ونقول له: لقد قمت بعمل عظيم مشكور وأحسنتَ، وننبه على خطئك؛ لأنك لست بمعصوم.......


من التحديات التي تواجه الإسلام: الإعجاب بحضارة الكفار




ومن التحديات: الإعجاب بحضارة الكفار، وتهويل هذه الحضارة، وصبغها بصبغة التقدم، وجعل التأخر في الإسلام، لأن ذاك يسكن في خيمة، وهذا يسكن في قصر، وذاك عنده سيارة حديثه، وهذا عنده حمار أو إبل يركب عليه، فقد جعلوا التقدم والحضارة في هذه الأمور، وهي أمور نسبية، وهؤلاء لا يفهمون شيئاً، وما عندهم من الوعي ولا من الفقه شيء.

وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته......

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الأربعاء 31 أكتوبر 2007 - 23:50

"فرصة للاستثمار"

تحمل كلمة الاستثمار في هذه المادة معانٍ عظيمة، ومعانٍ سامية، تختلف تماماً عن تلك المعاني التي يتداولها الناس لهذه الكلمة .

إنها تجارة مع الله، ثمرتها جنة عرضها السماوات والأرض، أعدت للمتقين.

ومجالات هذه المتاجرة هي: الطهارة، الذكر، الصلاة، الصدقة، الصبر، قراءة القرآن، وغير ذلك من العروض المغرية التي يعرضها الشيخ في حديثه هذا.

حديث: (الطهور شطر الإيمان)




إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أنتم صفوة الناس، ولا يحضر بيوت الله ولا يجلس فيها، ولا يتهيأ لسماع المواعظ، ولا يستفيد من الآيات والأحاديث إلا صفوة الناس، ولا يعرض عن اللغو ويذهب إلى مجالسة الصالحين إلا صفوة الناس، ولا يحب الدين، ولا يسعد بآيات رب العالمين، ولا يتبع سيد المرسلين إلا صفوة الناس.

عنوان هذه المحاضرة: (فرصة للاستثمار) والناس استثمروا أموالهم ومناصبهم وسيروا حياتهم في غير مرضات ربهم إلا القليل.

باسمك اللهم ثم الحمد لك والتحيات وتسبيح الفلك


وصلاة الله للمختار ما سبح القمري وغنى بشرك


هذه ألفاظه قد أينعت وقطفناها أخي المسلم لك


فارعها سمعك حياك الذي جعل الكون على نهج الحبك


أما الحديث: فعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها } رواه مسلم ، وأحمد ، والترمذي ، والدارمي ، والنسائي في عمل اليوم والليلة ، وابن ماجة ، والبيهقي في كتاب السنن ، والطبراني ، وابن حبان ، وابن مندة في كتاب الإيمان .

هذا هو الحديث الذي معنا هذه الليلة، وهو من أشرف أحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام.

أما عناصره فهي:

الطهارة: في الكتاب والسنة، وفضل الوضوء، وطهارة الباطن والظاهر.

كلمة شطر ومعناها، هل هي مرادفة للنصف؟ ولماذا يكون الطهور شطر الإيمان؟

ما هو الإيمان عند أهل السنة ؟ وما الفرق بين الإسلام والإيمان؟ وهل الإيمان يزيد وينقص؟

الحمد لله ما معناها؟ من هو المحمود؟ ما هو فضل الحمد؟

ما معنى تملأ الميزان؟ ما هو الميزان؟ هل هو محسوس؟ وهل توزن الأعمال فيه؟ ومعتقد أهل السنة والجماعة في الميزان؟

سبحان الله، ما معنى التسبيح؟ تسبيح الكائنات ما هو؟ فضل التسبيح، وتملأ ما بين السموات والأرض كيف تملأ؟

اتساع الميزان أو اتساع السماوات والأرض؟ وما معنى: (عرضها السماوات والأرض) عند أهل العلم، في قوله سبحانه وتعالى: عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران:133]؟

(الصلاة نور) ما هو فضل الصلاة؟ وما هو النور؟ وما علاقة الصلاة بالنور؟

(والصدقة برهان) فضل الصدقة، وما معنى البرهان؟ سر أسرار الصدقة.

(الصبر ضياء) ما هي أقسام الصبر؟ ولماذا قال صلى الله عليه وسلم: (الصبر ضياء) وقال: الصلاة نور؟ وما الفرق بين النور والضياء؟

(القرآن حجة لك أو عليك) فضل القرآن، أمة القرآن، المذهب الاستعماري والغزو الفكري في تحطيم مبدأ أمة القرآن.

(فبائع نفسه) من الذي اشترى؟ ما هو العقد؟ متى تتم البيعة؟ ما هي السلعة المشتراة؟

آيات الشراء والبيع في القرآن، الصكوك التي وقعها محمد عليه الصلاة والسلام.

(معتقها) العتق الحقيقي، الرق الحقيقي، أسباب العتق.

(أو موبقها) معنى أوبق عند أهل اللغة، أسباب الهلاك، ما هي موبقات الأعمال؟

فنسأل الله عز وجل أن يثبتنا وإياكم، وأن يفتح علينا وعليكم، وأن يزيدنا توفيقاً وإياكم.

هذا الحديث بدأه عليه الصلاة والسلام بجمله المختصرة النافذة، وبعباراته البليغة التي شحذت الأمة العربية، فعلمتها البلاغة، ومعجزته صلى الله عليه وسلم من المادة التي أجادها العرب، فقد أجادوا الفصاحة، وهم أمة الشعراء والبلغاء، فأتى صلى الله عليه وسلم، فضربها من جنس جماعتها، وأورد سوقها بزها، فأتى عليه الصلاة والسلام فبزها.......


معنى: (الطهور شطر الإيمان)




قال صلى الله عليه وسلم: {الطهور شطر الإيمان }.

الطهور هو: النقاء والصفاء، قال سبحانه وتعالى: إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [الأعراف:82] وقال سبحانه وتعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4] قيل دينك طهره من الأدناس، وقيل عرضك، وقيل ثيابك الظاهرة طهرها إذا أردت أن تصلي، واستدل أهل العلم بهذه الآية على وجوب تطهير الثياب، وأنها من شروط الصلاة، وقال سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222] وقال سبحانه وتعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [الحج:26].

فالطهر دينه، والطاهر رسوله، والطاهر بيته، والله يحب التوابين ويحب المتطهرين، هذا الطهور، وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الطهور الوضوء، وعند الترمذي : {الوضوء شطر الإيمان } وعند مسلم (الطهور) فرادف بينها صلى الله عليه وسلم، وسمي طهوراً؛ لأنه يطهر الأعضاء، فنصف باطن ونصف ظاهر، فالظاهر يطهر بهذا الطهور، والباطن عمارته بلا إله إلا الله، فتجتمع عند المسلم طهارتان: طهارة في الظاهر، وهي الوضوء والغسل، وطهارة في الباطن، وهي الإيمان الذي غرسه الله في القلوب.

أما شطر: فهو عند أهل اللغة نصف، يقال شطر الشيء نصفه، ويقال شطر للقسمين، ولو لم يكونا نصفين كثلث وثلثين، فتقول لهذا الجزء شطر وهذا شطر.

إذا مت كان الناس شطرين شامت بموتي ومثن بالذي كنت أفعل


هذا هو الشطر، فالرسول عليه الصلاة والسلام جعل الطهور الظاهر شطراً ونصفاً، وجعل ذاك نصفاً، فصلى الله وعليه وسلم ما أبلغه!

أما الإيمان -إخوة الإيمان- ففيه ثلاث قضايا:

الأول: إذا ذكر الله الإيمان وحده دخل فيه الإسلام وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:35] وإذا ذكر الإسلام مع الإيمان فالإسلام شيء والإيمان شيء آخر قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14] فلما ذكر الإسلام والإيمان قال أهل العلم: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. وإذا ذكر الله عز وجل الإسلام وحده شمل الإيمان وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85] يشمل الإيمان أيضاً، فخذها قاعدة لتفهم.

الثاني: الإيمان يزيد وينقص عند أهل العلم، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والمؤمنون متفاوتون في الدرجات، فأعلاهم بعد محمد عليه الصلاة والسلام أبو بكر ، ثم يبدأ العد التنازلي حتى يصل إلى من ليس في قلبه إلا مثقال ذرة أو شعيرة أو حبة من خردل، والناس ينجون يوم القيامة على الصراط بحسب إيمانهم، ولا يثبت إلا من زاد إيمانه، ويدخل بعض المؤمنين النار، ثم يخرجهم الله من النار بما في قلوبهم من إيمان، أعاذنا الله وإياكم من النار.

وأما الإيمان فإنه درجات، ومن يفعل كبيرة قالوا: يخرج إلى درجة الإسلام، فأعظم الدرجات الإحسان ثم الإيمان ثم الإسلام، فكل محسن مؤمن وكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمن ولا كل مؤمن محسن.......


معنى: (والحمد لله تملأ الميزان)




وقال صلى الله عليه وسلم: {والحمد لله تملأ الميزان }.......



معنى الحمد



الحمد: الثناء العاطر على من يستحق الثناء، ولا يستحق الثناء لذاته إلا الله، ولذلك سبقت معنا في محاضرة أو درس: اللهم اهدني فيمن هديت، الحمد ووصفه.

والله حمد نفسه ويحب المدح يقول الأسود بن سريع وهذا عند أحمد في المسند وعند الطبراني قال: {أتيت الرسول عليه الصلاة والسلام فقلت: يا رسول الله! ألا أنشد محامد حمدت فيها الله؟ -يعني: قصيدة نظمتها في الله- قال صلى الله عليه وسلم: أما إن ربك يحب المدح } ولذلك مدح الله نفسه، وأثنى على نفسه بنفسه، فوصف نفسه ونزه نفسه وقدس نفسه، وأثنى على نفسه، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [الأنعام:1] وقال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] وقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [فاطر:1] وقال: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:180-182].

والحمد غير الشكر، فالشكر على صنيع.

أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا


فإذا قدم لك إنسان جميلاً قلت: شكر الله لك، أما الحمد فهو الثناء، سواءٌ لمن قدم لك جميلاً أولا، والله محمود لثلاثة أسباب:

أولاً: ما من نعم ظاهرة ولا باطنة إلا من الله قال تعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل:53].

ثانياً: محمود لأفعاله، فأفعاله كلها كاملة وممدوحة وطيبة لا عيب فيها.

ثالثاً: أن أسماءه وصفاته كلها صفات حمد، فلا ينام، وليس ببخيل، وليس بجبان، ولا يختل صنعه، إنما صفاته كلها صفات حمد، حكيم عليم قدير رحيم تبارك الله رب العالمين.


ما هو الميزان؟



أما قوله عليه الصلاة والسلام: {الحمد لله تملأ الميزان } ففيه قضايا:


ما هو الميزان؟

قيل: ميزان الأعمال التي تسجل فيه الحسنات في يوم العرض الأكبر، والصحيح عند أهل السنة أنه محسوس خلافاً لعلماء الكلام والمناطقة الذين قالوا: إن هذا الميزان وهمي، وليس ميزاناً محسوساً، وإنما ضربه صلى الله عليه وسلم للناس ليفهموا عنه ذلك، وهذا خطأ، بل الميزان محسوس ينصبه الله يوم القيامة، وله كفتان ولسان كما قال تعالى: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف:8] ويقول الله سبحانه وتعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47] ويقول سبحانه وتعالى: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ [الأعراف:8-9] ويقول سبحانه وتعالى: الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:1-11].

فيضع الله الحسنات في كفة، والسيئات في كفة، وفيه دليل لـأهل السنة أن الحسنات تصبح مجسمة، فيجسم لك الله حسناتك، وفي الصحيح: أن الله عز وجل يمثل العمل الصالح في القبر على صورة شاب مليح أو رجل حسن الهيئة، ويمثل أعمال المجرم والسيئ بصورة رجل قبيح الهيئة؛ فالله يجسم الأعمال، فتأتي الأعمال في أجسام، كالصدقة والصيام والحج وبر الوالدين وحسن الخلق، فيضعها الله في كفة، ويجسم الله الأعمال السيئة كالكذب والنفاق والغيبة والنميمة والربا والغناء، فيضعها الله في كفة.

ومن الذي يحكم على الميزان؟ من الذي ينظر للسان الميزان؟

الله الواحد الأحد لا ظُلْمَ الْيَوْمَ [غافر:17] وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46].

وورد أن الله عز وجل بعد نفخة الصعق ينادي: لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه ملك مقرب ولا نبي مرسل فيجيب نفسه بنفسه: لله الواحد القهار، وينادي سبحانه وتعالى: {أين ملوك الأرض؟ أين المتجبرون؟ أين المتكبرون؟ } ثم هو سبحانه وتعالى ينصب الميزان، وهو الذي يراقب الميزان.

وورد عن ابن عمر في حديث صحيح: {أن رجلاً يأتي يوم العرض الأكبر، فيحاسبه الله، فيرى الرجل ويتيقن أنه قد هلك فيقول: خذوه إلى النار، فيأخذونه، فيلتفت الرجل فيقول: يا رب ما ظننت أنك تفعل بي هكذا، فيقول سبحانه وتعالى: أنا عند ظن عبدي بي! غفرت لك! } وفي حديث ابن عمر الآخر: {أن الله سبحانه وتعالى يدني العبد فيضع عليه كنفه، فيكلمه سبحانه وتعالى سراً بينه وبينه فيقول: فعلت كذا يوم كذا وكذا قال: نعم يا رب! قال: فعلت كذا يوم كذا وكذا، قال: نعم يا رب! قال: فعلت كذا يوم كذا وكذا من المعاصي والكبائر قال: نعم يا رب! قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وغفرتها لك اليوم } وصح عنه عليه الصلاة والسلام: أن رجلاً من الأمة يأتي، فيرى أن سيئاته قد رجحت، وأن حسناته قد خف ميزانها فيرى أنه قد هلك، فيقول سبحانه وتعالى: ائتوني ببطاقة عبدي، فيؤتى ببطاقة مكتوب فيها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فتوضع في الكفة فترجح. ولا يرجح مع اسم الله شيء.

هذه من المعالم الخالدة في الميزان، ويقول سبحانه وتعالى: الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ [الرحمن:1-7].



أنواع الميزان



قال أهل العلم: الميزان اثنان:

ميزان في الدنيا وهو العدل، وهو الميزان الذي يتحاكم به الناس في الدماء والفروج والأموال والأشياء والذوات والمبيعات والمكيلات والموزونات، فالله أقام الدنيا على العدل، وجعل السلطان بالعدل، وأنزل السيف بالعدل.

وهناك الميزان الذي لا يحكم فيه إلا الله، ولذلك يقول: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] فلا يحكم إلا هو، ولا يظلم أحداً وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] فالأعمال توزن وتجسم، فعلى العبد أن يعتني ليرجح ميزانه عند من لا يظلم سبحانه وتعالى.



_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الأربعاء 31 أكتوبر 2007 - 23:51

معنى: (سبحان الله)



وأما قوله عليه الصلاة والسلام: {سبحان الله }.

فسبحان الله معناها: ننزهك يا رب، فالتسبيح: التنـزيه والتقديس له، نسبحه: ننفي النقائص عنه، ولا يستحق المدح إلا الله، فإنه ليس في صفاته عيب ولا ثلم، أما النفي المحض الذي ليس فيه مدح، فليس من منهج أهل السنة ؛ لأنه لا يفيد المدح، فإنك لو أتيت إلى البشر -ولله المثل الأعلى- وقلت لأحد ملوك الدنيا: يا من ليس يكنس الشارع! ويا من ليس يبخل! ويا من ليس يكذب! ويا من ليس منافقاً! فلا يعد ذلك مدحاً حتى تقول: يا أجود الناس! ويا أعدل الناس! ويا بركة العصر! فنحن إذا نفينا نفياً محضاً، فلا بد أن نثبت كمال الضد، فنقول: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، ولذلك قال سبحانه: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات:180].

فوصف نفسه بالعزة، ونفى ما وصفه الناس مما لا يليق به سبحانه وتعالى، ثم قال: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [الصافات:181] فأثنى عليهم أنهم بلغوا الرسالة، ثم نسب المدح له، فلا يمدح في السراء والضراء إلا هو، تذهب العيون والأسماع والأبصار فنقول: الحمد لله، ويأتي الرسول صلى الله عليه وسلم خبر قتل الصحابة؛ فيأتي متأثراً باكياً نادماً فيه لوعة وأسى فيقول: الحمد لله على كل حال، ويموت طفله بين يديه فيقول: الحمد لله، وتموت بناته ويقول: الحمد لله، فلا يحمد على المكروه إلا الله، ولذلك لما دمر الأمم قال: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:45] ولذلك لا يقال للبشر: دمرت بيتي شكر الله لك، ولا ضربت ظهري شكر الله لك، إنما ذلك في حق الله تعالى لا في حق البشر.......



إثبات التسبيح لجميع الكائنات



قال: وأما التسبيح، فهل تسبح جميع الكائنات؟

نعم. كما قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً [الإسراء:44] قال الرازي والغزالي : لا تسبح الكائنات بلسان المقال، وهؤلاء أشاعرة بل هم أساتذة الأشاعرة ، ولكن ليس عندهم علم الحديث، وليسوا بصيارفة في بضاعة النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك ضلوا في بعض المسائل، مع أنهم أذكياء.

فقد كان فخر الدين الرازي ذكي الدنيا، وهو صاحب التفسير الذي لا يستطيع حمارٌ أن يحمله، يقولون: في تفسيره كل شيء إلا التفسير، وفيه خير كثير.

وأنا أستطرد في الحديث عنه قليلاً، كان واعظ الدنيا، إذا وعظ أبكى الملوك، كان يغمى على الملوك في مجلسه من الوعظ، ويرشون بالماء، وجلس مرة بعد صلاة الفجر يدرس في الشمال في خراسان ، وكان الجو قارساً بارداً، فتجمدت حمامة من البرد ووقعت عليه، فقال أحد الشعراء:

كذب امرؤ بـأبي علي قاسه هيهات يبلغ مستواه


ثم انتقل إليه في قصيدة أخرى وقال:

جاءت سليمان الزمان حمامة تسعى إليه بقلب صب واجف
من أخبر الورقاء أن مكانكم حرم وأنك ملجأ للخائف


وكانت من ألطف الأبيات، فيقول الرازي : الكائنات لا تسبح بألسنتها، فالحمام لا يسبح، والشجر لا يسبح بلسانه، والحجر لا يقول: سبحان الله، والمروحة عنده لا تقول: سبحان الله، إنما تسبح بلسان الحال، أي: أنها تشهد شهوداً ظاهراً أنَّ الخالق الله، ولذلك قيل للرسول عليه الصلاة والسلام: اقرأ وهو في الغار، فأين يقرأ؟ قال: في كتاب الكون.

إيليا أبو ماضي شاعر لبناني مسيحي مجرم، لكن شعره جميل، وله ديوان الجداول والخمائل ، يقول:

وكتابي الفضاء أقرأ فيه سوراً ما قرأتها في كتاب


فالكون كتاب الوحدانية، نقرأ في التل والرابية والهضبة، ونقرأ في الحمامة وفي الوردة وفي الزهرة وفي أشياء تدلك على الله.

وقال أهل العلم: نثبت التسبيح لها، ولعل لها لغة لا نفهمها نحن، تسبح بها، والله يعلم سبحانه وتعالى وأنتم لا تعلمون.

سخروف هذا العالم الروسي الذي نفي أيام برجنيف إلى سيبيريا أثبت أن للنبات ذبذبات، كان بعض علماء السلف يقول: النباتات تسبح، فأتى العلم الحديث يقول: النبات يطلق ذبذبات من الصوت لا يفهمها إلا النبات الآخر، فسبحان من خلق، فالعلم الآن يدعو إلى الإيمان، وكلما ارتقى العلم أثبت وجود الواحد الأحد، ولذلك العالم اليوم أحسن منه في الإيمان قبل سنة، وبعد سنة قد يكون أحسن مما هو عليه اليوم، والإسلام يزحف على العالم ليدخل الناس في دين الله أفواجاً.



فضل التسبيح



أما فضل التسبيح: فيقول عليه الصلاة والسلام في الصحيح: {من قال: سبحان الله وبحمده في يومه مائة مرة غفرت ذنوبه ولو كانت كزبد البحر } وعند الترمذي بسند حسن: من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة } وقال أبو ذر فيما صح عنه: { يا رسول الله أي الكلمات أحسن؟ قال:{ما اصطفى الله لعباده، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم } وكان يقول عليه الصلاة والسلام وهذا آخر حديث في صحيح البخاري ختم به صحيحه ، وروى هذا الحديث أيضاً مسلم ، ورواه أيضاً أحمد ، والترمذي ، وابن ماجة ، والنسائي ، وصححه ابن حبان ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم } وهذه الكلمة من ألطف الكلمات، وهي من أسهل الكلمات.

قال ابن الجوزي في صيد الخاطر كلاماً ما معناه يقول: عجباً لك إذا علمت أن كل كلمة بغرسة في الجنة وبنخلة، فكم يضيع عليك من النخلات؟! بعض الناس يتحدث ساعتين بالهرج والضياع والهراء والبغاء والفحش، وإذا طلبت منه أن يسبح قال: ساعة لربك وساعة لقلبك، والدين يسر، وليست الطاعة كل يوم.

وعند الترمذي : {أنه صلى الله عليه وسلم مر بإبراهيم الخليل -شيخ التوحيد- فقال: من؟ قال: محمد. قال: نعم. قال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح } ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يفتخر بالنسب إلى إبراهيم ويغتبط ويسر ويقول للناس: {أما عيسى بن مريم فأشبه الناس بهعروة بن مسعود الثقفي ، وأما موسى فرجل آدم كأنه من رجال شنوءة، وأما إبراهيم فأشبه الناس به صاحبكم } يعني: نفسه صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:68] فالرسول صلى الله عليه وسلم أشبه الناس به، فقال إبراهيم عليه السلام: {أقرئ أمتك مني السلام } عليه الصلاة والسلام، يقول: بلغهم السلام، وكان إبراهيم في السماء السابعة، رفعه الله عز وجل؛ لأنه شيخ التوحيد، ثم موسى في السادسة، وهارون في الخامسة، وإدريس في الرابعة وهكذا، فقال: {بلغ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة قيعان وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر } وفي سند هذا الحديث نظر، وهو في فضائل الأعمال، يقول عليه الصلاة والسلام عند مسلم : {لأن أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس -وفي لفظ آخر أو غربت- } والتسبيح يستخدم للتعجب، يأتيك خبر يفحؤك، فتقول: سبحان الله! سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16] وعندما ترى خلق الله في الكون تقول: سبحان الباري! ويأتي للتوجع يأتيك خبر فتقول: سبحان الله! ويأتي للإنكار فتقول: سبحان الله!



تسبيح الهروي في قصته مع السلطان ابن سبكتكين



كان أبو إسماعيل الهروي محمد بن عبد الله الأنصاري صاحب منازل السائرين من أشجع الناس، عالم خراساني يسمى شيخ الإسلام، هذا يتحدى السلاطين تحدياً سافراً، لا يقف له أحد، وكان من أكبر الأولياء لله عز وجل، وكان شاعراً بديعاً يقول لـنظام الملك ؛ السلطان العظيم الذي بنى مدارس العالم الإسلامي، وكان من السادات الكبار، دخل عليه أبو إسماعيل الهروي فقال:

بسيفك أدرك المظلوم ثاره ومن جدواك شاد الملك داره


وقبل هنئ الوزراء حتى نهضت بها تهنأت الوزاره


أراد الحسدة في خراسان أن يشكوه للسلطان ويقولون: إنه مشرك، وهو الذي يعلم الناس التوحيد؛ لعل السلطان أن يعزله أو يقتله أو يحبسه، فماذا فعلوا؟ أتوا بصنم على صورة إنسان نحتوه من ذهب ثم دخلوا مسجد أبي إسماعيل ، ووضعوا الصنم تحت السجادة، وذهبوا إلى السلطان والسلطان محمود بن سبكتكين أحد السلاطين الكبار، فقالوا: أبو إسماعيل الهروي يعبد الأصنام، قال: عجيب! قالوا: نعم. تحت سجادته صنم من ذهب يسجد عليه، قال للجنود: اذهبوا إلى السجادة وائتوني بالصنم، فذهبوا فوجدوا الصنم تحت السجادة، وأتوا بـأبي إسماعيل فأدخلوه وهو لا يدري ما القصة، فأخرج له الملك الصنم فقال: ما هذا يا أبا إسماعيل ؟ قال: هذا صنم، قال: ما حكم عبادة الصنم؟ قال: ملعون من يعبد الأصنام، قال: وأنت تعبد الصنم؟ قال: سبحانك هذا بهتان عظيم! قال: فكاد قلب محمود أن ينخلع، فقال محمود : كذبتم وصدق، ثم جلدهم من مائة جلدة وأخرجهم.

هذا أبو إسماعيل الهروي يقول: عرضوا رأسي للسيف خمس مرات، والله ما طلبوا مني أن أعود عن مذهبي، لكن طلبوا مني ألا أسب المذاهب فما وافقت، ما وافق لأنه يحب لا إله إلا الله، كان ابن تيمية يحبه ويقول: عمله خير من علمه؛ لأنه أحياناً في منازل السائرين يأتي بالفناء والشهود وكلمات الصوفية ، لكن إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث.

وله قصص عجيبة في هذا الباب:

أتوا بأحد تلاميذه ليقتله السلطان ظلماً؛ لأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فلما قدموه للخشبة ليشنقوه فقيل له: قل: لا إله إلا الله، قال تلميذه: يقول لي شيخي أبو إسماعيل الأنصاري : لا تعلف الدابة في أسفل العقبة، أي أن لا إله إلا الله لا تنفع إلا عند المشنقة، قل لا إله إلا الله من قبل، ولا يترك الإنسان نفسه ولا يذكرها إلا إذا أتاه الموت أو أصبح على السرير الأبيض في وقت المرض، فالدابة إذا أردت أن تصعد من تهامة ، وأردت أن تقويها، فلا ينفع أن تأتي في الصباح تعلفها الشعير حتى تسمن، بل اعلفها من قبل بمدة كافية، وهذا معنى كلامه، وهي من أبدع الكلمات.


شرح قوله: (والصدقة برهان)




أما قوله عليه الصلاة والسلام: {والصدقة برهان }.

فالبرهان هذا هو الشعاع الذي يلي الشمس، والشمس تسمى عند العرب: ذُكاء، ويسمى شعاعها: إِيَاك، وتسمى الشمس أيضا: الغزالة، يقول الشاعر:

غزالة أنت فجر الناس طراً وأنت الحاكم البطل المريع


يمدح الخليفة، فغضب الخليفة لأنه لا يعرف العربية الفصحى قال: اسحبوا ابن الفاعلة يدعيني أنا غزالة، قال: الغزالة هي الشمس لكنه لم يفهم، ولذلك قالوا: لا بد أن تخاطب الناس بقدر عقولهم، فالشاعر بليغ، وهذا لا يفهم شيئاً في اللغة العربية، وشعاعها يسمونه إِيَاك ولذلك يقول أبو عبيد : لا يقرأ إِيَاك في الصلاة، إذا قرأت الفاتحة وقلت: إِيَاك نعبد وإِيَاك نستعين بطلت صلاتك؛ لأن إِيَاك تعني: شعاع الشمس، يعني: الشمس نعبد والشمس نستعين، فلا بد أن تشدد فتقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وتسمى: ذكاء.

ومن اللطائف والاستطراد ما جاء في الصحيح: أن الله رد الشمس ليوشع أحد الأنبياء، فقاتل الكفار، وبقي على الانتصار قليل، وكادت الشمس تغرب، قال: اللهم ردها لي، فردها الله.

والشيعة يقولون: رد الله الشمس لـعلي بن أبي طالب لما نام عن صلاة العصر، وهذا كذب، وذكره البغوي والطحاوي وبعضهم، ورده ابن تيمية وأتى أبو تمام به في قصيدة له فقال:

فردت علينا الشمس والليل جاثم وشمس بدت في جانب الخدر تلمع


نضا ضوءها صبغ الدجنة وانطوى بطلعتها نور السماء المرجع


فوالله ما أدري علي بدا لنا فردت لنا أم كان في القوم يوشع


وهذا خطأ فما ردت لـعلي رضي الله عنه.

فمن معاني البرهان الشعاع، ومن معانيه الحجة القاطعة وقد قال تعالى: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148] وقال سبحانه وتعالى: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111] وإنما سمي برهاناً؛ لأنه واضح مثل شعاع الشمس، ولأنه صادع، ولأن الناس يرونه.......



فضل الصدقة



قال صلى الله عليه وسلم: {والصدقة برهان }.

أما الصدقة فلا تسأل عن حكمها، والصدقة إذا أطلقت في الكتاب والسنة فيقصد بها الزكاة المفروضة والنافلة، فقوله صلى الله عليه وسلم: {فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم } وقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ [التوبة:60] يعني: الزكاة، فهي تشمل هذا وهذا والحمد لله.

وأما فضل الصدقة: فهي مكفرة للخطايا، وهي توسع صدر العبد، وعدها ابن القيم في زاد المعاد من أسباب شرح الصدر، وكذلك وصف صلى الله عليه وسلم رجلين كريماً وبخيلاً، برجلين عليهما جبتان، فلا يزال الكريم ينفق فتتسع الجبة ولا يزال البخيل يمسك فتضيق عنه، فيقول أبو هريرة : فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: {فيجتهد أن يوسعها فلا تتسع } يعني الجبة من ضيقها، ولذلك نفوس البخلاء من أضيق النفوس؛ لأنهم ما بذلوا، ونفوس الكرماء من أشجع النفوس ويقولون: في الغالب تجتمع للكريم الشجاعة، وللشجاع الكرم، وغالباً يجتمع في البخيل الجبن وفي الجبان البخل، فتجد الشجاع دائماً كريماً؛ لأنه يجود بنفسه صباح مساء، يقول بعضهم:

يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود


وهذا في كرم النفوس، فيقول صلى الله عليه وسلم: {والصدقة برهان } دليل على صدق صاحبها في الإيمان، والمنافق لا يتصدق، وأبخل الناس في الأموال المنافق، فإنه يكدس الدنيا ولا ينفق أبداً؛ لأنه لا يؤمن بموعود الله، فهو ليس حريصاً على قيام الليل؛ لأن أخبار لقاء الله عز وجل وأخبار الكتاب والسنة ليست موثوقة عنده، وكذلك لا يتصدق لأنه يقول: عصفور في اليد ولا عشرة فوق الشجرة، ويقول:

خذ ما رأيت ودع شيئاً سمعت به في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل


ويقول سبحانه وتعالى: وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [النساء:37] لذلك تجد المنافق يقول: أمسك مالك، ودع الإسراف والتبذير، ولا تضيف هؤلاء الضيعة من الناس، ولو افتقرت لما ضيفك منهم أحد، ولا ينفعك إلا مالك، وادخر درهمك الأبيض ليومك الأسود!! ويأتيك بهذه المقالات، ومن أحسن من كتب في هذا الجاحظ في كتاب البخلاء فقد أتى بالبدائع في بخل بعض الناس، حتى إن أحدهم يلقي محاضرة إذا قدم الطعام، منهم أحد البخلاء قدم تيساً محنوذاً، والتيس معروف، فأتى هذا الضيف يأكل منه، فقال له البخيل: يظهر أن أمه نطحتك، كأنه أخذ يلعب بالتيس لعباً، وكأنه يقطع من كبد المضيف، فقال له الضيف: وكأن أمه أرضعتك، يعني: لماذا تحن عليه؟ هل بينك وبينه نسب؟! الحمد لله يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وذكر من قصصهم كثير وكثير ولولا أن الوقت لا يسمح لأوردت بعض القصص من أخبارهم والله المستعان.



_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الأربعاء 31 أكتوبر 2007 - 23:51

أسرار الصدقة وكرماء العرب



أما أسرار الصدقة، فقالوا: تشرح الصدر، وتكفر الخطايا، والصدقة في السر تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وتحبب الخلق إلى الإنسان.

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ


وهو من أجود ما يكون، وكرماء العرب اختلف فيهم، وأكرم الناس منذ أن خلق الله الخليقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي في القائمة بعده أبو بكر الصديق الذي دفع ماله في سبيل الله، وما دفعه ليشكر في الدنيا، وإنما يبتغي به وجه الله، وأثنى عليه ربنا في كتابه فقال: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل:18-21] من أجل أن يرضى يوم العرض الأكبر وسوف يرضيه الله تبارك وتعالى.

وأما بعض الكرماء فإنهم ينفقونها رياءً وسمعة وطلباً للمحمدة، ويعطيهم الله المحامد مثل حاتم الطائي ، لا يخلو مجلس من ذكر حاتم ، لكن ليس له في الدنيا إلا الذكر وليس له في الآخرة من خلاق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح ابن حبان لـعدي بن حاتم : {إن أباك طلب شيئاً فأصابه } طلب الذكر فأصابه، وكان حاتم هذا كريماً من فطرته.

وكان صلى الله عليه وسلم يستعرض الأسارى، فقامت امرأة متحجبة -بنت حاتم الطائي - فقالت: {يا رسول الله! إن أبي كان يقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، ويحمل الكل، ويعين الملهوف، أنا بنت حاتم الطائي ، قال صلى الله عليه وسلم: خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه }.

يقولون: كان حاتم وهو طفل يرضع من ثدي أمه، فأتت أمه بطفل آخر يرضع معه على الثدي الآخر، قالوا: فإذا رفع ذلك الطفل رأسه رفع حاتم رأسه، فإذا رضع رضع، هذا من ضمن ما ذكروا عنه، وأتاه أضيافه فما وجد قرى فنحر فرسه، إلى غير ذلك من الأخبار.

أرسله أبوه يرعى الإبل في البادية، فمر ضيوف فقال: من أنتم؟ قالوا: هل تضيفنا في هذه البادية فلم يضيفنا أحد؟ قال: هذه ضيافتكم وأعطاهم الإبل.

وكان حاتم نحيفاً؛ لأنه ما كان يأكل الطعام، كان إذا أتى الطعام دعا الناس جميعاً فأكلوا الطعام وبقي هو جائعاً، فقال أبياتاً من الشعر نسبت له ولـعروة بن الورد :

أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى بوجهي شحوب الحق والحق جاهد


أوزع جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد


وإني امرؤ أعافي إنائي شركة وأنت امرؤ عافي إنائك واحد


حتى ضرب به المثل، فقال الفرزدق :

على ظمأ لو أن في القوم حاتماً على جوده ضنت به نفس حاتم


فالله المستعان!

وأما ابنه عدي فسيد من السادات، وهذا ليس من بحثنا في شيء.



شرح قول: (والصبر ضياء)




قال صلى الله عليه وسلم في الصبر: {والصبر ضياء }. لماذا قال: (ضياء) ولم يقل نوراً؟

الضياء: نور فيه حرارة، والنور: نور بلا حرارة، شعاع بلا حرارة، اسمع إلى كلام الله سبحانه وتعالى كيف فرق بين الشمس والقمر في الإضاءة، اسمع بلاغة القرآن قال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً [يونس:5] فالشمس ترسل شعاعاً بحرارة، والقمر يرسل شعاعاً بلا حرارة، فقال: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً [يونس:5] لذلك لا يقال: ضياء القمر، وإنما يقال نور القمر، ولا يقال: نور الشمس، وإنما يقال ضياء الشمس.

وقال بعضهم: وأما شريعة موسى فوصفها الله بأنها ضياء ووصف شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بأنها نور، فشريعة محمد صلى الله عليه وسلم مثل القمر، وشريعة موسى أشبه شيء بالشمس، فما هو السر؟ انظر إليه سبحانه وتعالى يقول عن القرآن: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ [الأنبياء:48] وقال عن التوراة: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ [المائدة:44] ففيها نسبة من النور لكن هناك ضياء، أما شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول سبحانه: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة:15] وقال سبحانه: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ [الأعراف:157]. قال أهل العلم: شريعة موسى فيها آصار وأغلال؛ فسماها الله ضياء؛ لأن فيها تكاليف تحرق، وأما شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنها يسر، قال تعالى: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى:8] وقال: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:1-2] فكانت ميسرة، فشريعته صلى الله عليه وسلم حنيفية سمحة، وشريعة موسى شديدة، كان اليهودي إذا أذنب يكتب على جبينه الذنب، إذا شرب الخمر في الليل خرج في الصباح مكتوب على جبينه شرب الخمر، وكان إذا أصاب البول بشرة أحدهم قطع البشرة، أما نحن فشريعتنا سمحة قال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78] وهناك رخص تناسب الإنسان وطموحه وأشواقه وآماله، فالمريض له رخصة، والمسافر له رخصة، وكذلك الحائض، والنفساء، والصغير، والنائم، والمجنون كل له أحكام، ولله الحمد والشكر.

قال: الصبر ضياء؛ لأن الصبر فيه مشقة.......



نماذج من الصابرين



وبالصبر يدرك الإنسان كل خير، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: {واعلم أن النصر مع الصبر } ولا ينتصر الإنسان على نفسه وعدوه إلا بالصبر.

لم يكن عنترة بن شداد الجاهلي الشجاع مسلماً، لكن كان يحطم الرءوس بسيفه، وكان من أشجع العرب، قال له أحد الناس: يا عنترة ! جسمي أكبر من جسمك، فكيف تغلب الرجال ولا نغلبهم نحن، قال عنترة : أعطني إصبعك وأعطيك إصبعي، فأعطاه إصبعه وأخذ هو إصبع ذاك، فقال: عض إصبعي وأعض إصبعك، ليدلل له أن المسألة مسألة هل يصبر أم لا، فعض عنترة وعض ذلك، فما لبث ذاك أن قال: آه فانطلقت إصبع عنترة فقال: بهذا غلبت الرجال.

أقسمت أن أوردها حرة وقاحة تحت غلام وقاح


إما فتى نال المنى فاشتفى أو فارس زار الردى فاستراح


إذا سألت الله في كل ما أملته نلت المنى والفلاح


بهمةٍ تخرج ماء الصفا وعزمة ما شابها قول آح


فإذا قال الإنسان: آح، فهذا يعني أنه ما صبر، وكانت العرب تكره للإنسان إذا ضرب بالسيف أن يقول: حس؛ لأن هذا من أصوات ضرب السيف يقال للفرس: صه، يعني: انهض، والعربي الشجاع إذا ضرب بالسيف يكظم أنفاسه، ولا يقول شيئاً.

وهذا خبيب بن عدي لما صلب في مكة ، ما قال حرفاً، وإنما أنشد قبل أن يتوفى بدقائق فقال:

فلست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي


وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلوٍ ممزع


وحبيب بن زيد أحد الصحابة مزق جسمه مسيلمة الكذاب ، فأخذ يقطع منه قطعة وقطعة وقطعة قالوا: فضم أسنانه بعضها على بعض، وما تلفظ بحرف، فهذا من أعظم الناس.



أقسام الصبر



الصبر على ثلاثة أقسام:


صبر على أقدار الله المؤلمة.

وصبر على أداء الطاعات.

وصبر على اجتناب المعاصي.

وأعظمها الصبر على أداء الطاعات وهو: أن تصبر على أداء الصلوات في أوقاتها، وعلى الوضوء، وقيام الليل، والصدقة، والصيام في الحر، والحج، وعلى تكاليف العبادة إن كان فيها تكاليف، فهذا صبر على الطاعات.

والصبر على الأقدار المؤلمة، أن تصبر على موت الطفلة، وموت الوالدة، والحبيب، أو على فقد بصرك، أو سمعك، أو البلاء في جسمك، أو أخذ مالك، أو ضرب جسمك، أو حبسك، فكل هذا من الصبر.

والصبر عن المعاصي أن تصبر على اجتناب الفواحش والمنهيات.

فهذه أقسام الصبر الثلاثة، وأسعدها وأحسنها الصبر الأول، وقد ابتلى الله عز وجل الخليقة بهذه الأصناف، فبعضهم يصبر على الطاعات ولا يصبر عن المعاصي، بعض الناس يقوم الليل من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، ولكن إذا عرضت له فتاة، لا يصبر؛ بل ينظر، وبعضهم يسمع الغناء، وهذا أخطأ في هذا الجانب، وأصاب في الآخر، وبعضهم يصبر عن المعاصي، ولا يصبر على الطاعة، فتجده لا يسمع محرماً، ولا يعصي الله عز وجل؛ لكنه من أسوأ ما يكون إذا قام للصلاة، وبعضهم يصبر على هذا ولا يصبر على الأقدار المؤلمة، فإذا أتاه جراح، أو ماتت بنته أقام الدنيا وأقعدها، وبقي يبكي سنة، ويتسخط على القضاء والقدر.

ويذكر أن أحد العوام من الناس الجهلاء بالشرع كانت له طفلة، وقد وكان عقيماً، ثم رزقه الله هذه الفتاة، وجاره عنده تسع بنات، فمرضت هذه البنت، وأشرفت على الوفاة، فأخذ يجلس عند الرصيف، ويقول: يا رب! هذه بنت، وفلان عنده تسع وتأخذها، سبحان الله! قالوا: فتوفيت ابنته فخرج -نسأل الله العافية- غاضباً ينظر إلى السماء، ويقول: أما على الضعفاء مثلي وأمثالي فتستطيع، وأما صاحب التسع فما تستطيع!!

ومثل ذلك القصائد التي مرت في الاعتراض على القضاء والقدر فلله الحمد، فله القضاء المطلق، ولا بد من الصبر، وأسعد الناس من إذا أذنب استغفر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتلي صبر، هذه منازل الربانيين الموحدين المحمديين صبر في البلاء، وشكر في الرخاء، واستغفار عند الذنب، وهذه في القرآن جميعاً، فأنت إذا فتحت الأبواب الثلاثة، وأعطيت كل باب منـزلته، أسعدك الله في الدنيا والآخرة.


القرآن حجة لك أو عليك




وأما قوله عليه الصلاة والسلام: {القرآن حجة لك أو عليك } هذا القرآن لا يقوم على الإنسان إلا بزيادة أو نقص، ليس كتاب ثقافة ولا مطالعة؛ لأن كتاب المطالعة إن قرأت فيه أو لم تقرأ أو تدبرت أو لم تتدبر فأنت أنت، أما القرآن وحده فإنك إذا قرأته متدبراً؛ زادك الله بصيرة، وإلا زادك خسراناً والعياذ بالله، قال سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً [الإسراء:82] قال بعض السلف : ما جالس أحد القرآن، فقام عنه سالماً، بل إما أن يربح أو أن يخسر، ثم تلا هذه الآية.

أما قوله صلى الله عليه وسلم: {حجة لك } فإن من عمل بالقرآن دافع عنه القرآن يوم القيامة، وعند الحاكم في المستدرك : {يأتي القرآن والصيام يوم القيامة، فيقول الصيام: يا رب! منعته طعامه بالنهار، ويقول القرآن: يا رب! منعته نومه بالليل، فيستشفعان فيه، فَيَشْفَعَانِ فيه } ولا يزال القرآن يحاج عن العبد يوم القيامة ويقول: يا ربِّ أسهرته، يا ربِّ عمل بي، يا رب ترك نواهيه؛ حتى يدخله الجنة، وفي أحاديث صحيحة: وصف الرسول صلى الله عليه وسلم (سورة تبارك) أنها المنجية، أنجت صاحبها من عذاب القبر، ثلاثون آية حاجت عن صاحبها حتى منعته عذاب القبر؛ لأن ملائكة العذاب أتت إلى رجل في القبر، فأرادوا أن يدخلوا إليه، واقتربوا من وجهه، فأتت (تبارك) دون وجهه، ثم أتت إلى أقدامه فمنعته، وإلى جنبه فمنعته، فحاجت عنه، والمراد من قام بها وعمل بمقتضاها.

وأنا أرشدكم إلى كثرة قراءة سورة الملك تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك:1] وأن تكرروها، ولو في اليوم والليلة مرة، وأن تسعدوا بقراءتها وأن تحفظوها أبناءكم.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: { أو عليك }.

فإنه يأتي لمن أبطل تعاليمه وأبطل مراسيمه، فهو يحجه ويدمغه ويكذبه، ويقول: يا ربِّ قرأني ولم يعمل بي وخالف أوامري، قرأ: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18] وهو يظلم، وقرأ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [البقرة:27] وهو يقطع، وفي القرآن لعنة المنافقين وهو ينافق، وتحريم الربا وهو يرابي، وتحريم الزنا وهو يزني، وتحريم الغناء وهو يسمع الغناء، فهذا محجوج يوم القيامة.

فالقرآن أمام رجلين: إما أن يأخذ الرجل فيقوده حتى يدخله الجنة، وإما أن يأخذ الرجل من قفاه حتى يزج به في النار، ولا يترك القرآن العبد أبداً، هذا القرآن حجة لك أو عليك، فعلى الإنسان أن يستعرض حياته ومنهجه ونفسه على ضوء القرآن الكريم الذي نزل على سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام.

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يمثل القرآن يوم القيامة رجلاً، فيؤتى بالرجل قد حمله، فخالف أمره، فيتمثل خصماً، فيقول له: يا ربِّ حملته إياي فشر حامل، تعدى حدودي، وضيع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال: شأنك به، فيأخذ بيده، فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار، ويؤتى بالرجل الصالح كان قد حمله وحفظ أمره، فيتمثل خصماً دونه، فيقول: يا ربِّ حملته إياي فخير حامل، حفظ حدودي، وعمل بفرائضي، واجتنب معصيتي، واتبع طاعتي، فما يزال يقذف له بالحجج حتى يقال: شأنك به، فيأخذه بيده، فما يرسله حتى يلبسه حلة الإستبرق، ويعقد عليه تاج الملك، ويسقيه كأس الخمر } كأس الخمر الذي في الجنة، رواه ابن أبي شيبة وابن الظريف في فضائل القرآن ، والخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل ، وفيه محمد بن إسحاق وقد عنعن وهو مدلس، وقد رواه أيضاً البزار ، وذكره الهيثمي في المجمع وقال: فيه ابن إسحاق وهو ثقة، ولكنه مدلس وبقية رجاله ثقات.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: [[القرآن شافع مشفع، وحامل مصدق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار ]] وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه } وهذا عند مسلم : {وتأتي سورتا البقرة وآل عمران كغمامتين أو كفرقان من طير صواف تظلان صاحبهما يوم القيامة } وصح عنه أيضاً أنه: { يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل؛ فإن منـزلتك عند آخر آية تقرؤها } فيقرأ الذي كان يقرأ في الدنيا ويعمل حتى يقف إلى مستوى حفظه في الدنيا، فنسأل الله أن يعيننا وإياكم على حفظه، والعمل به وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار.......


كل الناس يغدو



وأما قوله عليه الصلاة والسلام: {كل الناس يغدو }.

فالغدو هو الذهاب -عند أهل اللغة- في أول النهار، قال النابغة الذبياني :

زعم البوارح أنَّ رحلتنا غداً وبذاك خبرنا الغراب الأسود


يتشاءم بالغراب، والعرب يتشاءمون بالغربان.

يقول: الأسود أخبرنا بأننا سوف نسافر غداً، والشاهد هنا غداً، ولكن قد تستخدم في غير غدو الصباح، مثل ذهب ورجع فيقال: غدا وراح.

فقوله: يغدو أي: يذهب، فمعناه يذهب في تجارته وفي كسبه وفي عمله، فهو على أحد رجلين: إما مرضياً عنه، وإما مغضوباً عليه، والناس على ذلك: الأستاذ والموظف والجندي والمسئول والكبير والصغير والتاجر والفلاح والطبيب والمهندس والمؤذن، كلهم يغدو في الصباح، يركب سيارته إلى عمله، فهو أحد صنفين إما ذاهب في غضب الله حتى يعود، أو في رضا الله حتى يعود.

وأنا أضرب لك مثلاً: موظف ذهب متوضئاً، وقد صلى الفجر في جماعة، وذكر الله عز وجل فذهب إلى عمله وفي نفسه أن ينصر دين الله، وأن ينصر أولياءه وأن ينهي أمور المسلمين وأن يساعد المحتاجين وألا يتغيب عن وظيفته وأن يؤدي أمره على أحسن وجه، لحديث: {إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه } فذاك في رضا الله حتى يعود، وهذا الذي اشترى نفسه من الله. وموظف ترك صلاة الفجر فلم يصلها في جماعة، وقام بلا ذكر، وذهب إلى عمله، قلبه معقود على الغضب وعلى الكبر، لا يريد نفع المسلمين ولا أداء عمله على أحسن وجه، ولا يريد الإحسان إلى المساكين، يؤخر معاملات الناس، ويرتشي في أموره ويغضب إذا دخل عليه الصالحون، أخذ منصباً؛ حرباً لأولياء الله، وحرباً لعباد الله، يدس لهم الدسائس، ويعمل لهم الأحابيل، فهذا في غضب الله وفي لعنة الله حتى يعود، فقس طبقات الناس على ذلك، والله رقيب على الأعمال ورقيب على التصرفات، وهو الذي يحاسب الناس ولا يحاسبه أحد، لا معقب لحكمه، فلا يوقع بعده أحد، لا يسأل عما يفعل وهو يسألون، ويستعرض سبحانه وتعالى طبقات الناس يوم القيامة -الجنود والموظفين، والأساتذة، والطلاب، والفلاحين والتجار- في يوم العرض الأكبر، فيحاسبهم بأيامهم وما فعلوه.

والناس على ضربين:

رجل جعل وظيفته ومنصبه حرباً لله ولرسوله ولأوليائه، فلا ينتقد إلا الصالحين، ولا يعادي إلا الأخيار، ولا يقف حجر عثرة إلا عند الأبرار، فيسهل أمور الأشرار، ويتقرب إلى الفجار، ولا يراقب الله الواحد القهار.

ورجل آخر جعل منصبه دعوة إلى الله، واستخدمه في طاعة الله، فقرب الأخيار، وسهل أمور المساكين، ولم يحتجب عن حاجة الناس يقول عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم : {اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به } وقال عليه الصلاة والسلام في الصحيح: {من ولي من أمر أمتي شيئاً، فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم، احتجب الله دون حاجته وخلته يوم القيامة } والله يجازي الناس بمثل ما فعلوا، فجزاؤهم مثل ما فعلوا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] فهذا معنى: {كل الناس يغدو فبائع نفسه } وهناك ثلاث آيات هي في العقود والصكوك الموقعة من رب العالمين، ليست عقود الدنيا ولا بيع السيارات والعمارات، العقد الذي وقعه محمد صلى الله عليه وسلم، وأتى به جبريل.

جبريل يروي لنا الآيات في حلل من القداسات تهمي عندها السجف


سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا إياك نعبد من سلسالها رشفوا


أملاك ربي بماء المزن قد غسلت جثمان حنظلة والروح تختطف


وكلم الله من أوس شهيدهم من غير ترجمة زيحت له السجف



_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الأربعاء 31 أكتوبر 2007 - 23:52

والعرش يهتز من هول ومن فرق لـسعد إذ سفراء الوحي قد وقفوا


فهذا البيع وهذا الشراء إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111] في مجلس العقد، وقال سبحانه: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:111] وقال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ [البقرة:207] وقال سبحانه: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15] وقال سبحانه: وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [البقرة:14] هؤلاء المنافقون المردة، يجلس أحدهم مع الصالحين، فيتذلل لهم ويمدح الدين، ويلقي لك محاضرة في فضل الإسلام وفي فضل الدعاة والعلماء، فإذا جلس في الخفايا أخرج خنجره يطعن به الإسلام وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة:14-16].

بعضهم يقولون: ضحكنا على هذه الدقون واللحى، قال الله سبحانه: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة:15] قال أهل العلم: هؤلاء يخادعهم الله يوم القيامة مثلما يخادعون الصالحين، يمد لهم نوراً فيمشون على الصراط، ويظنون أن هذا النور سوف يوصلهم إلى الجنة، فإذا وقفوا وسط السراب، أطفأ الله عليهم النور، فسقطوا في جهنم، وهذه أعظم خديعة، وهذه هي والله اللعبة الأممية التي ما سمع الناس بمثلها.

وفي الصحيحين : {أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما أنزل الله عليه وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] -قال: في الشراء والبيع- قال: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئاً }

وفي رواية للبخاري : {يا بني عبد مناف اشتروا أنفسكم من الله، يا بني عبد المطلب ! اشتروا أنفسكم من الله، يا صفية عمة رسول الله، يا فاطمة بنت محمد اشتريا أنفسكما من الله، لا أملك لكما من الله شيئاً } هذا الشرف.......



من هو معتق نفسه ومن هو موبقها؟



قال: {فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها }.

والوبق: الهلاك، وأوبقه: أهلكه، وموبقاً: مكاناً ضيقاً، فالإنسان بعد ما جرح بالنهار يكون على أحد ضربين:

رجل أعتق نفسه وشراها من الله، وأعتقها من الذل ومن الهلاك، فهذا سعيد، ورجل أوبق نفسه في الذل والهلاك، فهذا شقي والعياذ بالله، ولذلك قال بعض العلماء: عليك أن تبحث في صحائف أعمالك وقت النوم، إذا أتيت إلى الفراش واضطجعت، فانظر ماذا فعلت: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [الأنعام:60] فتنظر في صحيفتك وماذا فعلت؟ وماذا قدمت؟ وهل أحسنت أم أسأت؟ واعلم أن منـزلتك في الدنيا عند النوم كمنـزلتك يوم العرض الأكبر.

أما العتق الحقيقي فهو أن تعتق رقبتك من النار، والعبد الحقيقي هو عبد شهوته، وعبد بطنه، وعبد درهمه، وعبد منصبه، قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح: {تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش }.

قال بعضهم:

أطعت مطامعي فاستعبدتني ولو أني قنعت لكنت حراً


وقال الآخر في عبودية الواحد الأحد:

لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي


يقول: أنا زادني الشرف أنك دعوتني قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر:53] قال: فادعني بهذا لأكون عبداً لك؛ لأن أهل العلم يقولون: من لم يكن عبداً لله كان عبداً لغيره، حتى تجد بعض الناس لا يتشرف بحمل عبودية الله، فتجده عبداً لغيره، ولو كان فريقاً ولو كان عليه ست عشرة نجمة، لكنه إذا لم يكن عبداً لله كان عبداً لغيره، حتى تجده من أذل الناس للناس ومن أعصى الناس لرب الناس، أما مع الله فمتمرد قوي، وأما مع هؤلاء فأضعف الناس، حتى يرتعد ويختلط ويرتفع عنه القلم من الخوف، يقول أحدهم:

ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا


دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا


وبعض الناس يغضب لعبوديته هذه، فتجده يقاتل على الأرض وعلى السيارة وعلى العمارة، شجاعته فقط في أمور الأرض، وهذا حال غالب الناس وأقولها صراحة: نحن شجعان عند الأراضي حتى يقول أحدهم: والله لا تأخذ منها شبراً واحداً لو أذهب أنا وأسرتي.

تغني بك الدنيا كأنك طارق على بركات الله يرسو ويُبْحِرُ


رفيق صلاح الدين هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمر


بالمسدس عند المحكمة وفي مجامع الناس ويقول: والله لا أقدم ولو شبراً واحداً، ولو أذهب وأسفك دمي، لكن المنكرات والفواحش والفجور والتعدي على الدين وانتهاك الحرمات وضياع الأمة وضياع مبادئ الأمة وضياع إياك نعبد وإياك نستعين لا يغضب لها غضبة ولا يتحرك حركه، وإذا كلمته يقول: كُلْ وعش واسكت، هذا البطل صاحب الأرض الذي يغضب للسيارة أو للعمارة.

فكيف كان خالد ؟ خالد قدم جميع أمواله في سبيل الله، ومع ذلك كان خالد إذا سمع أحداً يتعرض لكلمة التوحيد حملقت عيونه وذهب خالد إلى قبيلة من قبائل العرب سيدها مالك بن نويرة ، وكان بطلاً، فقال خالد : ادفع الزكاة قال: الزكاة التي يطلبها صاحبكم؟ -يعني: الرسول عليه الصلاة والسلام- وهذه كلمة باردة، سامجة لا تدخل في مزاج، قال خالد : سبحان الله! وليس بصاحبك يا عدو الله! والله لأذبحنك، ثم تقدم إليه فقتله، فقالوا: تسرع خالد ولذلك قال أبو بكر : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ، اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ، وخالد قتله؛ لأنه سمع كلمة لا يستطيع أن يتحملها، كل شيء إلا هذا.

حتى أحد الخلفاء دخل عليه القاسم بن عبيد الله أحد الوزراء فقال في كلمة له عن التدرج في المناصب: الإنسان يتدرج في المناصب حتى يصل إلى ما وصله الله، مثل الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- كان راعياً ثم تاجراً مع خديجة ثم ارتقى به الحال حتى صار رسولاً، فقام الخليفة عليه فوجهه إلى القبلة وذبحه: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ [الحج:36] ذبحه لكن على الطريقة الإسلامية.

والجعد بن درهم هذا قال: ما كلم الله موسى تكليماً، ولا اتخذ الله إبراهيم خليلاً، قال خالد بن عبد الله القسري حاكم العراق : قيدوه، فقيدوه، فلما أتى عيد الأضحى صلى بالمسلمين في الكوفة وقال: يا أيها الناس ضحوا تقبل الله أضحياتكم فإن مضحٍ بـالجعد بن درهم ، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، ثم نزل ومعه الخنجر قال: وجهوه إلى القبلة فبرك على صدره اثنان ثم بدأ بسم الله الرحمن الرحيم فذبحه، فيقول ابن القيم يمدح خالداً :

ولأجل ذا ضحى بـجعد خالد القسري يوم ذبائح القربان


إذا قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني


شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان


ومن أراد أن يذبح فليذبح مثله البدنة عن سبعة، وإن كانت الشجاعة اليوم تستغل لخدمة الدنيا وهذه الهمم القاصرة، وهذه والله الطموحات الأرضية الطينية التي تنهار أمام طموحات خالد بن الوليد وطارق وصلاح الدين وعظماء الإسلام.


فضل التكبير والتهليل




ذكر صلى الله عليه وسلم الحمد لله وسبحان الله وما بقي إلا التكبير، قال في حديث أبي هريرة : والرجل من بني سليم: {أنه وحده يملأ ما بين السماوات والأرض } يعني: التكبير وحده يملأ ما بين السماوات والأرض، وفي حديث علي بن أبي طالب : {أن التكبير مع التهليل يملأ السماوات والأرض وما بينهن } والله عز وجل قال في الجنة: عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران:133] يقول بعض الناس: إذا كانت الجنة عرضها السماوات والأرض فأين السماوات والأرض؟

أجاب صلى الله عليه وسلم قال: {إذا أتى الليل فأين النهار، وإذا أتى النهار فأين الليل } والله هو الحكيم الذي خلق سبحانه وتعالى، وأما التهليل وحده؛ فإنه يصل إلى الله من غير حجاب بينه وبينه، وهي أعظم الكلمات، ليس فوق الكرة الأرضية أعظم من لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما قال عبد: لا إله إلا الله مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر } رواه الترمذي ، والنسائي ، وحسنه الترمذي ، وهو كما قال. وقال أبو أمامة : ما من عبد يهلل تهليلة فينهنهها شيء دون العرش، ما يؤخرها شيء حتى تصل إلى العرش إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10] وسأل أبو هريرة رسول الله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: {من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله يوم القيامة؟ قال: من قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه } وقال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: {من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة } أي: معتقداً بها عاملاً بمقتضاها مجتنباً لما يضر لا إله إلا الله ويقدح في لا إله إلا الله من الكبائر، وأما قضية أن تقال: لا إله إلا الله باللسان ثم تكذب بالأفعال، فهذه يقولها النصراني، ويقولها اليهودي ويقولها البلشفي الأحمر، لكن لا إله إلا الله بمقتضاها. لا، وورد أنه لا يعدلها شيء في الميزان، كما في حديث البطاقة المشهور وقد خرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وفي آخره عند الإمام أحمد : {ولا يدرك شيء بسم الله الرحمن الرحيم } وفي المسند عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إن نوحاً عليه الصلاة والسلام لما حضرته الوفاة قال لابنه: آمرك بلا إله إلا الله } والظاهر أن لنوح ابناً آخر غير الابن الذي قال: قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [هود:43] فذاك ذهب في الهلاك، وهذا ابن صالح فقال: {آمرك بلا لا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله } وهذا الحديث رواه أحمد ، وصحح إسناده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية وهو في مجمع الزوائد ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إن موسى عليه السلام قال: يا ربِّ علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به، قال: يا موسى قل: لا إله إلا الله قال: كل عبادك يقول هذا، إنما أريد شيئاً تخصني به، قال: يا موسى: لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله } وهذا الحديث رواه أبو يعلى وابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي ، وحسنه ابن حجر في فتح الباري مع أن في إسناده دراجاً أبا السمح ، وهو ضعيف في روايته عن أبي الهيثم ، وهذا الحديث منها.

وأي الكلمتين أفضل "لا إله إلا الله" أو "الحمد لله"؟

الذي يظهر أن لا إله إلا الله أفضل، قالوا: أما في الثناء فالحمد لله، وأما في الدعاء فلا إله إلا الله، أفضل الدعاء: لا إله إلا الله، وأفضل الذكر: الحمد لله، وقيل: أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله، فإن الحمد لله تتضمن معنى الدعاء، لكن من أفضل الكلمات التي قاتل عليها عليه الصلاة والسلام: لا إله إلا الله، ومن أجلها أرسل الله الرسل، وأنـزل الكتب، وشرع الشرائع، ونصب الميزان، ومد الصراط، وبنى الجنة، وجعل النار، وأقام الحجة وأقام المحجة، كل هذا من أجل لا إله إلا الله، ومن أجلها دمر الله الأرض خمس مرات، مرة بالطوفان، ومرة بالزلزال، ومرة بالصيحة، ومرة بالحاصب، ومرة بالغرق، ومن أجل لا إله إلا الله بعث الله الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وهي المحجة التي يأتي بها العبد يوم القيامة، وفيها البطاقة، والله المستعان.......


واقعنا مع الحديث




أيها الإخوة بقي من المسائل: واقعنا مع الحديث باختصار.

الآن يقول عليه الصلاة والسلام: {الطهور شطر الإيمان } فكثير من الناس يتوضأ ويصلي، ولا يستحضر هذه الفضائل، فلا يستحضر أن الطهور شطر الإيمان ولا يتذكر، بل قلبه ساهٍ لاهٍ، ولا يتأمل هذه الأجور؛ لأن أجرك على قدر تذكرك، فالله الله في تذكر هذه الأجور العظيمة.

ومنها قول: {والحمد لله تملأ الميزان } إن من الناس من ظن أن الحمد باللسان فقط، فعصى الله وتعدى حدوده، وأخذ كل ما يقدر من نعم الله، ثم قال: الحمد لله، حتى اقتصر ثناء الناس على الله باللسان فقط، تقول: انظر إلى الأمن الذي نعيشه، وانظر إلى الرخاء الذي نحن فيه، يقول: الحمد لله، الله لا يغيرها نعمة، لكنه ما استخدمها في شكر المنعم سبحانه وتعالى، وبعض الناس يظن أن النعيم فقط هو ما يشاهده في السوق من الجرجير والخيار والبطاطس، فكلما رأى الخيار والجرجير والبطاطس طارت نفسه فرحاً.

طفح السرور عليّ حتى أنني من عظم ما قد سرني أبكاني


وقال: لا غيرها الله من نعمة، والنعمة العظيمة الحقيقية عند أهل العلم نعمة التوحيد ونعمة الإيمان والتوجه إلى الله.

ما الفرق بين الأعرابي المؤمن الذي يصلي ويقوم الليل، ويصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وهو يسكن في خيمة في تهامة ، وبين المجرم الذي يسكن في الدور العاشر، ويصعد بالمصعد -الأصنصير- وعنده سيارة فاخرة، وهو لا يصلي الفجر في جماعة، ومعه الشيكات يلعب بها كلعب البلوت، وهذا الأعرابي لا يعرف الريال وما قد رآه في حياته، فما الفرق بين النعمتين؟ هذه نعمة دواب ونعمة حيوان وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] وقال سبحانه وتعالى: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35] ليس الفضل بكثرة الأكل، فالحمار يأكل ما يقارب عشرين كيلو، وبعض الناس لا يأكل إلا ربع كيلو، وليست بالقوة، فالثور أقوى ما يكون، وليست الضخامة فجسم الفيل ضخم، ولكن بالإيمان والعمل الصالح والنور، فالناس الآن يقول أحدهم: الحمد لله، بينما لا يعمل بمقتضى الحمد لله، فلو أنه حمد الله في العمل، وحمد الله في البيت، وحمد الله في المنهج الذي يعلمه ويدرسه ويقوم به، وحمد الله في أنه يغار على أن تسلب الحمد لله؛ لأن الأمة إذا لم ينصح عاقلها سفيهها، ضربها الله ضربة قاصمة: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] فلا بد أن يغار على منهج الله، وأن يتمعر وجهه إذا رأى أن المعاصي تنتشر، وأن أعداء الله يرتفعون، وأن أولياء الله يخفضون.......




_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الأربعاء 31 أكتوبر 2007 - 23:53

واقعنا مع الصلاة



منها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: {والصلاة نور } فأين دور هذا النور في حياتنا؟ هل ترى هذا النور على مجتمعنا؟ هل تراه في مدارسنا؟ هل تراه في نوادينا؟ هل تراه في جامعاتنا؟ هل تراه في جيشنا؟ هل تراه في ضمائرنا؟ هل تراه في كل فرد من أفرادنا؟ لماذا يصلي كثير من الناس الآن ولا ترده الصلاة عن المعاصي؟ فكثير من الناس يصلي ويشرب الخمر، أو يصلي ويستهزئ حتى بالقرآن، أو يصلي ويحارب العلماء، فأين الصلاة؟ قال أهل العلم: الصلاة التي هي صلاة إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].

فقل لـبلال العزم من قلب صادقٍ أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا


توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانيا


والأمة لَوْ صَلَّتْ لَوَصَلَتْ، فلما لم تصلِّ فُصِلَتْ، والصلاة معناها صلة بين العبد وبين الله، فتجد المصلين الصادقين يصل نورهم، وجيش يهون عليه ترك المعاصي حتى يقول محمد إقبال :

نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا


جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا في مسمع الروح الأمين فكبرا


تقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ثم توالي أعداء الله! تقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] وتعادي أولياء الله! وتستهزئ بدعاة الإسلام! وتستخف بالعلماء! والله وجد في بعض الناس أنه يحب الكفار أكثر من حبه للمؤمنين، ومجالسه فقط تعليق على اللحى وتقصير الثياب والمسواك والمطاوعة والمتطرفين والمتزمتين، أما مع أعداء الله، فتجده كالأرنب، وهذا واقع، فأين عقيدة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]؟! وأي خيانة لـإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]! وأي عمالة أمام إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]! وأي إهانة لـإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]! وأي انشقاق لـإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]؟! أولياء الله هم أسعد الناس ولذلك لهم حق عليك أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54] صاحب اللحية والثوب القصير هو الذي نصر الإسلام، هؤلاء هم الذين مزقوا أجسامهم في أفغانستان بالدبابات من أجل أن ترتفع لا إله إلا الله، هؤلاء أبناء أهل بدر وأهل أحد وحطين واليرموك ، هؤلاء أتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، ألا يعجبك هذا الشكل؟! أتريد أن يتزلج على الثلج، أم تريد جمع الطوابع، أم تريد موسيقى؟! هذه خيانة لـإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

هذا واقعنا مع {الصلاة نور }.



واقعنا مع الصدقة



{والصدقة برهان } لا بد أن تجري الصدقة في عروقنا ودمائنا، أما أن تكون منا أمة يعيش أحدهم متخماً، اللحم عنده تشبع منه القطط، وتموت حبطاً في القمامة، وأمة أخرى تموت جوعاً وعرياً على التراب، فلا. هذا حرام، لا بد أن يكون هناك توازن؛ تنقص من وجبتك لتعطي جارك { ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع } يتخم ويلعب بالملايين المملينة، وجاره ينام على الرصيف، ولا يجد ما يحمله، ولا يجد ما يسد رمقه، فأين الجوار؟! أين الإيمان؟! أين إياك نعبد وإياك نستعين؟! أين دور {والصدقة برهان }؟! أين دورها في الحياة؟! يقول أبو تمام :

إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في الموطن الخشن


وإن أولى الموالي أن تواليهم عند السرور الذي واساك في الحزن


وقال حاتم الطائي لامرأته:

إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي


لله هذه البطولة! يقول: إذا صنعت الزاد وقدمته على السفرة، فلن آكله حتى تأتي بضيف معي.

إبراهيم عليه السلام عاهد الله ألا يأكل إلا مع ضيف، وقال لمواليه وعبيده: من أتى منكم بضيف فهو عتيق لوجه الله، فكان الواحد منهم يحرص على الضيف كما يحرص الأعمى على شاته.


واقع الصبر في حياة المسلمين



قال صلى الله عليه وسلم: {والصبر ضياء } أين دور الصبر في حياة المسلمين؟ لماذا ينهار شبابنا أمام المسلسل؟! لماذا ينهارون أمام الفيديو؟! لماذا يأتيك الشاب ويبكي أمامك وهو طويل الجسم قوي البنية يهد الجدار، تقول له: اترك الغناء. قال: والله لا أصبر، حاولت وحاولت لكن اعذرني. والله هو الذي يعذر ويعاقب أما أنا فليس عندي صكوك الغفران، ولو كانت عندك همة عالية لكانت تكسر الحديد، همه كهمة سعد بن أبي وقاص وسعد بن معاذ وأبي بن كعب لانتصرت على الأغنية، والسيجارة، وعلى لعب البلوت، نحن أمة نلعب بلوت، ما معنى لعب البلوت في حياتنا؟! أنا لا أقول الآن: هو حلال أو حرام لكن أنتم أبناء خالد ، أنتم أبناء سعد ، أنتم أبناء طارق ، أنتم أبناء صلاح الدين ، إذا تخلفتم في العالم الإسلامي وأتوا إليكم فوجدوا لعب البلوت والموسيقى وجمع الطوابع والمراسلة وصقور الصيد والغناء والفحش والضياع فماذا نقول للعالم؟! ماذا نقول للتاريخ؟! كيف نحتج؟!

لو أخبروا عمر الفاروق نسبتهم وأخبروه الرزايا أنكر النسبا


أبواب أجدادنا منسوجة ذهباً لكنْ هياكلنا قد أصبحت خشبا


من زمزم قد سقينا الناس قاطبة وجيلنا اليوم من أعدائنا شربا


دمشق يا كنـز أحلامي ومروحتي أشكو العروبة أم أشكو لك العربا


أدمت سياط حزيران ظهورهم فقبلوها وباسوا كف من ضربا


وطالعوا كتب التاريخ واقتنعوا متى البنادق كانت تسكن الكتبا


لكن أبشر هذا الكون أجمعه أنا صحونا وسرنا للعلى عجبا


بفتية طهر القرآن أنفسهم كالأسد تزأر في غاباتها غضبا


عافوا حياة الخنى والرجس فاغتسلوا بتوبة لا ترى في صفهم جنبا

مجدنا صحوة إمامها محمد عليه الصلاة والسلام.

من حبلك الشهم في كف الهدى طرف على التراب وفي أرواحنا طرف


على جماجمنا خض كل معركة أعلى الرءوس التي في الله تختطف


ما هو دستورها؟ القرآن والسنة، أين مسيرتها؟ على اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] من هم أعداؤها؟ المغضوب عليهم والضالون، إلى أين تصل؟ إلى جنة عرضها السماوات والأرض ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ [الحجر:46] من أعلى منا؟ من أحسن منا؟ من أسعد منا بهذا الدين؟ فلماذا يعلق علينا؟ ما هي جناية الأمة المسلمة؟ ما هي جناية الصحوة أن تعلقت بلا إله إلا الله؟ أهي مسئولة عن ترويج المخدرات؟ أهي مسئولة عن ترويع الآمنين؟ أهي مسئولة عن تهديد الأمة؟ أهي مسئولة عن استيراد الأفكار من الغرب وإدخالها التعليم وشحنها في الأذهان؟ أهي مسئولة في إياك نعبد وإياك نستعين؟ أهي مسئولة في ذبح لا إله إلا الله؟ لا.

بلاد أعزتها جيوش محمد فما عذرها ألا تعز محمدا


ما عذر الأمة ألا تعز محمداً وقد أعزها بجيوشه؟! يقول البردوني وهو شاعر لا زال حياً في صنعاء :

طه إذا ثار إنشادي فإن أبيحسان أخباره في الشعر أخباري


أنا ابن أنصارك الغر الألى سحقوا جيش الطغاة بجيش منك جرار


تظافرت في الحمى حوليك أنفسهم كأنهن قلاع خلف أسوار


إذا تذكرت عماراً وسيرته فافخر بنا إننا أحفاد عمار


هذه سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا منهجه. وجيله يجلس الآن هنا ليسمع الذكر، لأن هناك جيلاً يجلس أكثر منكم مع الكرة والمنتخب والكأس، وجيل هناك يجلس على البلوت وما أدراك ما البلوت، وجيل هناك على جمع الطوابع، وجيل هناك على الشاطئ، وجيل هناك على الأرصفة في المغازلة والضياع، أما أنتم فجلستم هنا، الله يرقبكم الآن، يقول لكم بعد دقائق: انصرفوا مغفوراً لكم فقد رضيت عنكم وأرضيتموني، يباهي بكم الملائكة يقول: في البلد الفلاني في المكان الفلاني في المجلس الفلاني قوم اجتمعوا، فتقول الملائكة كما في صحيح مسلم : {يا رب يسبحونك، فقال: هل رأوني؟ قالوا: لا والله ما رأوك -والله أعلم- قال: كيف لو رأوني؟ قالوا: كانوا أكثر تقديساً لك، قال: وما يسألون؟ -والله أعلم- قالوا: يسألونك جنتك، قال: هل رأوها؟ قالوا: لا يا رب قال: كيف لو رأوها؟ قالوا: لو رأوها لكانوا أكثر مسألة، قالوا: ويستعيذونك، قال: ممَ؟ -والله أعلم- قالوا: من النار، قال: هل رأوا النار؟ قالوا: ما رأوها، قال: كيف لو رأوا النار؟ قالوا: كانوا أشد استعاذة، قال: أشهدكم أني غفرت لهم وأدخلتهم الجنة، قالوا: يا رب! معهم فلان إنما جلس لحاجة، قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم }.

فنسأل الله أن يسعدنا وإياكم، ليس معنا إلا هذه المجالس، هي مجالس الإيمان، وهي مجالس الجنة، وهي مجالس الملائكة، هي الكنز الذي تلقاه يوم العرض الأكبر، قال عطاء بن أبي رباح : [[مجلس واحد من مجالس الذكر يكفر سبعين مجلساً من مجالس اللهو ]].

أيها الإخوة: انتهت المحاضرة بحفظ الله ورعايته، ونحن نطلب منكم دماً هذه الليلة، مستشفى عسير المركزي يطلبكم أن تتبرعوا بدمٍ من دمكم الطاهر لأناس يحتاجون إلى الدم:

يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أغلى غاية الجود


والتبرع بالدم أفضل من التبرع بالمال، وهو أغلى من الذهب والفضة، وأنتم بحاجة أن تحيوا النفوس، وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة:32] وعلى الأسرة أناس ينتظرون منك قطرات أن تدفعها لتلقاها يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] رجال ونساء توقفت حياتهم على قطرات دم تدفعها أنت في بنك مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96]يأخذونها منك ويدفعونها في شرايين هذا الرجل الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من الموت فينتعش بدمك فيعود حياً إذا كان الله قد أذن له بها، فيأكل ويشرب ويسعد بالحياة كما سعدت بها.

هذا تقرير من طبيب، منطقة أبها لا يؤثر فيها سحب الدم؛ لأنها ترتفع عن البحر ثلاثة آلاف متر فوق مستوى سطح البحر يزيد من تركيز الدم، وثخونة الدم يعرقل دورانه في الجسم والتبرع يجعله سهلاً، ويجعل حركته منتظمة ويعينك إن شاء الله على حياة سعيدة، أنتم أبناء من تبرعوا بدمائهم في بدر وحطين واليرموك وأحد وسكبوا الدماء وضرجوا بها الأكفان، وأنتم الآن لستم في جبهة ولستم في ثغرة، جبهتكم أن تدفعوا من دمائكم شيئاً قليلاً لأولئك الذين ينتظرونكم في مستشفى عسير المركزي قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران:133] فتبرعوا من دمائكم عسى الله أن يعوضكم بجنة عرضها السموات والأرض، وعسى الله أن يحرم دماءنا ودماءكم على النار. ومن أراد فليذهب للأطباء هناك وسوف يتم ذلك بعد الكشف عليه، ومن المبشرات أنهم سوف يمنحونك عصيراً مشكلاً بعدما يسحبون الدم منك وشيئاً من البسكويت ليعوض عنه ما أخذ وهو مجاني والحمد لله.

فنسأل الله أن يسعدنا وإياكم في الدار الآخرة، وأن يتولانا وإياكم في الدارين، وأن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، ولا يرينا وإياكم لا سوءاً ولا مكروهاً، وأن يحفظنا وإياكم بعين رعايته، ونسأله سبحانه وتعالى لمن أراد بالإسلام والمسلمين سوءاً أن يشغله بنفسه، وأن يكفينا شره، وأن يهتك أستاره، وأن يفضح أسراره، وأن يجعله عبرة للمعتبرين، اللهم من سل على المسلمين سيفاً فاقتله به، واجعل تدبيره تدميره يا رب العالمين.

اللهم تولنا فيمن توليت، واهدنا فيمن هديت، ووفقنا لكل خير.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الأربعاء 31 أكتوبر 2007 - 23:53

المحــــاضرة الثالثة

لماذا خلقنـا؟

يتحدث الشيخ في هذه المحاضرة عن الحكمة من خلقنا، وبين أن الحياة الحقيقية هي في طاعة الله، وتكلم عن قارون أنه ما نفعه ماله يوم أعرض عن طاعة الله، وعن فرعون أنه ما نفعه ملكه يوم كفر بالحي القيوم، وعن العقوبة التي حلت بقوم لوط يوم تركوا شريعة الله.

وتعرض لقصص بعض من عرفوا الله في الرخاء فعرفهم في الشدة.

وختم المحاضرة بالحديث عن التوبة وفضلها وعواقبها المحمودة.

الحكمة من خلق الإنسان




إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، عزَّ جاهك، وجلَّ ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت.

في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، أنت رب الطيبين، لا إله إلا أنت، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضى.

اللهم صلِّ وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل.

اللهم صلِّ وسلم على صاحب اللواء المعقود، والحوض المورود، اللهم صلِّ وسلم على من هديت به البشرية، وأنرت به أفكار الإنسانية، وزعزعت به الوثنية ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

لماذا خلقنا؟

وإلى أين نسير؟

ومن يحاسبنا؟

وما هو مصيرنا؟

هذه أسئلة لا بد أن يجيب عليها من يريد الله والدار الآخرة:

لماذا خلقت أيها الإنسان؟

لماذا وجدت؟

لماذا جعل الله لك عينين ولساناً وشفتين؟

لماذا بصَّرك وأراك؟

لماذا علمك وأنطقك؟

لماذا أكلك وشربك؟

لماذا سترك وقومك؟

لماذا أسمعك وبصّرك؟


هذه الأسئلة لا بد أن يجيب عليها المسلم إن كان يريد الله والدار الآخرة، يقول الله للإنسان المتمرد: يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الإنفطار:6] ما لك تمردت علينا -أيها الإنسان- وقد خلقناك ولم تك شيئاً؟

ما لك -أيها الإنسان- نسيتنا وقد علمناك، وجهلتنا وقد أدبناك، وتمردت علينا وقد أرويناك وأسقيناك وأشبعناك؟!

والله يقول: هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:1-3].

يا أيها الإنسان: خلقت من نطفة، وأتيت إلى الدنيا من بطن أمك وأنت تبكي وكأن بطن أمك أوسع لك من الأرض، فلماذا خرجت تبكي من بطن أمك؟!

ولدتك أمـك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سروراً


فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً


لا إله إلا الله ما أغفل الإنسان! لا إله إلا الله ما أجفى الإنسان! لا إله إلا الله ما أظلم الإنسان! يوم يأتي من بطن أمه لا ملابس له ولا منصب ولا وظيفة ولا بيت ولا سيارة ولا جاه، ليسقط قطعة لحم على الأرض وهو يبكي، فإذا ما بصَّره الله وعلمه وأنبته وتملك، وأصبح له وظيفة، وأصبح ذا منصب وسيارة وجاه؛ نسي الله، وتمرد على حدود الله، وانتهك محارم الله وحدوده، فأين العقول؟!

وأين الأسماع؟!

وأين الأبصار؟!


الله يقول من فوق سبع سماوات: {الكبرياء إزاري، والعظمة ردائي، من نازعني فيهما عذبته } الله أكبر كبير، وأعظم عظيم، وأغنى الأغنياء، وأما أنت أيها الإنسان ففقير بن فقير، مسكين بن مسكين، إن لم يسترك الله افتضحت.

فيا عباد الله! يا من أتى إلى بيوت الله! يا من عود نفسه الصوم، وسجد في التراب لله!

ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا


دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً
......


قصة قارون وما فيها من عبر




هل الشرف المال؟

كان قارون أعظم من ملك المال في الدنيا، ثم لعنه الله لعنة تحيق به؛ لأنه ما عرف الله، آتاه الله مالاً وقال: يا قارون ! خف من الله في المال، اتق الله في هذا المال، المال وديعة عندك يا قارون ! أنت مسلوب أنت ومالك، ونحن ماذا نملك مما ملكه قارون ؟

إن كان عند أحدنا فلة أو سيارة، أو بعض الأبناء، أو وظيفة فما تساوي ذرة من ذرات كنوز قارون .

قارون كانت مفاتيح كنوزه تنوء بها العصبة من الرجال، عشرة من الرجال لا يستطيعون حمل المفاتيح، فما بالك بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، فماذا فعل؟

خرج في أبهة وجبروت وكبر، والإنسان إذا نسي الله وما أصبح عنده صلاة ولا أوراد، جفل قلبه وأصبح قطعة حجر، أصبح قلبه مثل قلب الثور، لا يعي ولا يعرف ولا يفقه، يأكل ويشرب لكن له قلب لا يفقه به، له سمع لا يسمع به، وبصر لا يبصر به، فـقارون أعطاه الله المال وقال: خف من الله في هذا المال، إنما هو يمتحنك الله به، لا تظن أن الأغنياء والتجار أعطاهم الله المال إكراماً لهم، لا. قال تعالى: كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً [الإسراء:20-21] فهذه الحياة حياة تافهة، كالحمار يأكل ويشبع، لكن يقول الله عز وجل: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16] وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35].

الخواجة يسكن في الدور العاشر، والمسلم لا يجد كسرة خبز وقطعة من الخيمة في الصحراء؛ لأن الجنة أعدها الله لأوليائه تبارك وتعالى.

خرج قارون ومعه حلة يتبختر فيها، فقال له علماء قومه: اتق الله! وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ [القصص:77] وعظوه.

كما يفعل بعض الناس الآن إذا أغناه الله بعد الفقر، وأَصَحَّ جسمه بعد السقم، وآتاه ذرية بعد أن لم يكن عنده ولد، نسي الله فتجبر على عباد الله، وصعَّر خده لأولياء الله في أرض الله، فـقارون فعل مثل ذلك.

قالوا له: اتق الله، قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص:78] الله يدري أنني أستحق الملك، أنا أخذته بعرق جبيني وجهدي وذكائي ودهائي، وهو كذاب على الله، دجَّال ما منحه المال إلا الله، ولا يرزق إلا الله، والله الذي لا إله إلا هو إن لم يرزقك الله؛ فلن يرزقك أهل الدنيا ولو اجتمعوا عن بكرة أبيهم، مفاتيح الخزائن والمال بيد الله عز وجل، القطر بيديه، الرزق بيديه، الإحياء والإماتة بيديه تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:1-3].

سبحان الله! كيف ينسى الإنسان؟!

أما يتذكر يوم أن كان ضعيفاً في بطن أمه، كان قطعة لحم لا يسمع ولا يبصر ولا ينطق ولا يتكلم، فلما أصبح قوي البنية، ويلبس ما شاء من الملابس أصبح لا يرى الناس شيئاً، خف من الله، لمن البقاء إلا لله..

لمن الغنى إلا لله..

لمن القوة إلا لله..

وانظر إلى أحوال الناس تجاه الدنيا وزينتها، فإن قارون لما خرج علىقومه في زينته الدنيوية قال بعض قومه ممن قصرت عقولهم عن معرفة حقيقة الدنيا: قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ [القصص:79].

بعض الناس يظن أن الإنسان إذا أُمْهِلَ في الدنيا ورزقه الله أبناء وأولاداً وقصوراً وفللاً وعمارات وسيارات ظن أن الله يحبه، ولا يدري هذا الإنسان أنه قد يكون أعدى عدوٍ لله في الأرض، ويمكن أن يكون حسابه أن يكب على وجهه في النار، ولا يدري أنه قد يكون أكبر فاجر على المعمورة.

لكن الناس يختلفون في عقولهم وفي بصائرهم: قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [القصص:79] أي: إن لـقارون مكانة عظيمة عند الله، وإن ما عليه من نعيم لهو منحة من الله يحسد عليها.

وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [القصص:80] العقلاء الذين يخافون لقاء الله ويتذكرون القبر وما بعده وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ [القصص:80] قالوا: خافوا من الله؛ ثواب الله في الجنة أحسن من هذه الدنيا، والله الذي لا إله إلا هو إن كلمة: (سبحان الله) خيرٌ مما طلعت عليه الشمس وغربت.

كلكم يعلم قصة سليمان بن دواد عليه الصلاة والسلام في القرآن، الذي ملك الجن والإنس والطيور والزواحف وكل ما هبَّ ودبَّ، حتى الريح التي تمر علينا صباح مساء كانت تتحرك بأمره، إذا أراد أن يرتحل من بلد يأمر الريح غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ [سبأ:12] يقول: يا ريح! احمليني إلى الهند ، فتأتي الريح فتكون كالبساط، ثم يركب هو ووزراؤه وحاشيته فتنقله في لحظات، حتى إذا أتى لينزل في الأرض كيف تنـزل به؟

يقول الله عز وجل: رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص:36] يعني: ما تنـزل بقوة، إنما تنزل تدريجياً حتى يهبط في الأرض، فارتفعت به الريح مرة من المرات ومعه من جنوده وقوته ما لا يعلمه إلا الله، ولما أصبح في السماء مر تجاه الشمس فحجب ضوء الشمس عن فلاح يشتغل في الأرض بالمسحاة، فنظر الفلاح إلى السحاب فرأى سليمان عليه السلام والريح تمر به، قال الفلاح: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، فسمعها سليمان عليه السلام فقال للريح: اهبطي بي هنا، فهبطت بجانب الفلاح قال: ماذا قلت يا فلان؟

قال: ما قلت إلا خيراً (خاف من سليمان).

قال: ماذا قلت؟

قال: والله ما قلت إلا سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً.

قال: والذي نفسي بيده، لقولك سبحان الله في ميزانك خير مما أوتي آل داود.

الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس }.

رأيناهم والله أغنياء يملكونها بالملايين، لا يتعاملون إلا بالشيكات والمصارف العالمية، وإن بعضهم توفي في مدينة نائية عن تجارته ومدينته، حتى طلب له كفن من التجار بالشحاذة ودس في التراب، أين الذهب؟!

أين الفضة؟!

أين الجاه؟!

لا جاه إلا لمن أسعده الله.

يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران


أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسـان


يـا عامراً لخراب الدهـر مجتهـداً بالله هل لخراب الدهر عمـران


وفي هذه الأيام لو تدخل مجلس أحدنا لوجدته مزركشاً ومزخرفاً كأنه إيوان كسرى وقيصر؛ فيه الكنبات والروائح والملبوسات والمفروشات والمطعومات والمركوبات، العطور.. شيء عجيب يذهل.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الأربعاء 31 أكتوبر 2007 - 23:54

ماذا أعددنا للقبر؟

ماذا أعددنا لتلك الحفرة الضيقة؟


يدس فيه الإنسان لا ولد، ولا أهل، ولا زوجة، ولا أنيس، ولا حبيب إلا من أسعده الله.

والموت فاذكره وما وراءه فمنه ما لأحد براءة


وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه


والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران


إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده


وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ


لكن لا نفقه ولا نعي ولا نفهم، الله يقول لنا: افهموا، اسمعوا، تدبروا، اعقلوا؛ لكن القلوب قد ران عليها الخطأ، أظلمت وقست من السيئات.

كيف يعي قلب من يستمع الغناء صباح مساء؟! الأغنيات الماجنات من المغنين والمغنيات، الأحياء منهم والأموات، يصبح على الأغنية ويمسي على الأغنية، يركب السيارة ويسمع أغنية، ويدخل المجلس مع أغنية، أبعثنا للناس هكذا؟!

أكانت حياة الصحابة كحياتنا؟!

أجعلنا الله نعيش على هوامش الأحداث؛ أكل وشرب ونوم وغناء ورقص ولعب ولهو؟!

أين حياتنا؟!

أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَ [الأنعام:122].

كان مصير قارون أن قال الله فيه: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ [القصص:81] هذا هو الردى وهذه هي اللعنة والخسران وسوء الخاتمة فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ [القصص:81] من الذي ينصر إلا الله، وإذا لم ينصر الله العبد لا ينصره أحد، والله لو كانت الدنيا وسكان الدنيا معك في أسرة لك فلا تعتز بأسرتك من دون الله، العزيز من أعزه الله بالطاعة، والذليل من أذله الله بالمعصية فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ [القصص:81] يقول الله عزَّ وجلَّ: هل له أسرة؟

هل كان معه قبيلة قامت تقاتل عنه بالسيوف؟

لا. قوة الله لا تغلب، والله عزَّ وجلَّ يقول: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر:51] من الذي ينصر الرسل والمؤمنين؟

إنه الله، أما غير المؤمنين فلن ينصر الله يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:52].

فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [القصص:81-82] يقول: أصبح الذين تمنوا الدنيا لما رأوا داره تخفوا في الأرض، أتدرون ما فعل؟

أتى في مصطبة من ذهب أي: دكان مرتفع مصبوب ذهباً، فجلس عليه بحلة في الصباح ومرَّ النبي موسى بن عمران عليه السلام، الداعية الكبير الذي دخل على فرعون، داعية لا إله إلا الله، الذي قاد الجيوش الجرارة لخدمة لا إله إلا الله؛ مرَّ على قارون وقال: يا قارون ! اتق الله وقل لا إله إلا الله، فتكلم قارون بكلام بذيء في عرض موسى عليه السلام ولذلك قال عزَّ وجلَّ قال: فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً [الأحزاب:69].

ولذلك -الآن- الدعاة وطلبة العلم والعلماء والصلحاء وأهل الخير والعباد والزهاد ينالون نصيباً من هذا الاستهزاء والاستهتار والتعليق المرير، لكن قدوتهم في ذلك الأنبياء؛ فعليهم بالصبر.

يقول لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ [لقمان:17] ماذا يقول بعدها: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان:17] فإنك إذا أمرت ونهيت سوف تنالك الألسنة، وسوف تعترضك القلوب التي ما عرفت لا إله إلا الله.

موسى عليه السلام لقي الله عزَّ وجلَّ فكلمه كفاحاً بلا ترجمان: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:164] فلما كلمه قال: يا موسى! أتريد شيئاً؟

قال: نعم يا رب.

قال: ماذا تريد؟

قال: يا رب! كف ألسنة الناس لا يتكلمون في عرضي، يقول: يا رب! امنعني من ألسنة الناس لا ينالونني ولا يتكلمون فيّ ولا يغتابونني.

فقال الله: يا موسى! ما اتخذت ذلك لنفسي، إني أرزقهم وأعافيهم وإنهم يسبونني ويشتمونني.

عندما خوطب قارون من قبل أهل العلم فقالوا له: اتق الله يا قارون فتكلم على الله، فقال موسى: اللهم خذه أخذ عزيز مقتدر، فنـزل بيته في الأرض، فأراد أن يهرب فنزل البيت جميعاً، وكانت كنوزه تنـزل معه، كانت قلعته كلها ذهب وفضة وكلها تنـزل معه في الأرض، أراد أن يفر فما استطاع، لأنه محبوس في الأرض، فينـزل رويداً ينادي: يا موسى يا موسى! أطلقني أطلقني فنـزل وموسى ينظر إليه، فيقول الله تعالى في آخر القصة: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83].

الحياة معناها يا عباد الله! أن تعيش لله، وتموت لله، وتبعث لله، حياة ليس فيها صلاة ولا عبادة ولا اتصال بالله ليست بحياة، والعجيب من بعض الناس أنه راض عن نفسه، يرى أنه إذا كان له بيت وسيع وأبناء، ويأكل ويشرب، وعنده سيارات، وقد ارتاح إلى هذه الحالة أن الله راضٍ عنه، بالله هل سأل نفسه عن معاملته مع الله؟! هل سأل نفسه هل يداوم على الصلوات الخمس في المسجد؟!

هل علم كيف قلبه مع المسلمين؟!......


وقفات مع عمر بن الخطاب




الله سبحانه وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم لهداية الإنسان، فأتى عليه الصلاة والسلام والناس في جاهلية جهلاء، في حين لا تزال بعض أماكننا وبعض مناطقنا اليوم تعيش بعض الصور من تلك الجاهلية التي عاشها الناس قبله صلى الله عليه وسلم، أو عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هداية الناس، فلما أتى صلى الله عليه وسلم قال: {يا أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا } وعاد الناس، واستجاب من أراد الله أن يستجيب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24].

وممن استجاب لله: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكلكم يعرف عمر الفاروق خليفة الإسلام، كان قبل الإسلام ليس له إرادة، ولا تفكير، ولا طموح، كان يعيش هكذا، مثل حال كثير من الناس؛ يأكل ويشرب وينام، لا يغضب إذا انتهكت حدود الله، ولا يحزن إذا فاتته صلاة، ولا يتألم إذا سمع شباب الإسلام غرقوا في المعاصي، إنما همه أن يبقى عليه رزقه ومرتبه ووظيفته، فأتى عمر فوضع يده في كف المصطفى صلى الله عليه وسلم وأسلم، لما سمع قوله سبحانه وتعالى: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:1-2] ومن يوم أسلم بدأ قلبه حياً مع الله؛ لأن الله يحيي القلوب بعد إماتتها، واستمر في الإسلام، وبعد عشرين سنة أو أكثر تولى خلافة المسلمين، فأصبح خليفة ذهب الدنيا وفضتها تحت يديه، وأصبح هو المسئول الأول، فماذا فعل؟......



زهد عمر



كان من أبسط الناس وأزهدهم وأفقرهم، ما كان يشبع من خبز الشعير، يوم الجمعة يصعد المنبر وعليه إزار فيه أربع عشرة رقعة، وبإمكانه لو أراد أن يلبس الذهب والديباج والحرير للبس، فرقي المنبر يوم الجمعة في عام الرمادة؛ عام الجوع والقحط.

عام الثامن عشر من الهجرة مرَّ قحط على المسلمين حتى رأوا الدخان يفوح من على الأرض، وحتى أكلوا الميتة، وحتى ما أصبح هناك نبتة خضراء، أكلوا أوراق الشجر حتى تشرمت أشداقهم، فصعد على المنبر وهو يبكي يوم الجمعة، وقال: [[يا رب! لا تعذب أمة محمد بسبب ذنوبي ]] ذنوب عمر الزاهد، المجاهد، قائم الليل، صائم النهار، ونحن الآن إذا قلنا: نحن مذنبين قالوا: لا. الحمد لله نحن من أحسن الناس، وما أذنبنا، والله إننا لنصلي ومستقيمين على طاعته ولا نريد شيئاً، ويا ليت الناس مثلنا.

عمر يقول على المنبر وهو يبكي: [[اللهم لا تعذب أمة محمد بسبب ذنوبي، يا رب أتهلك أمة محمد بعهدي؟ ]] ثم يبكي ويبكي الناس ويقول مخاطباً بطنه: [[قرقر أو لا تقرقر والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين ]].



عمر يتفقد الرعية



ينـزل رضي الله عنه وأرضاه في ليلة من الليالي يطوف بعصاه بعد صلاة العشاء، يتفقد المريض والمسكين، والأرملة والجائع، كيف ينام وهناك أنفس لا تنام ولا ترتاح، فسمع بكاءً في بيت، فاقترب من البيت ووضع رأسه على صائر الباب، فسمع امرأة في الطلق -في النفاس- فأخذ يبكي -ذكر ذلك ابن كثير في البداية والنهاية - فقال مولاه أسلم : مالك يا أمير المؤمنين تبكي؟ فقال عمر : [[إنك لا تعلم يا أسلم بالألم التي تجده هذه المرأة، انطلق بنا يا أسلم إني أخاف أن يسألني الله عن هذه المرأة إن قصرت في حقها، فانطلق إلى بيت المال، وحمل جراباً من شحم ودقيق، وهو خليفة، ودخل البيت واستأذن من المرأة، وصنع لها طعاماً بيده الكريمة -هذه تربية لا إله إلا الله، تربية محمد صلى الله عليه وسلم، الذين غرس في قلوبهم لا إله إلا الله، أهل الجنة قصورهم في الجنة كالربابة البيضاء أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90]- فدخل عليها وصنع لها الطعام وقدم لها لتأكل فقالت: والله الذي لا إله إلا هو إنك خير من عمر بن الخطاب ، وهو عمر بن الخطاب ، ثم خرج فأخذ يبكي فيقول له مولاه: ما لك؟ قال: إني أخاف من الله أن يعذبني بسبب هذه الأمة ]].



عمر يسأل الله الشهادة فينالها



عمر رضي الله عنه وأرضاه، لما علم الله أنه صادق، وأنه يريد الله والدار الآخرة فاستجاب له دعاءه في آخر حجة حجها، لما وقف عند الجمرات الثلاث ورفع يديه، وقال: [[اللهم إنه انتشرت رعيتي، ورق عظمي، فاقبضني إليك غير مفرط ولا مفتون، اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتة في بلد رسولك، قال له الصحابة: يا أمير المؤمنين! تريد الموت في سبيل الله في بلد رسول الله؟ -يعني: إن من يريد الشهادة يخرج إلى الثغور- قال: هكذا سألت الله، وأسأل الله أن يلبي لي ما سألت ]].

فخرج وعاد إلى المدينة ، وفي أول ليلة نامها رأى رؤيا في المنام، رأى أن ديكاً ينقره ثلاث نقرات، فسأل بعض الصحابة ما تأويل الرؤيا، قالت له أسماء بنت عميس إحدى الصحابيات المؤمنات، وكانت تفسر الأحلام وتعبر الرؤيا: يا أمير المؤمنين! أستودعك الله في نفسك الذي لا تضيع ودائعه.

كان يصلي بالناس إماماً فلما بلغ قوله سبحانه وتعالى: وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [يوسف:84] انهد باكياً وبكى الناس معه، ولما ركع تقدم له أبو لؤلؤة المجوسي .

مولى المغيرة لا جادتك غادية من رحمة الله ما جادت غواديها


تقدم بخنجر ذو حدين مسموم، سمه شهراً حتى أصبح الخنجر أزرق من كثرة السم، ثم ضرب عمر أمير المؤمنين، حصن الإسلام، العادل الكبير، الزاهد النحرير، الذي ما عرف إلا قيام الليل والوقوف مع المسكين والفقير والأرملة، ضربه ثلاث طعنات ليهدم ركن الإسلام، فسقط عمر رضي الله عنه وأرضاه، ووقع على وجهه على الأرض وهو يقول: [[حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ]] ثم التفت وقدم أحد المسلمين، فلما صلوا وقد أغمي عليه وأغشي من كثرة الدم قال: من قتلني؟ قالوا: أبو لؤلؤة قال: [[الحمد لله الذي جعل شهادتي على يد رجل ما سجد لله سجدة ]] ثم رفعوه على أكتافهم.

يقول أنس: [[ظننا أن القيامة قامت يوم أن مات عمر ]] ويقول علي : [[والله الذي لا إله إلا هو، لقد كفنت سعادة الإسلام في أكفان عمر ]] ووضعوه في البيت، فلما أرادوا أن يضعوا رأسه وهو مطعون، يعالج السكرات، وضعوا له مخدة -وسادة- تحت رأسه، قال: انزعوها من تحت رأسي، ضعوا رأسي على التراب علَّ الله أن يرحمني، فأخذ يمرغ وجهه في التراب ويبكي، فدخل عليه علي رضي الله عنه وأرضاه فقال: [[يا أمير المؤمنين! طوبى لك وهنيئاً لك، والله لطالما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر ، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر ، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر ، فأسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك ]] فقال عمر : [[يا ليتني نجوت كفافاً، لا لي ولا عليّ ]] يقول: يا ليتني أخرج من الحساب يوم القيامة لا حسنات ولا سيئات سبحان الله! وهم المجاهدون الصادقون الزهاد العباد فماذا فعلنا نحن؟!



أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر




بماذا نلقى الله يوم القيامة، ونحن -والله- قد أسأنا الأدب مع الله كل الإساءة، هل داومنا على الصلوات الخمس في المسجد؟

هل دعونا جيراننا إلى المساجد صباح مساء؟

هل والينا في الله وأبغضنا في الله؟

هل أخذنا على يد الفاجر السفيه الذي يريد أن يردينا في النار؟

ثم إننا نرى الباطل ونؤيد عليه إلا من رحم الله، وأنا أتكلم بهذا لأننا قبائل نعرف المآسي التي يعيشها كثير من القبائل، يرون الباطل ولا يقومون في وجهه، ويرون حدود الله ومحارمه تنـتهك ولا يغضبون، ثم ندعو الله أن ينزل علينا القطر، ونقول: نحن نحب الله، ما هي أعمالنا؟

السفيه يؤيد، والفاجر يسدد؛ لا يجد صاحب الحق من يعضده ويقوم معه.

يقول سبحانه وتعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79] إي والله لبئس ما كانوا يفعلون، يرون الفاجر ويسكتون، والمعصية ولا يتكلمون، ولا تتمعر وجوههم، أحدهم لو أُخذ شيء من ماله، أو تكُلِّم على ولده، أو على عرضه، أو سب قامت الدنيا وقعدت، وأخذ السلاح وقاتل، لكن أن تنتهك حدود الله فلا يغضب أحد، المساجد تهجر، الأغاني الماجنة تنتشر، الحجاب يترك، والسفور يوضع ويوقع، والمرأة لا تتقي الله عز وجل في البيوت إلا من رحم الله.

سبحان الله! الربا يتعامل به، الرشوة موجودة، ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الغيبة في المجالس، الاستهزاء والاستهتار بالصالحين، ونقول: الله يرحمنا، ونحن على خير إذا اتقينا الله عز وجل.

الله سبحانه وتعالى أرسل جبريل عليه السلام قال: إن أهل تلك القرية عصوني، وتمردوا على حدودي، وأكلوا نعمي، واجترءوا على حرماتي فخذهم، وجبريل له ستمائة جناح، الجناح الواحد يكفي لنقل قرى الجنوب كلها نقلة واحدة، قرى قوم لوط -الأربع كان عددهم ستمائة ألف كما يقول المؤرخون- أرسل الله إليهم جبريل قال: خذهم، فقد عمت فيهم الفاحشة، كانوا يفعلون كل منكر في ناديهم، وعندهم الفجور واللواط والزنا والفحش، والمحارشة والمحاسدة الأيمان والغموس، والتبجح وظلم الناس، والفجور والكذب، فلا تجد أحداً يقول: اتقوا الله، فغضب الله، والله يمهل لكنه إذا غضبت فإنه لا يفلت أحداً كما قيل: إن الله يقول في الحديث القدسي: {إني إذا رضيت باركت وليس لبركتي نهاية، وإذا غضب لعنت وإن لعنتي تبلغ السابع من الولد } نعوذ بالله من لعنة الله، ونعوذ بالله من غضب الله، ونعوذ بالله من قلوب لا تتقي الله، فأرسل جبريل وقال: خذهم -وعند جبريل كما في الصحيح ستمائة جناح- فما استعمل إلا جناحاً واحداً، اقتلع القرى من جذورها بجبالها وأوديتها وأشجارها وأنهارها حتى رفعهم إلى قرب السماء الدنيا، فسمعت ملائكة السماء -كما في الحديث- نباح كلابهم وصياح ديكتهم، ثم لطمهم بالأرض، وما كفى، بل أرسل الله عليهم حجارة من طين كما قال سبحانه: مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ [الذاريات:34] كل حجر عليه اسم مجرم تأتي وتقع في رأسه وتخرج من دبره.

الله عز وجل غضب على قرية من القرى ما أمرت بالمعروف ولا تناصحت فقال لجبريل: خذهم، فنـزل جبريل عليه السلام فمر فوجد مصلياً صائماً يصلي في صومعته، فعاد إلى الله قال: يا رب! هناك عبد يصلي ويذكرك ويسبحك ويدعوك، قال: يا جبريل! به فابدأ قال: يا رب! ولم؟ قال: إنه يرى المنكر ولم يتمعر وجهه غضباً لي.

الله عز وجل يغضب من العبد لأنه لا يغضب لمحارمه، نغضب لمحارمنا ولا نغضب لمحارم الله! نغضب لأنفسنا ولا نغضب لله! أي قلوب هذه التي نملكها! فلما فعل بنو إسرائيل ذلك عمهم الله بالعذاب، وقست قلوبهم فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13].......


اعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة




......




_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الأربعاء 31 أكتوبر 2007 - 23:55

فرعون لم يعرف الله في الرخاء



فرعون الطاغية الخبيث عليه لعنة الله، وقف يقول لأهل مصر كما قال الله: وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:51] فجعل الله الأنهار تجري من فوق رأسه، أغرقه الله في البحر، فلما أدركه الغرق قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ [يونس:90] ما شاء الله! الآن آمنت وأسلمت، لقد ملأت الدنيا أعمالاً سيئة، ولطخت يديك بالدماء وضحكت على التاريخ، ودستَ القيم، والآن لما أصبحت في هذا المكان الضيق قلت: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ [يونس:90] مثلما يفعل كثير من الناس، تجده وقت الرخاء يتبجح على الله، ويتعدى حدوده، وينتهك حرماته، وكثيراً ما تجد بعض الشباب لا يلقي بالاً للمسجد ولا للقرآن ولا للدعوة ولا للذكر ولا يخاف الله، كلما خطر له شيء ركب رأسه؛ فإذا كسر ظهره وأصبح على السرير الأبيض في المستشفى عاد إلى الله، أين أنت وقت الرخاء. أفي وقت الشدة تعود؟! فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65].

يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه


كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه


ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه


ونركب الجو في أمن وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ الله


فلما بلغ فرعون هذا الموضع قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] وهذا كذاب، ولو كان صادقاً لآمن وقت الرخاء، قال سبحانه وتعالى: آلْآنَ [يونس:91] ما عرفت الله إلا اليوم آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس:91-92] ولذلك رماه البحر، فأخرج جثته، وما زالت جثته إلى اليوم في أحد المتاحف هناك، فلا تأكله الأرض، ليكون عبرة لكل من ينظر، لكن الذي يحفظ الله في الرخاء يحفظه الله

في الشدة، إذا ضاقت عليك الضوائق وأتت عليك المصائب وكنت في الرخاء تذكر الله وتقوم بحدود الله؛ ينجيك الله ويجعل لك مخرجاً.

فامسك يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان



يونس عليه السلام عرف الله في الرخاء



يونس عليه السلام أحد الأنبياء كان يحفظ الله في الرخاء، كان مصلياً، صائماً للنهار، قائماً لليل، ذاكراً لله، غضب على قومه فخرج منهم وما استأذن الله، والواجب أن يستأذن ربه، لكن قومه عاندوه، يقول لهم: هذا الطريق المستقيم، فيقولون له: لا.

فلما ركب السفينة في البحر، أخذت الريح تلعب بالسفينة، فقال ربان السفينة: معنا رجل مذنب ولا يمكن أن تهدأ الريح حتى تنزلوا هذا الرجل من السفينة -حتى قواد السفن والطائرات يعرفون أنه لا يأتي الخلل إلا من ذنوب وخطايا، فقالوا: استهموا -قرعة- فوقعت القرعة في يونس عليه السلام، فأقرعوا ثانية فوقعت فيه، فأقرعوا ثالثة فوقعت فيه، فأخذوه بيديه وبأرجله وأوقعوه في البحر في الليل.

سبحان الله! لا قريب ولا أهل ولا زوجة ولا ولد، رموه هكذا في وسط البحر وسط الليل المظلم، وليته بقي على خشبة أو بقي يسبح لكن ابتلعه الحوت، ما وقع في البحر إلا والحوت فاغر فاه فأطبق عليه، فأصبح في ظلمات ثلاث؛ ظلمة الليل وظلمة اليم وظلمة بطن الحوت.

فمن يتذكر؟ هل يتصل بأهله، هل يكلم أخاه أو قومه؟ لا. قال: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] رد إلهامه إلى الله.

ونادِ إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذو النون بن متى


وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا


فلما قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، قذفه الحوت في الشاطئ، وأنجاه الله الذي يقول للشيء كن فيكون؛ لأنه حفظ الله في الرخاء.

يذكر ابن القيم في كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي قصة لرجل من الصالحين كان يصوم النهار ويقوم الليل، والصلاح ليس بكلمة تقال، أو خطبة جمعة يخطبها الإنسان، فإذا خرج فإذا هو من أظلم الناس وأفجرهم، وإذا هو قاطع رحم، أو عاقٌ لوالديه، يفجر، ويحلف اليمين الغموس، وهذا ليس بصلاح، الصلاح عمل وخوف من الحي القيوم.

فهذا الرجل الصالح كان يشتغل بالتجارة، وكان كثير الذكر والتلاوة والصيام والعبادة، فخرج ببغلات له يشتغل فيها على التجارة، فمر به مجرم فقال: يا فلان! أوصلني إلى ذلك المكان فقال: اركب معي، فركب معه، فلما أصبحوا في غابة لا يراهم إلا الله، أخرج المجرم خنجراً، وقال لهذا الرجل الصالح: ادفع ما عندك من مال فوالله لأقتلنك.

قال الرجل الصالح: أسألك بالله الذي قامت به السماوات والأرض أن تأخذ ما عندي من مال وما عندي من تجارة وتتركني، أنا عندي أبناء وأمهم ولا يعولهم بعد الله إلا أنا.

قال: والله الذي لا إله إلا هو لأقتلنك.

قال: فأسألك بمن قامت به السماوات والأرض أن تتركني لأصلي ركعتين قال: صلِّ ركعتين واستعجل، فقام فتوضأ وقام ليصلي قال: فلما كبرت نسيت كل آية في القرآن من الخوف والله ما ذكرت إلا قوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] من يجيب المضطر إلا الله! من يكشف السوء إلا الله! من يشافي المريض إلا الله! من يجبر الكسير إلا الله!

قال: فقلت في نفسي: يا من يجيب المضطر إذا دعاه أجبني! يا من يجيب المضطر إذا دعاه أجبني! يا من يجيب المضطر إذا دعاه أجبني!

قال: والله ما انتهيت من الدعاء إلا وفارس أقبل على فرس من آخر الوادي، ومعه رمح فأرسل رمحه فوقع في لبة هذا الرجل فإذا هو مقتول على قفاه.

فقال: أسألك بالله من أنت؟

قال: أنا رسول من يجيب المضطر إذا دعاه.

لما دعوت الدعوة الأولى كنت في السماء السابعة، ولما دعوت الدعوة الثانية كنت في الرابعة، ولما دعوت الثالثة أتيت إلى الأرض لأقتل هذا المجرم.

وهذا من كرامات الأولياء عند أهل السنة والجماعة .

نعم من يحفظ الله في الرخاء يحفظه في الشدة. يقول عليه الصلاة والسلام لـابن عباس : {احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف }.

هذه -يا عباد الله- قضايا لا بد أن تفهم لكل مسلم، إن من لا يحفظ الله لا يحفظه الله.


التوبة وعواقبها الحميدة




ومن القضايا التي أريد أن أذكر بها نفسي وإياكم: قضية التوبة؛ أن نتوب إلى الله ونستغفره ليلاً ونهاراً، فقد أخطأنا كثيراً، وأسأنا وتعدينا كثيراً، وليس لنا إلا التوبة: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] والله سبحانه وتعالى يقول: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136].......



قصة الرجل الذي أوصى أن يُحرق بعد موته



يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين : {كان فيمن كان قبلكم رجل أسرف على نفسه في الخطايا، فلما حضرته الوفاة قال لأبنائه: إذا مت فأحرقوني بالنار، ثم اسحقوني ثم ذروني فوالله لو قدر الله عليَّ لعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين -سبحان الله! ظن أنه يفوت على الله- فلما مات أحرقوه بالنار وسحقوه وذروه، وأخذته الريح في كل مكان، فجمعه الذي أنشأه أول مرة، وأحياه سبحانه وتعالى الذي يقول للشيء: كن فيكون، فلما أصبح أمامه رجلاً قال: يا عبدي ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب! خفتك وخشيت ذنوبي قال الله: يا ملائكتي! أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة }.



قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً



هذا تائب أقبل على الله عز وجل وتاب فغفر الله له ذنوبه، فأوصيكم ونفسي بالتوبة والاستغفار، ومراجعة الحساب معه سبحانه وتعالى والرجوع إليه.

في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: {أن رجلاً قتل تسعة وتسعين نفساً فأتى إلى رجل عابد قال: هل لي من توبة؟ قال: لا. ليس لك توبة } سبحان الله! من يغلق باب التوبة عليك! باب فتحه الله عز وجل كيف يغلقه هذا العبد؟!

إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار


وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار


قال: {ليس لك توبة، فقتله فوفى به المائة، وذهب إلى عالم قال: هل لي من توبة؟ قال: نعم. ومن يغلق عليك باب التوبة، وباب التوبة فتحه الله حتى تطلع الشمس من مغربها، فتاب إلى الله، قال: إني أرشدك أن تخرج من قريتك التي أنت فيها؛ لأنها قرية سوء -بعض القرى سيئة، أهلها ظلمة لا يعينونك على طاعة الله- فخرج من القرية، ولما أصبح في منتصف الطريق مات فنـزلت ملائكة العذاب وملائكة الرحمة واختصموا فيه، ملائكة الرحمة يقولون: خرج منيباً إلى الله فجزاؤه أن يدخل الجنة، وملائكة العذاب يقولون: مات وما عمل لله عملاً صالحاً، فجزاؤه النار، فأوحى الله إليهم أن قيسوا ما بين المسافتين، فإن كان أقرب إلى القرية التي خرج إليها فهو من أهل الجنة، وإن كان أقرب من القرية التي خرج منها فهو من أهل النار، فأتوا يقيسون بالأشبار فأوحى الله إلى تلك القرية أن تقربي وإلى تلك القرية أن تباعدي، فكان أقرب إلى تلك القرية الصالحة فكان من أهل الجنة } فيا الله! من لهذا العبد الضعيف المذنب يوم لا يجد راحماً إلا الله، عطاء الله ممنوح، وبابه مفتوح، ونواله يغدو ويروح.



قصة المرأة التي زنت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم



أتت امرأة إليه صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح- فأخبرته أنها زنت، وأنها أسرفت على نفسها، فأشاح صلى الله عليه وسلم بوجهه لا يريد أن تعترف، لأنه يقول: {ادرءوا الحدود بالشبهات } يريد أن يستر على هذه المرأة، فأتته من الجهة الأخرى فاعترفت، فأشاح حتى اعترفت أربع مرات، وهي تطلب أن يطهرها عليه الصلاة والسلام، وهي ثيب، وحد الثيب أن ترجم بالحجارة حتى تموت، لكن قدمت نفسها رخيصة في سبيل الله.

فقال لها صلى الله عليه وسلم: {عودي حتى تضعيه } فعادت حتى وضعت ولدها وأتت به في لفائف، فرآه صلى الله عليه وسلم فقال: {عودي حتى ترضعيه } فأرضعته سنتين، ثم جاءت به وفي يده كسرة خبز، جاءت صابرة محتسبة تريد الله والدار الآخرة؛ فأُخذ ولدها ثم أخذوها وذهبوا يرجمونها بالحجارة وهي صابرة محتسبة، فلما رجموها طاش شيء من دمها على أحد الصحابة فسبها فقال عليه الصلاة والسلام وقد سمعه: {والذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها سبعون رجلاً من أهل المدينة لوسعتهم } وفي لفظ: {والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها أهل المدينة لوسعتهم، والذي نفسي بيده إني لأراها تنغمس في أنهار الجنة } هذا هو ربنا التواب الرحيم سبحانه وتعالى.



أخذ العبرة من الموت وما بعده




تنبهوا يا رقود إلى متى ذا الجمود


فهذه الدار تبلى وما عليها يبيد


الخير فيها قليل والشر فيها عتيد


والعمر ينقص فيها والسيئات تزيد


فاستكثر الزاد فيها إن الطريق بعيد


أمامك حفرة مظلمة لكنها للمتقين روضة من رياض الجنة، أمامك قبر تردى فيه الملوك والرؤساء والأمراء والوزراء والتجار.

أبني أبينا نحن أهل منازل أبداً غراب البين فيها ينعق


نبكي على الدنيا وما من معشر جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا


صمٌ إذا نودوا كأن لم يعلموا أن الكلام لهم حلال مطلق


مر مجدد القرن الأول الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، يوم العيد، وقد كان خليفة المسلمين من طاشقند في الشمال إلى جنوب أفريقيا ، ومن مشارق سيبيريا إلى الأندلس إلى شرق نهر السند كلها يملكها رضي الله عنه وأرضاه، فنـزل يوم العيد فرأى المقابر؛ فبكى حتى جلس، فقال: [[يا أيتها المقابر! كم فيك من حبيب! كم فيك من قريب! ما كأنهم أكلوا مع من أكل، وما كأنهم شربوا مع من شرب، ما كأنهم ضحكوا مع من ضحك ]] ثم قال: [[يا موت! ماذا فعلت بالأحبة؟ ثم بكى وأجاب نفسه بنفسه وقال: أتدرون ما يقول الموت؟ قالوا: لا. قال: يقول: أكلت الحدقتين، وفقأت العينين، وفصلت الكفين عن الساعدين، والساعدين عن العضدين، والعضدين عن الكفين، والقدمين عن الساقين، والساقين عن الركبتين ]].

إن كنت تريد الخلود -أيها المسلم- والسعادة والرضا فاعمل للجنة:

اعمل لدار غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها


قصورها ذهب والمسك تربتها والزعفران حشيش نابت فيها


أما هذه الدار فمنذ خلقها الله وهي منغصة ليس فيها راحة، إذا ارتحت فيها مات ولدك، وإذا نسيت مصيبته مرض الآخر، وإذا نسيت ألمه مرضت زوجتك، وإذا تشافت مرض جسمك، مكدرة منغصة كتب الله عليها التكدير، فضح الموت الدنيا فلم يدع لذي لب فرحاً.

فيا أهل العقول! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأوصيكم أن تقوموا في سبيل الله عزَّ وجلَّ دعاة خير، وأن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر؛ ليرضى الله عنكم ظاهراً وباطناً؛ وليسعدكم في الدنيا والآخرة؛ وليكون الله معكم أينما كنتم وأينما صرتم، أيدوا كلمة الحق وقوموا مع المحق، ولا ترضوا بالباطل وقوموا في وجهه، حينها يرضى الله عنا وعنكم.

نسأله سبحانه لنا ولكم التوفيق والهداية، والسداد والرشد.

اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق؛ أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا.

اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين!

وإن كان من شكر فإني أشكر الله تعالى ثم أشكركم على حضوركم وإنصاتكم، وأشكر المركز الصيفي بمدرسة اليرموك على دعوته الموقرة، وعلى نشاطه الخير، وعلى بذله في الخير، وأشكر الأساتذة القائمين فيه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.......


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الأربعاء 31 أكتوبر 2007 - 23:55


الأسئلة




......



حق الجار



السؤال: تحصل بين بعض المسلمين خلافات ومشاكل يترتب عليها الجفاء بين الجيران، والقطيعة، وعقوق وأذية للجار، والتكبر وغير ذلك، ويستمر ذلك لسنتين، فما هو توجيهكم نحو هذه الأمور؟

الجواب: المشاكل التي يشكو منها الناس، والذنوب والمعاصي والخطايا التي في المجتمع، لا يحصيها إلا الله.

تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد


كل مسألة ذكرت -أيها الأخ الفاضل- تحتاج إلى محاضرة بل محاضرات ومجلدات وندوات؛ لأننا أصبحنا مثخنين بالجراح من الذنوب والخطايا، قطيعة الرحم، عقوق الوالدين، أذية الجار، السوء إلى المسلمين، انتشار الأغاني الماجنات، المخدرات، التبرج منتشر عند الناس إلا من رحم الله، ضياع الأوقات، تفلت الشباب، ضياع السنة، عدم تدبر القرآن، عدم تذكر الله، الأيمان الغموس، الظلم، الحسد، الحقد، كلها ذنوب وخطايا نشكو حالنا إلى الله.

يعني: أصبح مثل المريض الذي في كل جسم منه جرح.

ومن يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام


وأما ما ذكرت؛ فالجار من أعظم ما يتساهل به خاصة في القرى، والمدن أحسن حالاً في الجيران، لأنك غريب مع غرباء فتريد أن تصلح الحال، أما القرى فمن يوم خلقنا الله ونحن نعرف جيراننا يميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً، فأصبح بينهم القطيعة إلا من رحم الله، تجد الجار يؤذي جاره لا يأمنه، ومن نكد الحياة أن يكون لك جار سوء.

في الحديث: أن رجلاً أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله! أشكو إليك أذية جاري، قال: ماذا فعل؟ قال: إن غبت ما أمنته وإن حضرت آذاني، وهتك عرضي، وأخذ مالي، وظلمني.

قال عليه الصلاة والسلام: اصبر لجارك علَّ الله أن يهديه، فذهب وصبر قليلاً، لكنه ما اهتدى، فعاد يشكو إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: خذ متاعك وزوجتك وأولادك وانزل في سكة من سكك المدينة ، فأخذ زوجته وأثاثه على ظهره، ونزل وجلس في السكة، فأصبح الناس يسرحون عليه ويروحون ويغدون فيقولون: ما لك يا فلان؟ قال: آذاني جاري حتى أخرجني قالوا: لعنه الله، فيصبح من مرَّ عليه يقول: ما لك يا فلان؟ قال: آذاني جاري، قالوا: لعنه الله، ويمشي الماشي وقال: ما لك؟ قال: آذاني جاري قال: لعنه الله، فسمع بالخبر جاره، فأتى إليه وقال: أتوب إلى الله، والله لا أوذيك، عد إلى دارك.

ولذلك يبلغ الحد ببعض الناس إلى أنه لا يذكر الله عز وجل تماماً ولا يقوم بحق الجار.

وقد كان الجاهليون من ضمن ما يتمادحون به حفظ حقوق الجار، حتى يقول عنترة :

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها


يقول: من كرم نفسي وشهامتي ومروءتي إذا بدت جارتي؛ غضضت طرفي حتى تدخل البيت، وهو ليس عنده كتاب ولا سنة ولا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، بل هو جاهلي وثني.

ولذلك وجد في الإسلام من أهل حفظ الجار أناس كثير، أذكر على سبيل المثال: أبو حنيفة ، عالم المسلمين، كان من أعبد عباد الله وأزهدهم، كان له جار يؤذيه.

كان أبو حنيفة يأتي بعد صلاة العشاء يريد أن يسبح الله، ويصلي ويبكي ويدعو ويقرأ القرآن، لكن هذا الجار عزوبي ليس عنده إلا طبل يضرب عليه ويرقص ويقول:

أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر


فكان أبو حنيفة لا يستطيع أن ينام ولا يستطيع أن يقرأ، ولا أن يصلي، فيصبر ويحتسب، وفي ليلة من الليالي الطويلة ما سمع أبو حنيفة الصوت، انتظر هل يسمع صوتاً، ما سمع الرقص ولا سمع ضرب الطبل ولا سمع الدربكة، فعجب! طرق على باب الدار فما أجابه أحد، سأل الجيران: أين فلان؟

قالوا: أخذته شرطة السلطان، قال: سبحان الله! جاري يأخذونه ولا يخبرونني! ثم ذهب في الليل فركب بغلته ولبس ثيابه، فاستأذن على السلطان وسط الليل.

قال الجنود للسلطان: أبو حنيفة إمام الدنيا يريد مقابلتك، فقام السلطان من نومه والتقى به عند الباب يعانقه، قال له: يا أبا حنيفة لماذا ما أرسلت إلينا؟ نحن نأتيك لا أن تأتينا، قال: كيف أخذتم جاري وما أخبرتموني به؟

قالوا: إنه فعل وفعل وفعل، قال: ردوا عليّ جاري، قالوا: لو طلبت الدنيا لأعطيناك الدنيا، فركب جاره معه على البغلة وأخذ جاره يبكي. قال أبو حنيفة : ما لك؟ قال: آذيتك كل هذه الأيام والأعوام والسنوات وما تركتك تنام ولا تصلي ولا تقرأ، ولما فقدتني ليلة أتيت تتشفع فيّ، أشهد الله ثم أشهدك أنني تائب إلى الله.

لقد كانوا يدعون الناس بأخلاقهم وبتعاملهم.

سكن يهودي بجانب عبد الله بن المبارك أحد العلماء الصالحين، وكان عبد الله بن المبارك إذا اشترى لحماً من السوق بدأ بأولاد الجار اليهودي، نحن لا نقول: نبدأ بأبناء اليهود لكن بأبناء المسلمين، ونحن لا نقول: اأعطوا الناس لحماً واكسوا أبناء الناس، لكن نكف أذانا فقط، نعم.

مكانك تحمدي أو تستريحي


فـعبد الله بن المبارك كان إذا اشترى لحماً أعطى أولاد جيرانه، وإذا كساهم كسا أبناء جيرانه، وإذا أخذ فاكهة بدأهم، فأتى أناس من التجار يشترون دار اليهودي فقال: داري ثمنها ألفي درهم، الألف الأولى قيمة الدار وأما الألف الثانية فقيمة الجوار -جوار عبد الله بن المبارك - فسمع عبد الله بن المبارك ذلك وقال: والله لا تبيعها، هذه ألف درهم ثمن جوار عبد الله بن المبارك وابق جاراً لي، ثم قال عبد الله بن المبارك : اللهم اهده إلى الإسلام، فما أصبح في اليوم الثاني إلا وقد أسلم لله رب العالمين.

فمسألة الجار لا بد أن ينتبه لها، يقول عليه الصلاة والسلام: {ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه }.



حكم اغتصاب الأراضي وشهادة الزور



السؤال: ما حكم من يسعى لامتلاك أرض ظلماً، ويسعى بعض معارفه إلى أن يشهد له في هذه الأرض؟

الجواب: الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {من ظلم من الأرض قيد شبر طوقه الله من سبع أرضين يوم القيامة } واليمين الغموس ما سميت غموساً إلا لأنها تغمس صاحبها في نار جهنم، ومن اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان، لا يكلمه الله ولا يزكيه ولا ينظر إليه وله عذاب أليم.

واقتطاع الأراضي وجد كثيراً باليمين وبالحلف وهو لا يدري أصل هذه الأرض ولا بمستنداتها ولا بصكوكها، وإنما يحلف زوراً وبهتاناً وحمية فقط، وهذا حسابه عند الله عزَّ وجلَّ، يوم يجمع الله الأولين والآخرين، والأرض أرض الله، والمال مال الله، والعباد عباد الله، والله هو الحاكم يوم القيامة الذي يحكم بين الخصمين، لا يتدخل في الحكومة أحد من الناس، فمن فعل ذلك فقد شهد شهادة الزور، والله سبحانه وتعالى يقول: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً [الفرقان:72].

يقول عليه الصلاة والسلام: {ألا أدلكم على أكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً ثم جلس وقال: ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت } أظلم الظلم وأعدى العدوان شهادة الزور، وهي التي تمحق البركة، وبها يطبع على القلوب، ويجفف الله بركة الوديان سبحانه وتعالى، وينـزعها من وديانهم ومن أماكنهم، وقد نبه القرآن والعلماء على هذه كثيراً، وكثير منكم يعرف هذا والحمد الله.



نصيحة إلى شاب يريد العودة إلى الله



السؤال: شاب يريد التوبة والعودة إلى الله سبحانه وتعالى فما نصيحتكم إليه؟

الجواب: حياك الله أيها الشاب، والله قد بسط لك يده وفتح لك باب التوبة، وأنت من أحب الناس إلى الله عز وجل فلا يتعاظمك الذنب، فإن الله يقول كما في الحديث القدسي الحسن: {يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم! لو جئتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة } والله عز وجل يقول في الحديث القدسي: {يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم } فهنيئاً لك لمَّا عدت إلى الله، وهنيئاً لك لما أفقت، وهنيئاً لك لما راجعت حسابك مع الله قبل أن يأخذك الله أخذ عزيز مقتدر، فأوصيك:

أولاً: بالمحافظة على الصلوات الخمس، وأن تكثر من الدعاء إلى علام الغيوب في أدبار الصلوات، وإذا سجدت أن تدعوه بما دعاه به يونس بن متى عليه الصلاة والسلام، وأن تطرق باب الله ليفتح لك مع المفتوح لهم.

ثانياً: أوصيك بكتاب الله أن تتدبره، وأن يكون سميرك وأنيسك وصاحبك وحبيبك، فتقرأ منه يومياً ما فتح الله به عليك.

ثالثاً: أن ترافق رفقة صالحة طيبة يريدون الله والدار الآخرة، وأن تبتعد عن رفقة السوء.

رابعاً: أن تترك كل المعاصي التي كانت تقربك من غضب الله ومقته وسخطه، كاستماع الأغنية الماجنة، واجعل مكانها الشريط الإسلامي؛ شريط القرآن والمحاضرات والندوات والدروس والعبر والعظات، وكذلك أن تتقي الله في عينك فلا تنظر إلا في الحلال، واعلم أن الله سيحاسبك على جوارحك واحدة واحدة.

خامساً: أن تحفظ وقتك مع الله، وأن تقضي الوقت في المطالعة والقراءة وزيارة الصالحين؛ ليرضى الله عنك في الدنيا والآخرة وهذا هو المكسب العظيم.

خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريباً


فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليباً




حكم الصلاة خلف إمام يشرب الشيشة



السؤال: إمام المسجد إمام راتب يشرب الشيشة فهل يصح أن يؤم الناس؟

الجواب: إن عينه السلطان -يعني: معين من الأوقاف- وهو إمام راتب فيصلى وراءه وذنبه عليه: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164] وحسابه على الله عز وجل.

وإن كان هذا الإمام متبرعاً أراد أن يصلي بدون أن يكون هو الإمام الراتب وليس مسئولاً، فلا يقدم على الناس لأنه فاسق، وهو يشرب هذه المحرمات، فهو فاسق عند أهل السنة والجماعة ؛ لأن من يتعدى حدود الله عز وجل فهو فاسق، فإن كان متبرعاً فلا يقدم، وإن كان من الأوقاف فيقدم ويصلى وراءه وحسابه على الله.

يقول أهل العلم: ابن آدم يأتي من بطن أمه وهو ماسك يديه، قالوا: ذلك علامة لحرصه وجشعه وحسده وحب التملك، وحب التملك فطرة في الإنسان؛ حتى الطفل أول ما يتحرك يبدأ بأخذ الأشياء، يأخذ القلم، يأخذ الساعة، يتشبث، يبكي على اللعب، يبكي على المأكولات والمشروبات وذلك من حب التملك، وكلما شاب الإنسان وكبر سنه كبر حب التملك عنده، حتى تجد الإنسان في عمر الستين كأنه سيعيش مائتين أو ثلاثمائة سنة، لا يتكلم إلا في العمارات والقصور والأبناء، وهذا توظف، وهذا أرسل لي راتبه، وهذا سوف أسكن معه، كأنه يعيش ولا يفكر في القبر إلا من رحم ربك، ومن أكبر الخطايا التي عصي الله بها في الأرض خطيئة حب الدنيا، حتى أن البعض يقول: هابيل قتل قابيل بسبب حب الدنيا والجشع عليها، واعلم أن من استولى عليه حب الدنيا فقد عبدها من دون الله، اتخذها إلهاً يعبد من دون الله عز وجل، قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16].

تجرد من الدنيا فإنك إنما أتيت إلى الدنيا وأنت مجرد


وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الأربعاء 31 أكتوبر 2007 - 23:56

لماذا خلقنـا؟

يتحدث الشيخ في هذه المحاضرة عن الحكمة من خلقنا، وبين أن الحياة الحقيقية هي في طاعة الله، وتكلم عن قارون أنه ما نفعه ماله يوم أعرض عن طاعة الله، وعن فرعون أنه ما نفعه ملكه يوم كفر بالحي القيوم، وعن العقوبة التي حلت بقوم لوط يوم تركوا شريعة الله.

وتعرض لقصص بعض من عرفوا الله في الرخاء فعرفهم في الشدة.

وختم المحاضرة بالحديث عن التوبة وفضلها وعواقبها المحمودة.

الحكمة من خلق الإنسان




إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، عزَّ جاهك، وجلَّ ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت.

في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، أنت رب الطيبين، لا إله إلا أنت، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضى.

اللهم صلِّ وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل.

اللهم صلِّ وسلم على صاحب اللواء المعقود، والحوض المورود، اللهم صلِّ وسلم على من هديت به البشرية، وأنرت به أفكار الإنسانية، وزعزعت به الوثنية ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

لماذا خلقنا؟

وإلى أين نسير؟

ومن يحاسبنا؟

وما هو مصيرنا؟

هذه أسئلة لا بد أن يجيب عليها من يريد الله والدار الآخرة:

لماذا خلقت أيها الإنسان؟

لماذا وجدت؟

لماذا جعل الله لك عينين ولساناً وشفتين؟

لماذا بصَّرك وأراك؟

لماذا علمك وأنطقك؟

لماذا أكلك وشربك؟

لماذا سترك وقومك؟

لماذا أسمعك وبصّرك؟


هذه الأسئلة لا بد أن يجيب عليها المسلم إن كان يريد الله والدار الآخرة، يقول الله للإنسان المتمرد: يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الإنفطار:6] ما لك تمردت علينا -أيها الإنسان- وقد خلقناك ولم تك شيئاً؟

ما لك -أيها الإنسان- نسيتنا وقد علمناك، وجهلتنا وقد أدبناك، وتمردت علينا وقد أرويناك وأسقيناك وأشبعناك؟!

والله يقول: هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:1-3].

يا أيها الإنسان: خلقت من نطفة، وأتيت إلى الدنيا من بطن أمك وأنت تبكي وكأن بطن أمك أوسع لك من الأرض، فلماذا خرجت تبكي من بطن أمك؟!

ولدتك أمـك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سروراً


فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً


لا إله إلا الله ما أغفل الإنسان! لا إله إلا الله ما أجفى الإنسان! لا إله إلا الله ما أظلم الإنسان! يوم يأتي من بطن أمه لا ملابس له ولا منصب ولا وظيفة ولا بيت ولا سيارة ولا جاه، ليسقط قطعة لحم على الأرض وهو يبكي، فإذا ما بصَّره الله وعلمه وأنبته وتملك، وأصبح له وظيفة، وأصبح ذا منصب وسيارة وجاه؛ نسي الله، وتمرد على حدود الله، وانتهك محارم الله وحدوده، فأين العقول؟!

وأين الأسماع؟!

وأين الأبصار؟!


الله يقول من فوق سبع سماوات: {الكبرياء إزاري، والعظمة ردائي، من نازعني فيهما عذبته } الله أكبر كبير، وأعظم عظيم، وأغنى الأغنياء، وأما أنت أيها الإنسان ففقير بن فقير، مسكين بن مسكين، إن لم يسترك الله افتضحت.

فيا عباد الله! يا من أتى إلى بيوت الله! يا من عود نفسه الصوم، وسجد في التراب لله!

ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا


دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً
......


قصة قارون وما فيها من عبر




هل الشرف المال؟

كان قارون أعظم من ملك المال في الدنيا، ثم لعنه الله لعنة تحيق به؛ لأنه ما عرف الله، آتاه الله مالاً وقال: يا قارون ! خف من الله في المال، اتق الله في هذا المال، المال وديعة عندك يا قارون ! أنت مسلوب أنت ومالك، ونحن ماذا نملك مما ملكه قارون ؟

إن كان عند أحدنا فلة أو سيارة، أو بعض الأبناء، أو وظيفة فما تساوي ذرة من ذرات كنوز قارون .

قارون كانت مفاتيح كنوزه تنوء بها العصبة من الرجال، عشرة من الرجال لا يستطيعون حمل المفاتيح، فما بالك بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، فماذا فعل؟

خرج في أبهة وجبروت وكبر، والإنسان إذا نسي الله وما أصبح عنده صلاة ولا أوراد، جفل قلبه وأصبح قطعة حجر، أصبح قلبه مثل قلب الثور، لا يعي ولا يعرف ولا يفقه، يأكل ويشرب لكن له قلب لا يفقه به، له سمع لا يسمع به، وبصر لا يبصر به، فـقارون أعطاه الله المال وقال: خف من الله في هذا المال، إنما هو يمتحنك الله به، لا تظن أن الأغنياء والتجار أعطاهم الله المال إكراماً لهم، لا. قال تعالى: كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً [الإسراء:20-21] فهذه الحياة حياة تافهة، كالحمار يأكل ويشبع، لكن يقول الله عز وجل: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16] وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35].

الخواجة يسكن في الدور العاشر، والمسلم لا يجد كسرة خبز وقطعة من الخيمة في الصحراء؛ لأن الجنة أعدها الله لأوليائه تبارك وتعالى.

خرج قارون ومعه حلة يتبختر فيها، فقال له علماء قومه: اتق الله! وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ [القصص:77] وعظوه.

كما يفعل بعض الناس الآن إذا أغناه الله بعد الفقر، وأَصَحَّ جسمه بعد السقم، وآتاه ذرية بعد أن لم يكن عنده ولد، نسي الله فتجبر على عباد الله، وصعَّر خده لأولياء الله في أرض الله، فـقارون فعل مثل ذلك.

قالوا له: اتق الله، قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص:78] الله يدري أنني أستحق الملك، أنا أخذته بعرق جبيني وجهدي وذكائي ودهائي، وهو كذاب على الله، دجَّال ما منحه المال إلا الله، ولا يرزق إلا الله، والله الذي لا إله إلا هو إن لم يرزقك الله؛ فلن يرزقك أهل الدنيا ولو اجتمعوا عن بكرة أبيهم، مفاتيح الخزائن والمال بيد الله عز وجل، القطر بيديه، الرزق بيديه، الإحياء والإماتة بيديه تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:1-3].

سبحان الله! كيف ينسى الإنسان؟!

أما يتذكر يوم أن كان ضعيفاً في بطن أمه، كان قطعة لحم لا يسمع ولا يبصر ولا ينطق ولا يتكلم، فلما أصبح قوي البنية، ويلبس ما شاء من الملابس أصبح لا يرى الناس شيئاً، خف من الله، لمن البقاء إلا لله..

لمن الغنى إلا لله..

لمن القوة إلا لله..

وانظر إلى أحوال الناس تجاه الدنيا وزينتها، فإن قارون لما خرج علىقومه في زينته الدنيوية قال بعض قومه ممن قصرت عقولهم عن معرفة حقيقة الدنيا: قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ [القصص:79].

بعض الناس يظن أن الإنسان إذا أُمْهِلَ في الدنيا ورزقه الله أبناء وأولاداً وقصوراً وفللاً وعمارات وسيارات ظن أن الله يحبه، ولا يدري هذا الإنسان أنه قد يكون أعدى عدوٍ لله في الأرض، ويمكن أن يكون حسابه أن يكب على وجهه في النار، ولا يدري أنه قد يكون أكبر فاجر على المعمورة.

لكن الناس يختلفون في عقولهم وفي بصائرهم: قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [القصص:79] أي: إن لـقارون مكانة عظيمة عند الله، وإن ما عليه من نعيم لهو منحة من الله يحسد عليها.

وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [القصص:80] العقلاء الذين يخافون لقاء الله ويتذكرون القبر وما بعده وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ [القصص:80] قالوا: خافوا من الله؛ ثواب الله في الجنة أحسن من هذه الدنيا، والله الذي لا إله إلا هو إن كلمة: (سبحان الله) خيرٌ مما طلعت عليه الشمس وغربت.

كلكم يعلم قصة سليمان بن دواد عليه الصلاة والسلام في القرآن، الذي ملك الجن والإنس والطيور والزواحف وكل ما هبَّ ودبَّ، حتى الريح التي تمر علينا صباح مساء كانت تتحرك بأمره، إذا أراد أن يرتحل من بلد يأمر الريح غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ [سبأ:12] يقول: يا ريح! احمليني إلى الهند ، فتأتي الريح فتكون كالبساط، ثم يركب هو ووزراؤه وحاشيته فتنقله في لحظات، حتى إذا أتى لينزل في الأرض كيف تنـزل به؟

يقول الله عز وجل: رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص:36] يعني: ما تنـزل بقوة، إنما تنزل تدريجياً حتى يهبط في الأرض، فارتفعت به الريح مرة من المرات ومعه من جنوده وقوته ما لا يعلمه إلا الله، ولما أصبح في السماء مر تجاه الشمس فحجب ضوء الشمس عن فلاح يشتغل في الأرض بالمسحاة، فنظر الفلاح إلى السحاب فرأى سليمان عليه السلام والريح تمر به، قال الفلاح: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، فسمعها سليمان عليه السلام فقال للريح: اهبطي بي هنا، فهبطت بجانب الفلاح قال: ماذا قلت يا فلان؟

قال: ما قلت إلا خيراً (خاف من سليمان).

قال: ماذا قلت؟

قال: والله ما قلت إلا سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً.

قال: والذي نفسي بيده، لقولك سبحان الله في ميزانك خير مما أوتي آل داود.

الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس }.

رأيناهم والله أغنياء يملكونها بالملايين، لا يتعاملون إلا بالشيكات والمصارف العالمية، وإن بعضهم توفي في مدينة نائية عن تجارته ومدينته، حتى طلب له كفن من التجار بالشحاذة ودس في التراب، أين الذهب؟!

أين الفضة؟!

أين الجاه؟!

لا جاه إلا لمن أسعده الله.

يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران


أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسـان


يـا عامراً لخراب الدهـر مجتهـداً بالله هل لخراب الدهر عمـران


وفي هذه الأيام لو تدخل مجلس أحدنا لوجدته مزركشاً ومزخرفاً كأنه إيوان كسرى وقيصر؛ فيه الكنبات والروائح والملبوسات والمفروشات والمطعومات والمركوبات، العطور.. شيء عجيب يذهل.

ما
ذا أعددنا للقبر؟

ماذا أعددنا لتلك الحفرة الضيقة؟


يدس فيه الإنسان لا ولد، ولا أهل، ولا زوجة، ولا أنيس، ولا حبيب إلا من أسعده الله.

والموت فاذكره وما وراءه فمنه ما لأحد براءة


وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه


والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران


إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده


وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ


لكن لا نفقه ولا نعي ولا نفهم، الله يقول لنا: افهموا، اسمعوا، تدبروا، اعقلوا؛ لكن القلوب قد ران عليها الخطأ، أظلمت وقست من السيئات.

كيف يعي قلب من يستمع الغناء صباح مساء؟! الأغنيات الماجنات من المغنين والمغنيات، الأحياء منهم والأموات، يصبح على الأغنية ويمسي على الأغنية، يركب السيارة ويسمع أغنية، ويدخل المجلس مع أغنية، أبعثنا للناس هكذا؟!

أكانت حياة الصحابة كحياتنا؟!

أجعلنا الله نعيش على هوامش الأحداث؛ أكل وشرب ونوم وغناء ورقص ولعب ولهو؟!

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الأربعاء 31 أكتوبر 2007 - 23:59

أين حياتنا؟!

أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَ [الأنعام:122].

كان مصير قارون أن قال الله فيه: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ [القصص:81] هذا هو الردى وهذه هي اللعنة والخسران وسوء الخاتمة فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ [القصص:81] من الذي ينصر إلا الله، وإذا لم ينصر الله العبد لا ينصره أحد، والله لو كانت الدنيا وسكان الدنيا معك في أسرة لك فلا تعتز بأسرتك من دون الله، العزيز من أعزه الله بالطاعة، والذليل من أذله الله بالمعصية فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ [القصص:81] يقول الله عزَّ وجلَّ: هل له أسرة؟

هل كان معه قبيلة قامت تقاتل عنه بالسيوف؟

لا. قوة الله لا تغلب، والله عزَّ وجلَّ يقول: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر:51] من الذي ينصر الرسل والمؤمنين؟

إنه الله، أما غير المؤمنين فلن ينصر الله يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:52].

فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [القصص:81-82] يقول: أصبح الذين تمنوا الدنيا لما رأوا داره تخفوا في الأرض، أتدرون ما فعل؟

أتى في مصطبة من ذهب أي: دكان مرتفع مصبوب ذهباً، فجلس عليه بحلة في الصباح ومرَّ النبي موسى بن عمران عليه السلام، الداعية الكبير الذي دخل على فرعون، داعية لا إله إلا الله، الذي قاد الجيوش الجرارة لخدمة لا إله إلا الله؛ مرَّ على قارون وقال: يا قارون ! اتق الله وقل لا إله إلا الله، فتكلم قارون بكلام بذيء في عرض موسى عليه السلام ولذلك قال عزَّ وجلَّ قال: فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً [الأحزاب:69].

ولذلك -الآن- الدعاة وطلبة العلم والعلماء والصلحاء وأهل الخير والعباد والزهاد ينالون نصيباً من هذا الاستهزاء والاستهتار والتعليق المرير، لكن قدوتهم في ذلك الأنبياء؛ فعليهم بالصبر.

يقول لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ [لقمان:17] ماذا يقول بعدها: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان:17] فإنك إذا أمرت ونهيت سوف تنالك الألسنة، وسوف تعترضك القلوب التي ما عرفت لا إله إلا الله.

موسى عليه السلام لقي الله عزَّ وجلَّ فكلمه كفاحاً بلا ترجمان: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً [النساء:164] فلما كلمه قال: يا موسى! أتريد شيئاً؟

قال: نعم يا رب.

قال: ماذا تريد؟

قال: يا رب! كف ألسنة الناس لا يتكلمون في عرضي، يقول: يا رب! امنعني من ألسنة الناس لا ينالونني ولا يتكلمون فيّ ولا يغتابونني.

فقال الله: يا موسى! ما اتخذت ذلك لنفسي، إني أرزقهم وأعافيهم وإنهم يسبونني ويشتمونني.

عندما خوطب قارون من قبل أهل العلم فقالوا له: اتق الله يا قارون فتكلم على الله، فقال موسى: اللهم خذه أخذ عزيز مقتدر، فنـزل بيته في الأرض، فأراد أن يهرب فنزل البيت جميعاً، وكانت كنوزه تنـزل معه، كانت قلعته كلها ذهب وفضة وكلها تنـزل معه في الأرض، أراد أن يفر فما استطاع، لأنه محبوس في الأرض، فينـزل رويداً ينادي: يا موسى يا موسى! أطلقني أطلقني فنـزل وموسى ينظر إليه، فيقول الله تعالى في آخر القصة: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83].

الحياة معناها يا عباد الله! أن تعيش لله، وتموت لله، وتبعث لله، حياة ليس فيها صلاة ولا عبادة ولا اتصال بالله ليست بحياة، والعجيب من بعض الناس أنه راض عن نفسه، يرى أنه إذا كان له بيت وسيع وأبناء، ويأكل ويشرب، وعنده سيارات، وقد ارتاح إلى هذه الحالة أن الله راضٍ عنه، بالله هل سأل نفسه عن معاملته مع الله؟! هل سأل نفسه هل يداوم على الصلوات الخمس في المسجد؟!

هل علم كيف قلبه مع المسلمين؟!......


وقفات مع عمر بن الخطاب




الله سبحانه وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم لهداية الإنسان، فأتى عليه الصلاة والسلام والناس في جاهلية جهلاء، في حين لا تزال بعض أماكننا وبعض مناطقنا اليوم تعيش بعض الصور من تلك الجاهلية التي عاشها الناس قبله صلى الله عليه وسلم، أو عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هداية الناس، فلما أتى صلى الله عليه وسلم قال: {يا أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا } وعاد الناس، واستجاب من أراد الله أن يستجيب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24].

وممن استجاب لله: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكلكم يعرف عمر الفاروق خليفة الإسلام، كان قبل الإسلام ليس له إرادة، ولا تفكير، ولا طموح، كان يعيش هكذا، مثل حال كثير من الناس؛ يأكل ويشرب وينام، لا يغضب إذا انتهكت حدود الله، ولا يحزن إذا فاتته صلاة، ولا يتألم إذا سمع شباب الإسلام غرقوا في المعاصي، إنما همه أن يبقى عليه رزقه ومرتبه ووظيفته، فأتى عمر فوضع يده في كف المصطفى صلى الله عليه وسلم وأسلم، لما سمع قوله سبحانه وتعالى: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:1-2] ومن يوم أسلم بدأ قلبه حياً مع الله؛ لأن الله يحيي القلوب بعد إماتتها، واستمر في الإسلام، وبعد عشرين سنة أو أكثر تولى خلافة المسلمين، فأصبح خليفة ذهب الدنيا وفضتها تحت يديه، وأصبح هو المسئول الأول، فماذا فعل؟......



زهد عمر



كان من أبسط الناس وأزهدهم وأفقرهم، ما كان يشبع من خبز الشعير، يوم الجمعة يصعد المنبر وعليه إزار فيه أربع عشرة رقعة، وبإمكانه لو أراد أن يلبس الذهب والديباج والحرير للبس، فرقي المنبر يوم الجمعة في عام الرمادة؛ عام الجوع والقحط.

عام الثامن عشر من الهجرة مرَّ قحط على المسلمين حتى رأوا الدخان يفوح من على الأرض، وحتى أكلوا الميتة، وحتى ما أصبح هناك نبتة خضراء، أكلوا أوراق الشجر حتى تشرمت أشداقهم، فصعد على المنبر وهو يبكي يوم الجمعة، وقال: [[يا رب! لا تعذب أمة محمد بسبب ذنوبي ]] ذنوب عمر الزاهد، المجاهد، قائم الليل، صائم النهار، ونحن الآن إذا قلنا: نحن مذنبين قالوا: لا. الحمد لله نحن من أحسن الناس، وما أذنبنا، والله إننا لنصلي ومستقيمين على طاعته ولا نريد شيئاً، ويا ليت الناس مثلنا.

عمر يقول على المنبر وهو يبكي: [[اللهم لا تعذب أمة محمد بسبب ذنوبي، يا رب أتهلك أمة محمد بعهدي؟ ]] ثم يبكي ويبكي الناس ويقول مخاطباً بطنه: [[قرقر أو لا تقرقر والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين ]].



عمر يتفقد الرعية



ينـزل رضي الله عنه وأرضاه في ليلة من الليالي يطوف بعصاه بعد صلاة العشاء، يتفقد المريض والمسكين، والأرملة والجائع، كيف ينام وهناك أنفس لا تنام ولا ترتاح، فسمع بكاءً في بيت، فاقترب من البيت ووضع رأسه على صائر الباب، فسمع امرأة في الطلق -في النفاس- فأخذ يبكي -ذكر ذلك ابن كثير في البداية والنهاية - فقال مولاه أسلم : مالك يا أمير المؤمنين تبكي؟ فقال عمر : [[إنك لا تعلم يا أسلم بالألم التي تجده هذه المرأة، انطلق بنا يا أسلم إني أخاف أن يسألني الله عن هذه المرأة إن قصرت في حقها، فانطلق إلى بيت المال، وحمل جراباً من شحم ودقيق، وهو خليفة، ودخل البيت واستأذن من المرأة، وصنع لها طعاماً بيده الكريمة -هذه تربية لا إله إلا الله، تربية محمد صلى الله عليه وسلم، الذين غرس في قلوبهم لا إله إلا الله، أهل الجنة قصورهم في الجنة كالربابة البيضاء أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90]- فدخل عليها وصنع لها الطعام وقدم لها لتأكل فقالت: والله الذي لا إله إلا هو إنك خير من عمر بن الخطاب ، وهو عمر بن الخطاب ، ثم خرج فأخذ يبكي فيقول له مولاه: ما لك؟ قال: إني أخاف من الله أن يعذبني بسبب هذه الأمة ]].



عمر يسأل الله الشهادة فينالها



عمر رضي الله عنه وأرضاه، لما علم الله أنه صادق، وأنه يريد الله والدار الآخرة فاستجاب له دعاءه في آخر حجة حجها، لما وقف عند الجمرات الثلاث ورفع يديه، وقال: [[اللهم إنه انتشرت رعيتي، ورق عظمي، فاقبضني إليك غير مفرط ولا مفتون، اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتة في بلد رسولك، قال له الصحابة: يا أمير المؤمنين! تريد الموت في سبيل الله في بلد رسول الله؟ -يعني: إن من يريد الشهادة يخرج إلى الثغور- قال: هكذا سألت الله، وأسأل الله أن يلبي لي ما سألت ]].

فخرج وعاد إلى المدينة ، وفي أول ليلة نامها رأى رؤيا في المنام، رأى أن ديكاً ينقره ثلاث نقرات، فسأل بعض الصحابة ما تأويل الرؤيا، قالت له أسماء بنت عميس إحدى الصحابيات المؤمنات، وكانت تفسر الأحلام وتعبر الرؤيا: يا أمير المؤمنين! أستودعك الله في نفسك الذي لا تضيع ودائعه.

كان يصلي بالناس إماماً فلما بلغ قوله سبحانه وتعالى: وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [يوسف:84] انهد باكياً وبكى الناس معه، ولما ركع تقدم له أبو لؤلؤة المجوسي .

مولى المغيرة لا جادتك غادية من رحمة الله ما جادت غواديها


تقدم بخنجر ذو حدين مسموم، سمه شهراً حتى أصبح الخنجر أزرق من كثرة السم، ثم ضرب عمر أمير المؤمنين، حصن الإسلام، العادل الكبير، الزاهد النحرير، الذي ما عرف إلا قيام الليل والوقوف مع المسكين والفقير والأرملة، ضربه ثلاث طعنات ليهدم ركن الإسلام، فسقط عمر رضي الله عنه وأرضاه، ووقع على وجهه على الأرض وهو يقول: [[حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ]] ثم التفت وقدم أحد المسلمين، فلما صلوا وقد أغمي عليه وأغشي من كثرة الدم قال: من قتلني؟ قالوا: أبو لؤلؤة قال: [[الحمد لله الذي جعل شهادتي على يد رجل ما سجد لله سجدة ]] ثم رفعوه على أكتافهم.

يقول أنس: [[ظننا أن القيامة قامت يوم أن مات عمر ]] ويقول علي : [[والله الذي لا إله إلا هو، لقد كفنت سعادة الإسلام في أكفان عمر ]] ووضعوه في البيت، فلما أرادوا أن يضعوا رأسه وهو مطعون، يعالج السكرات، وضعوا له مخدة -وسادة- تحت رأسه، قال: انزعوها من تحت رأسي، ضعوا رأسي على التراب علَّ الله أن يرحمني، فأخذ يمرغ وجهه في التراب ويبكي، فدخل عليه علي رضي الله عنه وأرضاه فقال: [[يا أمير المؤمنين! طوبى لك وهنيئاً لك، والله لطالما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر ، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر ، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر ، فأسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك ]] فقال عمر : [[يا ليتني نجوت كفافاً، لا لي ولا عليّ ]] يقول: يا ليتني أخرج من الحساب يوم القيامة لا حسنات ولا سيئات سبحان الله! وهم المجاهدون الصادقون الزهاد العباد فماذا فعلنا نحن؟!



أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر




بماذا نلقى الله يوم القيامة، ونحن -والله- قد أسأنا الأدب مع الله كل الإساءة، هل داومنا على الصلوات الخمس في المسجد؟

هل دعونا جيراننا إلى المساجد صباح مساء؟

هل والينا في الله وأبغضنا في الله؟

هل أخذنا على يد الفاجر السفيه الذي يريد أن يردينا في النار؟

ثم إننا نرى الباطل ونؤيد عليه إلا من رحم الله، وأنا أتكلم بهذا لأننا قبائل نعرف المآسي التي يعيشها كثير من القبائل، يرون الباطل ولا يقومون في وجهه، ويرون حدود الله ومحارمه تنـتهك ولا يغضبون، ثم ندعو الله أن ينزل علينا القطر، ونقول: نحن نحب الله، ما هي أعمالنا؟

السفيه يؤيد، والفاجر يسدد؛ لا يجد صاحب الحق من يعضده ويقوم معه.

يقول سبحانه وتعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79] إي والله لبئس ما كانوا يفعلون، يرون الفاجر ويسكتون، والمعصية ولا يتكلمون، ولا تتمعر وجوههم، أحدهم لو أُخذ شيء من ماله، أو تكُلِّم على ولده، أو على عرضه، أو سب قامت الدنيا وقعدت، وأخذ السلاح وقاتل، لكن أن تنتهك حدود الله فلا يغضب أحد، المساجد تهجر، الأغاني الماجنة تنتشر، الحجاب يترك، والسفور يوضع ويوقع، والمرأة لا تتقي الله عز وجل في البيوت إلا من رحم الله.

سبحان الله! الربا يتعامل به، الرشوة موجودة، ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الغيبة في المجالس، الاستهزاء والاستهتار بالصالحين، ونقول: الله يرحمنا، ونحن على خير إذا اتقينا الله عز وجل.

الله سبحانه وتعالى أرسل جبريل عليه السلام قال: إن أهل تلك القرية عصوني، وتمردوا على حدودي، وأكلوا نعمي، واجترءوا على حرماتي فخذهم، وجبريل له ستمائة جناح، الجناح الواحد يكفي لنقل قرى الجنوب كلها نقلة واحدة، قرى قوم لوط -الأربع كان عددهم ستمائة ألف كما يقول المؤرخون- أرسل الله إليهم جبريل قال: خذهم، فقد عمت فيهم الفاحشة، كانوا يفعلون كل منكر في ناديهم، وعندهم الفجور واللواط والزنا والفحش، والمحارشة والمحاسدة الأيمان والغموس، والتبجح وظلم الناس، والفجور والكذب، فلا تجد أحداً يقول: اتقوا الله، فغضب الله، والله يمهل لكنه إذا غضبت فإنه لا يفلت أحداً كما قيل: إن الله يقول في الحديث القدسي: {إني إذا رضيت باركت وليس لبركتي نهاية، وإذا غضب لعنت وإن لعنتي تبلغ السابع من الولد } نعوذ بالله من لعنة الله، ونعوذ بالله من غضب الله، ونعوذ بالله من قلوب لا تتقي الله، فأرسل جبريل وقال: خذهم -وعند جبريل كما في الصحيح ستمائة جناح- فما استعمل إلا جناحاً واحداً، اقتلع القرى من جذورها بجبالها وأوديتها وأشجارها وأنهارها حتى رفعهم إلى قرب السماء الدنيا، فسمعت ملائكة السماء -كما في الحديث- نباح كلابهم وصياح ديكتهم، ثم لطمهم بالأرض، وما كفى، بل أرسل الله عليهم حجارة من طين كما قال سبحانه: مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ [الذاريات:34] كل حجر عليه اسم مجرم تأتي وتقع في رأسه وتخرج من دبره.

الله عز وجل غضب على قرية من القرى ما أمرت بالمعروف ولا تناصحت فقال لجبريل: خذهم، فنـزل جبريل عليه السلام فمر فوجد مصلياً صائماً يصلي في صومعته، فعاد إلى الله قال: يا رب! هناك عبد يصلي ويذكرك ويسبحك ويدعوك، قال: يا جبريل! به فابدأ قال: يا رب! ولم؟ قال: إنه يرى المنكر ولم يتمعر وجهه غضباً لي.

الله عز وجل يغضب من العبد لأنه لا يغضب لمحارمه، نغضب لمحارمنا ولا نغضب لمحارم الله! نغضب لأنفسنا ولا نغضب لله! أي قلوب هذه التي نملكها! فلما فعل بنو إسرائيل ذلك عمهم الله بالعذاب، وقست قلوبهم فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13].......


اعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة




......




_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:00

فرعون لم يعرف الله في الرخاء



فرعون الطاغية الخبيث عليه لعنة الله، وقف يقول لأهل مصر كما قال الله: وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:51] فجعل الله الأنهار تجري من فوق رأسه، أغرقه الله في البحر، فلما أدركه الغرق قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ [يونس:90] ما شاء الله! الآن آمنت وأسلمت، لقد ملأت الدنيا أعمالاً سيئة، ولطخت يديك بالدماء وضحكت على التاريخ، ودستَ القيم، والآن لما أصبحت في هذا المكان الضيق قلت: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ [يونس:90] مثلما يفعل كثير من الناس، تجده وقت الرخاء يتبجح على الله، ويتعدى حدوده، وينتهك حرماته، وكثيراً ما تجد بعض الشباب لا يلقي بالاً للمسجد ولا للقرآن ولا للدعوة ولا للذكر ولا يخاف الله، كلما خطر له شيء ركب رأسه؛ فإذا كسر ظهره وأصبح على السرير الأبيض في المستشفى عاد إلى الله، أين أنت وقت الرخاء. أفي وقت الشدة تعود؟! فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65].

يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه


كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه


ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه


ونركب الجو في أمن وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ الله


فلما بلغ فرعون هذا الموضع قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] وهذا كذاب، ولو كان صادقاً لآمن وقت الرخاء، قال سبحانه وتعالى: آلْآنَ [يونس:91] ما عرفت الله إلا اليوم آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس:91-92] ولذلك رماه البحر، فأخرج جثته، وما زالت جثته إلى اليوم في أحد المتاحف هناك، فلا تأكله الأرض، ليكون عبرة لكل من ينظر، لكن الذي يحفظ الله في الرخاء يحفظه الله

في الشدة، إذا ضاقت عليك الضوائق وأتت عليك المصائب وكنت في الرخاء تذكر الله وتقوم بحدود الله؛ ينجيك الله ويجعل لك مخرجاً.

فامسك يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان



يونس عليه السلام عرف الله في الرخاء



يونس عليه السلام أحد الأنبياء كان يحفظ الله في الرخاء، كان مصلياً، صائماً للنهار، قائماً لليل، ذاكراً لله، غضب على قومه فخرج منهم وما استأذن الله، والواجب أن يستأذن ربه، لكن قومه عاندوه، يقول لهم: هذا الطريق المستقيم، فيقولون له: لا.

فلما ركب السفينة في البحر، أخذت الريح تلعب بالسفينة، فقال ربان السفينة: معنا رجل مذنب ولا يمكن أن تهدأ الريح حتى تنزلوا هذا الرجل من السفينة -حتى قواد السفن والطائرات يعرفون أنه لا يأتي الخلل إلا من ذنوب وخطايا، فقالوا: استهموا -قرعة- فوقعت القرعة في يونس عليه السلام، فأقرعوا ثانية فوقعت فيه، فأقرعوا ثالثة فوقعت فيه، فأخذوه بيديه وبأرجله وأوقعوه في البحر في الليل.

سبحان الله! لا قريب ولا أهل ولا زوجة ولا ولد، رموه هكذا في وسط البحر وسط الليل المظلم، وليته بقي على خشبة أو بقي يسبح لكن ابتلعه الحوت، ما وقع في البحر إلا والحوت فاغر فاه فأطبق عليه، فأصبح في ظلمات ثلاث؛ ظلمة الليل وظلمة اليم وظلمة بطن الحوت.

فمن يتذكر؟ هل يتصل بأهله، هل يكلم أخاه أو قومه؟ لا. قال: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] رد إلهامه إلى الله.

ونادِ إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذو النون بن متى


وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا


فلما قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، قذفه الحوت في الشاطئ، وأنجاه الله الذي يقول للشيء كن فيكون؛ لأنه حفظ الله في الرخاء.

يذكر ابن القيم في كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي قصة لرجل من الصالحين كان يصوم النهار ويقوم الليل، والصلاح ليس بكلمة تقال، أو خطبة جمعة يخطبها الإنسان، فإذا خرج فإذا هو من أظلم الناس وأفجرهم، وإذا هو قاطع رحم، أو عاقٌ لوالديه، يفجر، ويحلف اليمين الغموس، وهذا ليس بصلاح، الصلاح عمل وخوف من الحي القيوم.

فهذا الرجل الصالح كان يشتغل بالتجارة، وكان كثير الذكر والتلاوة والصيام والعبادة، فخرج ببغلات له يشتغل فيها على التجارة، فمر به مجرم فقال: يا فلان! أوصلني إلى ذلك المكان فقال: اركب معي، فركب معه، فلما أصبحوا في غابة لا يراهم إلا الله، أخرج المجرم خنجراً، وقال لهذا الرجل الصالح: ادفع ما عندك من مال فوالله لأقتلنك.

قال الرجل الصالح: أسألك بالله الذي قامت به السماوات والأرض أن تأخذ ما عندي من مال وما عندي من تجارة وتتركني، أنا عندي أبناء وأمهم ولا يعولهم بعد الله إلا أنا.

قال: والله الذي لا إله إلا هو لأقتلنك.

قال: فأسألك بمن قامت به السماوات والأرض أن تتركني لأصلي ركعتين قال: صلِّ ركعتين واستعجل، فقام فتوضأ وقام ليصلي قال: فلما كبرت نسيت كل آية في القرآن من الخوف والله ما ذكرت إلا قوله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] من يجيب المضطر إلا الله! من يكشف السوء إلا الله! من يشافي المريض إلا الله! من يجبر الكسير إلا الله!

قال: فقلت في نفسي: يا من يجيب المضطر إذا دعاه أجبني! يا من يجيب المضطر إذا دعاه أجبني! يا من يجيب المضطر إذا دعاه أجبني!

قال: والله ما انتهيت من الدعاء إلا وفارس أقبل على فرس من آخر الوادي، ومعه رمح فأرسل رمحه فوقع في لبة هذا الرجل فإذا هو مقتول على قفاه.

فقال: أسألك بالله من أنت؟

قال: أنا رسول من يجيب المضطر إذا دعاه.

لما دعوت الدعوة الأولى كنت في السماء السابعة، ولما دعوت الدعوة الثانية كنت في الرابعة، ولما دعوت الثالثة أتيت إلى الأرض لأقتل هذا المجرم.

وهذا من كرامات الأولياء عند أهل السنة والجماعة .

نعم من يحفظ الله في الرخاء يحفظه في الشدة. يقول عليه الصلاة والسلام لـابن عباس : {احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف }.

هذه -يا عباد الله- قضايا لا بد أن تفهم لكل مسلم، إن من لا يحفظ الله لا يحفظه الله.

[color=red]التوبة وعواقبها الحميدة





ومن القضايا التي أريد أن أذكر بها نفسي وإياكم: قضية التوبة؛ أن نتوب إلى الله ونستغفره ليلاً ونهاراً، فقد أخطأنا كثيراً، وأسأنا وتعدينا كثيراً، وليس لنا إلا التوبة: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] والله سبحانه وتعالى يقول: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136].......



قصة الرجل الذي أوصى أن يُحرق بعد موته



يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين : {كان فيمن كان قبلكم رجل أسرف على نفسه في الخطايا، فلما حضرته الوفاة قال لأبنائه: إذا مت فأحرقوني بالنار، ثم اسحقوني ثم ذروني فوالله لو قدر الله عليَّ لعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين -سبحان الله! ظن أنه يفوت على الله- فلما مات أحرقوه بالنار وسحقوه وذروه، وأخذته الريح في كل مكان، فجمعه الذي أنشأه أول مرة، وأحياه سبحانه وتعالى الذي يقول للشيء: كن فيكون، فلما أصبح أمامه رجلاً قال: يا عبدي ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب! خفتك وخشيت ذنوبي قال الله: يا ملائكتي! أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة }.



قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً



هذا تائب أقبل على الله عز وجل وتاب فغفر الله له ذنوبه، فأوصيكم ونفسي بالتوبة والاستغفار، ومراجعة الحساب معه سبحانه وتعالى والرجوع إليه.

في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: {أن رجلاً قتل تسعة وتسعين نفساً فأتى إلى رجل عابد قال: هل لي من توبة؟ قال: لا. ليس لك توبة } سبحان الله! من يغلق باب التوبة عليك! باب فتحه الله عز وجل كيف يغلقه هذا العبد؟!

إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار


وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار


قال: {ليس لك توبة، فقتله فوفى به المائة، وذهب إلى عالم قال: هل لي من توبة؟ قال: نعم. ومن يغلق عليك باب التوبة، وباب التوبة فتحه الله حتى تطلع الشمس من مغربها، فتاب إلى الله، قال: إني أرشدك أن تخرج من قريتك التي أنت فيها؛ لأنها قرية سوء -بعض القرى سيئة، أهلها ظلمة لا يعينونك على طاعة الله- فخرج من القرية، ولما أصبح في منتصف الطريق مات فنـزلت ملائكة العذاب وملائكة الرحمة واختصموا فيه، ملائكة الرحمة يقولون: خرج منيباً إلى الله فجزاؤه أن يدخل الجنة، وملائكة العذاب يقولون: مات وما عمل لله عملاً صالحاً، فجزاؤه النار، فأوحى الله إليهم أن قيسوا ما بين المسافتين، فإن كان أقرب إلى القرية التي خرج إليها فهو من أهل الجنة، وإن كان أقرب من القرية التي خرج منها فهو من أهل النار، فأتوا يقيسون بالأشبار فأوحى الله إلى تلك القرية أن تقربي وإلى تلك القرية أن تباعدي، فكان أقرب إلى تلك القرية الصالحة فكان من أهل الجنة } فيا الله! من لهذا العبد الضعيف المذنب يوم لا يجد راحماً إلا الله، عطاء الله ممنوح، وبابه مفتوح، ونواله يغدو ويروح.



قصة المرأة التي زنت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم



أتت امرأة إليه صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح- فأخبرته أنها زنت، وأنها أسرفت على نفسها، فأشاح صلى الله عليه وسلم بوجهه لا يريد أن تعترف، لأنه يقول: {ادرءوا الحدود بالشبهات } يريد أن يستر على هذه المرأة، فأتته من الجهة الأخرى فاعترفت، فأشاح حتى اعترفت أربع مرات، وهي تطلب أن يطهرها عليه الصلاة والسلام، وهي ثيب، وحد الثيب أن ترجم بالحجارة حتى تموت، لكن قدمت نفسها رخيصة في سبيل الله.

فقال لها صلى الله عليه وسلم: {عودي حتى تضعيه } فعادت حتى وضعت ولدها وأتت به في لفائف، فرآه صلى الله عليه وسلم فقال: {عودي حتى ترضعيه } فأرضعته سنتين، ثم جاءت به وفي يده كسرة خبز، جاءت صابرة محتسبة تريد الله والدار الآخرة؛ فأُخذ ولدها ثم أخذوها وذهبوا يرجمونها بالحجارة وهي صابرة محتسبة، فلما رجموها طاش شيء من دمها على أحد الصحابة فسبها فقال عليه الصلاة والسلام وقد سمعه: {والذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها سبعون رجلاً من أهل المدينة لوسعتهم } وفي لفظ: {والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها أهل المدينة لوسعتهم، والذي نفسي بيده إني لأراها تنغمس في أنهار الجنة } هذا هو ربنا التواب الرحيم سبحانه وتعالى.



أخذ العبرة من الموت وما بعده




تنبهوا يا رقود إلى متى ذا الجمود


فهذه الدار تبلى وما عليها يبيد


الخير فيها قليل والشر فيها عتيد


والعمر ينقص فيها والسيئات تزيد


فاستكثر الزاد فيها إن الطريق بعيد


أمامك حفرة مظلمة لكنها للمتقين روضة من رياض الجنة، أمامك قبر تردى فيه الملوك والرؤساء والأمراء والوزراء والتجار.

أبني أبينا نحن أهل منازل أبداً غراب البين فيها ينعق


نبكي على الدنيا وما من معشر جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا


صمٌ إذا نودوا كأن لم يعلموا أن الكلام لهم حلال مطلق


مر مجدد القرن الأول الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، يوم العيد، وقد كان خليفة المسلمين من طاشقند في الشمال إلى جنوب أفريقيا ، ومن مشارق سيبيريا إلى الأندلس إلى شرق نهر السند كلها يملكها رضي الله عنه وأرضاه، فنـزل يوم العيد فرأى المقابر؛ فبكى حتى جلس، فقال: [[يا أيتها المقابر! كم فيك من حبيب! كم فيك من قريب! ما كأنهم أكلوا مع من أكل، وما كأنهم شربوا مع من شرب، ما كأنهم ضحكوا مع من ضحك ]] ثم قال: [[يا موت! ماذا فعلت بالأحبة؟ ثم بكى وأجاب نفسه بنفسه وقال: أتدرون ما يقول الموت؟ قالوا: لا. قال: يقول: أكلت الحدقتين، وفقأت العينين، وفصلت الكفين عن الساعدين، والساعدين عن العضدين، والعضدين عن الكفين، والقدمين عن الساقين، والساقين عن الركبتين ]].

إن كنت تريد الخلود -أيها المسلم- والسعادة والرضا فاعمل للجنة:

اعمل لدار غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها


قصورها ذهب والمسك تربتها والزعفران حشيش نابت فيها


أما هذه الدار فمنذ خلقها الله وهي منغصة ليس فيها راحة، إذا ارتحت فيها مات ولدك، وإذا نسيت مصيبته مرض الآخر، وإذا نسيت ألمه مرضت زوجتك، وإذا تشافت مرض جسمك، مكدرة منغصة كتب الله عليها التكدير، فضح الموت الدنيا فلم يدع لذي لب فرحاً.



_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:00

فيا أهل العقول! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأوصيكم أن تقوموا في سبيل الله عزَّ وجلَّ دعاة خير، وأن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر؛ ليرضى الله عنكم ظاهراً وباطناً؛ وليسعدكم في الدنيا والآخرة؛ وليكون الله معكم أينما كنتم وأينما صرتم، أيدوا كلمة الحق وقوموا مع المحق، ولا ترضوا بالباطل وقوموا في وجهه، حينها يرضى الله عنا وعنكم.

نسأله سبحانه لنا ولكم التوفيق والهداية، والسداد والرشد.

اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق؛ أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا.

اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين!

وإن كان من شكر فإني أشكر الله تعالى ثم أشكركم على حضوركم وإنصاتكم، وأشكر المركز الصيفي بمدرسة اليرموك على دعوته الموقرة، وعلى نشاطه الخير، وعلى بذله في الخير، وأشكر الأساتذة القائمين فيه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.......


[color=red]الأسئلة




......



حق الجار



السؤال: تحصل بين بعض المسلمين خلافات ومشاكل يترتب عليها الجفاء بين الجيران، والقطيعة، وعقوق وأذية للجار، والتكبر وغير ذلك، ويستمر ذلك لسنتين، فما هو توجيهكم نحو هذه الأمور؟

الجواب: المشاكل التي يشكو منها الناس، والذنوب والمعاصي والخطايا التي في المجتمع، لا يحصيها إلا الله.

تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد


كل مسألة ذكرت -أيها الأخ الفاضل- تحتاج إلى محاضرة بل محاضرات ومجلدات وندوات؛ لأننا أصبحنا مثخنين بالجراح من الذنوب والخطايا، قطيعة الرحم، عقوق الوالدين، أذية الجار، السوء إلى المسلمين، انتشار الأغاني الماجنات، المخدرات، التبرج منتشر عند الناس إلا من رحم الله، ضياع الأوقات، تفلت الشباب، ضياع السنة، عدم تدبر القرآن، عدم تذكر الله، الأيمان الغموس، الظلم، الحسد، الحقد، كلها ذنوب وخطايا نشكو حالنا إلى الله.

يعني: أصبح مثل المريض الذي في كل جسم منه جرح.

ومن يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام


وأما ما ذكرت؛ فالجار من أعظم ما يتساهل به خاصة في القرى، والمدن أحسن حالاً في الجيران، لأنك غريب مع غرباء فتريد أن تصلح الحال، أما القرى فمن يوم خلقنا الله ونحن نعرف جيراننا يميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً، فأصبح بينهم القطيعة إلا من رحم الله، تجد الجار يؤذي جاره لا يأمنه، ومن نكد الحياة أن يكون لك جار سوء.

في الحديث: أن رجلاً أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله! أشكو إليك أذية جاري، قال: ماذا فعل؟ قال: إن غبت ما أمنته وإن حضرت آذاني، وهتك عرضي، وأخذ مالي، وظلمني.

قال عليه الصلاة والسلام: اصبر لجارك علَّ الله أن يهديه، فذهب وصبر قليلاً، لكنه ما اهتدى، فعاد يشكو إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: خذ متاعك وزوجتك وأولادك وانزل في سكة من سكك المدينة ، فأخذ زوجته وأثاثه على ظهره، ونزل وجلس في السكة، فأصبح الناس يسرحون عليه ويروحون ويغدون فيقولون: ما لك يا فلان؟ قال: آذاني جاري حتى أخرجني قالوا: لعنه الله، فيصبح من مرَّ عليه يقول: ما لك يا فلان؟ قال: آذاني جاري، قالوا: لعنه الله، ويمشي الماشي وقال: ما لك؟ قال: آذاني جاري قال: لعنه الله، فسمع بالخبر جاره، فأتى إليه وقال: أتوب إلى الله، والله لا أوذيك، عد إلى دارك.

ولذلك يبلغ الحد ببعض الناس إلى أنه لا يذكر الله عز وجل تماماً ولا يقوم بحق الجار.

وقد كان الجاهليون من ضمن ما يتمادحون به حفظ حقوق الجار، حتى يقول عنترة :

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها


يقول: من كرم نفسي وشهامتي ومروءتي إذا بدت جارتي؛ غضضت طرفي حتى تدخل البيت، وهو ليس عنده كتاب ولا سنة ولا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، بل هو جاهلي وثني.

ولذلك وجد في الإسلام من أهل حفظ الجار أناس كثير، أذكر على سبيل المثال: أبو حنيفة ، عالم المسلمين، كان من أعبد عباد الله وأزهدهم، كان له جار يؤذيه.

كان أبو حنيفة يأتي بعد صلاة العشاء يريد أن يسبح الله، ويصلي ويبكي ويدعو ويقرأ القرآن، لكن هذا الجار عزوبي ليس عنده إلا طبل يضرب عليه ويرقص ويقول:

أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر


فكان أبو حنيفة لا يستطيع أن ينام ولا يستطيع أن يقرأ، ولا أن يصلي، فيصبر ويحتسب، وفي ليلة من الليالي الطويلة ما سمع أبو حنيفة الصوت، انتظر هل يسمع صوتاً، ما سمع الرقص ولا سمع ضرب الطبل ولا سمع الدربكة، فعجب! طرق على باب الدار فما أجابه أحد، سأل الجيران: أين فلان؟

قالوا: أخذته شرطة السلطان، قال: سبحان الله! جاري يأخذونه ولا يخبرونني! ثم ذهب في الليل فركب بغلته ولبس ثيابه، فاستأذن على السلطان وسط الليل.

قال الجنود للسلطان: أبو حنيفة إمام الدنيا يريد مقابلتك، فقام السلطان من نومه والتقى به عند الباب يعانقه، قال له: يا أبا حنيفة لماذا ما أرسلت إلينا؟ نحن نأتيك لا أن تأتينا، قال: كيف أخذتم جاري وما أخبرتموني به؟

قالوا: إنه فعل وفعل وفعل، قال: ردوا عليّ جاري، قالوا: لو طلبت الدنيا لأعطيناك الدنيا، فركب جاره معه على البغلة وأخذ جاره يبكي. قال أبو حنيفة : ما لك؟ قال: آذيتك كل هذه الأيام والأعوام والسنوات وما تركتك تنام ولا تصلي ولا تقرأ، ولما فقدتني ليلة أتيت تتشفع فيّ، أشهد الله ثم أشهدك أنني تائب إلى الله.

لقد كانوا يدعون الناس بأخلاقهم وبتعاملهم.

سكن يهودي بجانب عبد الله بن المبارك أحد العلماء الصالحين، وكان عبد الله بن المبارك إذا اشترى لحماً من السوق بدأ بأولاد الجار اليهودي، نحن لا نقول: نبدأ بأبناء اليهود لكن بأبناء المسلمين، ونحن لا نقول: اأعطوا الناس لحماً واكسوا أبناء الناس، لكن نكف أذانا فقط، نعم.

مكانك تحمدي أو تستريحي


فـعبد الله بن المبارك كان إذا اشترى لحماً أعطى أولاد جيرانه، وإذا كساهم كسا أبناء جيرانه، وإذا أخذ فاكهة بدأهم، فأتى أناس من التجار يشترون دار اليهودي فقال: داري ثمنها ألفي درهم، الألف الأولى قيمة الدار وأما الألف الثانية فقيمة الجوار -جوار عبد الله بن المبارك - فسمع عبد الله بن المبارك ذلك وقال: والله لا تبيعها، هذه ألف درهم ثمن جوار عبد الله بن المبارك وابق جاراً لي، ثم قال عبد الله بن المبارك : اللهم اهده إلى الإسلام، فما أصبح في اليوم الثاني إلا وقد أسلم لله رب العالمين.

فمسألة الجار لا بد أن ينتبه لها، يقول عليه الصلاة والسلام: {ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه }.



حكم اغتصاب الأراضي وشهادة الزور



السؤال: ما حكم من يسعى لامتلاك أرض ظلماً، ويسعى بعض معارفه إلى أن يشهد له في هذه الأرض؟

الجواب: الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {من ظلم من الأرض قيد شبر طوقه الله من سبع أرضين يوم القيامة } واليمين الغموس ما سميت غموساً إلا لأنها تغمس صاحبها في نار جهنم، ومن اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان، لا يكلمه الله ولا يزكيه ولا ينظر إليه وله عذاب أليم.

واقتطاع الأراضي وجد كثيراً باليمين وبالحلف وهو لا يدري أصل هذه الأرض ولا بمستنداتها ولا بصكوكها، وإنما يحلف زوراً وبهتاناً وحمية فقط، وهذا حسابه عند الله عزَّ وجلَّ، يوم يجمع الله الأولين والآخرين، والأرض أرض الله، والمال مال الله، والعباد عباد الله، والله هو الحاكم يوم القيامة الذي يحكم بين الخصمين، لا يتدخل في الحكومة أحد من الناس، فمن فعل ذلك فقد شهد شهادة الزور، والله سبحانه وتعالى يقول: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً [الفرقان:72].

يقول عليه الصلاة والسلام: {ألا أدلكم على أكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً ثم جلس وقال: ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت } أظلم الظلم وأعدى العدوان شهادة الزور، وهي التي تمحق البركة، وبها يطبع على القلوب، ويجفف الله بركة الوديان سبحانه وتعالى، وينـزعها من وديانهم ومن أماكنهم، وقد نبه القرآن والعلماء على هذه كثيراً، وكثير منكم يعرف هذا والحمد الله.



نصيحة إلى شاب يريد العودة إلى الله



السؤال: شاب يريد التوبة والعودة إلى الله سبحانه وتعالى فما نصيحتكم إليه؟

الجواب: حياك الله أيها الشاب، والله قد بسط لك يده وفتح لك باب التوبة، وأنت من أحب الناس إلى الله عز وجل فلا يتعاظمك الذنب، فإن الله يقول كما في الحديث القدسي الحسن: {يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم! لو جئتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة } والله عز وجل يقول في الحديث القدسي: {يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم } فهنيئاً لك لمَّا عدت إلى الله، وهنيئاً لك لما أفقت، وهنيئاً لك لما راجعت حسابك مع الله قبل أن يأخذك الله أخذ عزيز مقتدر، فأوصيك:

أولاً: بالمحافظة على الصلوات الخمس، وأن تكثر من الدعاء إلى علام الغيوب في أدبار الصلوات، وإذا سجدت أن تدعوه بما دعاه به يونس بن متى عليه الصلاة والسلام، وأن تطرق باب الله ليفتح لك مع المفتوح لهم.

ثانياً: أوصيك بكتاب الله أن تتدبره، وأن يكون سميرك وأنيسك وصاحبك وحبيبك، فتقرأ منه يومياً ما فتح الله به عليك.

ثالثاً: أن ترافق رفقة صالحة طيبة يريدون الله والدار الآخرة، وأن تبتعد عن رفقة السوء.

رابعاً: أن تترك كل المعاصي التي كانت تقربك من غضب الله ومقته وسخطه، كاستماع الأغنية الماجنة، واجعل مكانها الشريط الإسلامي؛ شريط القرآن والمحاضرات والندوات والدروس والعبر والعظات، وكذلك أن تتقي الله في عينك فلا تنظر إلا في الحلال، واعلم أن الله سيحاسبك على جوارحك واحدة واحدة.

خامساً: أن تحفظ وقتك مع الله، وأن تقضي الوقت في المطالعة والقراءة وزيارة الصالحين؛ ليرضى الله عنك في الدنيا والآخرة وهذا هو المكسب العظيم.

خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريباً


فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليباً




حكم الصلاة خلف إمام يشرب الشيشة



السؤال: إمام المسجد إمام راتب يشرب الشيشة فهل يصح أن يؤم الناس؟

الجواب: إن عينه السلطان -يعني: معين من الأوقاف- وهو إمام راتب فيصلى وراءه وذنبه عليه: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164] وحسابه على الله عز وجل.

وإن كان هذا الإمام متبرعاً أراد أن يصلي بدون أن يكون هو الإمام الراتب وليس مسئولاً، فلا يقدم على الناس لأنه فاسق، وهو يشرب هذه المحرمات، فهو فاسق عند أهل السنة والجماعة ؛ لأن من يتعدى حدود الله عز وجل فهو فاسق، فإن كان متبرعاً فلا يقدم، وإن كان من الأوقاف فيقدم ويصلى وراءه وحسابه على الله.

يقول أهل العلم: ابن آدم يأتي من بطن أمه وهو ماسك يديه، قالوا: ذلك علامة لحرصه وجشعه وحسده وحب التملك، وحب التملك فطرة في الإنسان؛ حتى الطفل أول ما يتحرك يبدأ بأخذ الأشياء، يأخذ القلم، يأخذ الساعة، يتشبث، يبكي على اللعب، يبكي على المأكولات والمشروبات وذلك من حب التملك، وكلما شاب الإنسان وكبر سنه كبر حب التملك عنده، حتى تجد الإنسان في عمر الستين كأنه سيعيش مائتين أو ثلاثمائة سنة، لا يتكلم إلا في العمارات والقصور والأبناء، وهذا توظف، وهذا أرسل لي راتبه، وهذا سوف أسكن معه، كأنه يعيش ولا يفكر في القبر إلا من رحم ربك، ومن أكبر الخطايا التي عصي الله بها في الأرض خطيئة حب الدنيا، حتى أن البعض يقول: هابيل قتل قابيل بسبب حب الدنيا والجشع عليها، واعلم أن من استولى عليه حب الدنيا فقد عبدها من دون الله، اتخذها إلهاً يعبد من دون الله عز وجل، قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16].

تجرد من الدنيا فإنك إنما أتيت إلى الدنيا وأنت مجرد


وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:01

لقاء الأحبة مع المشائخ

إنه ينبغي على علماء الدين أن يكونوا لقاءات ولقاءات، يتدارسون فيها هموم الأمة، ومشاكل الدعاة والعلماء، ويطرحون الحلول المناسبة للأمة والمجتمع، ولذلك فإن اللقاء خير مثال يدل على اهتمام علماء الدين بأمتهم ومجتمعهم، وكذلك شعراؤهم الذين يصورون المواقف، وينزلونها على مسامع الناس فيجدون لها التأثير الكبير، والحماس الشديد.

ترحيب بالشيخ ابن باز




الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين وعلى آله وصحبه والتابعين، صاحب السماحة والدنا وشيخنا وحبيبنا الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، أصحاب الفضيلة العلماء! أيها الإخوة الفضلاء والحضور النبلاء! أحييكم بتحية الإسلام وتحية دار السلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.......



قصيدة ترحيبية بالشيخ ابن باز للشيخ عائض القرني



فقد نويت أن يكون أول ضيف يطأ بساط بيتي ويرد منزلي سماحة العالم الرباني ومحبيه {وإنما لكل امرئ ما نوى } والحمد لله ما أمسى أحد اليوم خيراً منَّا ضيفاً، من مثلنا وجد ضيفاً كهذا الضيف، المسيرة الربانية، والمرجعية العلمية، والعطاء المبارك، والعمر المجيد كلها نستقبلها هذه الليلة ونستضيفها.

ألا مرحباًٍ بشيخنا ومرافقيه، ووالدنا وأبنائه، وعالمنا وطلابه من الوسطى والشرقية والغربية والشمالية والجنوبية .

ويا سماحة الوالد! نظمت أبياتاً بعنوان: شيخ ومنهج، أستأذنكم في إلقائها:

أعلامة الإسلام بيتي تهللا وقلبي رعاك الله بالحب قد تلا


أحييك يا كل السماحة مثلما تحيي الربى غيثاً مغيثاً مجللا


وأرتاح أن ألقاك في كل مجلس لقاؤك فوزٌ صار فينا معجلا


نهنيك بالإسلام دين محمدٍ نعم ونهني الدين فيك ممثلا


هو الحق حتى تفضل العين أختها وحتى يكون الفضل في الشيخ أفضلا


روينا المعالي في رحابك غضة لها سند يتلوه بالصدق من تلا


تركت السرى خلفي لمن ضاع عمره ويمَّمت قلبي في دروسك فانجلى


فسبحان من يهدي القلوب لنوره وسبحان من يعطي الهداية من علا


على سنة موروثة من نبينا تناقلها الأخيار شرعاً مكملا


فليلتنا هذي يفوح عبيرها بأنفاسكم يا شيخ صارت قرنفلا


كتبت بها تاريخ بيتٍ سكنته جميلٍ ولكن في وصولك أجملا


فحياك رب العالمين تحيةً ترددها الأجيال ذكراً مرتلا


فسار بها من لا يسير مشمراً ويعدو بها خيل الكرام محجلا


وأهلاً وسهلاً بالمشايخ كلما أعيدت على الأيام أهلاً ومسهلا


رفعنا بكم صرحاً لسنة أحمدٍِ عليها نلاقي الله إن شاء كُمَّلا


على منهج الأخيار مثل ابن حنبل ومثل تقي الدين من عاش مبتلى


وما نحن إلا للمجدد نصرة قصدت به من شعَّ في نجد مشعلا


تركنا لـجهم في الطريق جهنماً وجعد مع الأرذال يبقى مُكبَّلا


ركلناك يا نهج الخوارج ركلةً يموت بها في المهد موتاً معجلا


برئنا إلى الرحمن من كل رافضٍ ولسنا من الإرجاء لا والذي علا


وننكر دين النصب لا درَّ درُّه ومن أنكر الأقدار منا تبهذلا


أئمتنا كـالشافعي ومالك و سفيان والنعمان صار مبجلا


ولسنا دعاة للضلالة والهوى معاذ إلهي فاسأل الأرض والملا


وسائل قلوب الناس واسأل عيونهم فأنتم شهود الله في الأرض عُدَّلا


نحارب أهل الجاهليات جهدنا وكل حداثيٍ ومن عاش أهبلا


وعالمنا عبد العزيز وشيخنا فديناه صار القلب للشيخ منزلا


وصلِّ إلهي ما همى الغيث أو سرى مع النجم برق أو إذا الرعد جلجلا


على المصطفى المختار والصحب كلهم وأتباعهم هم ناصرو الحق أولا


وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



كلمة للشيخ ابن باز عن التقوى




المقدم:

فمع الأبوة لشباب الصحوة، ومع القيادة العلمية لطلبة العلم، مع الإمام الوالد سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ، ونحن يا سماحة الوالد! لن نثني ولن نمدح فقد أثنت عليك أعمالك، ومدحك ليلك ونهارك، ولكن نستأذنك في إعلان الحب لكم حباً يملأ الجوانح ويسبح على العيون، ويلجُّ على الألسنة ثناءً ودعاءً، حباً من هذه القلوب التي أصافت، والأعين التي شخصت، حباً ووداداً وموالاة، والذي نسأل الله عز وجل أن يجعل هذا الحب من القربات التي تزلفنا عنده، وأن يجعل هذا الحب بجلاله جل وعلا مما يظلنا به تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

وإننا يا سماحة الوالد! ندعو لأنفسنا يوم ندعو الله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يبارك في عمركم وينسأ في أثركم، وأن يجعل بقية عمركم رفعة في الدرجات وزيادة في الحسنات، وأن يقر أعينكم بعز الإسلام وصلاح المسلمين وائتلاف قلوبهم وصلاح أمورهم، وأن يجزيكم عنا وعن المسلمين خير ما جزى عباده الصالحين.

أنتم الآن -أيها الإخوة- مع الكلام النوراني المنور بآي التنزيل المعطر بحديث سيد المرسلين، أنتم مع سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز فليتفضل مشكوراً مأجوراً.

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله إمام الدعاة إلى الله عز وجل، وقائد الغر المحجلين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعــد:

فقد سمعنا جميعاً هذه الآيات الكريمات التي تلاها أخونا، فأحب أن أتكلم عليها، وهي قوله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر:18-20].

ربنا عز وجل في كتابه العظيم، خاطب المؤمنين في آيات كثيرة يأمرهم بالتقوى، وينهاهم عما يغضبه سبحانه، وينهاهم عن الاغترار بالدنيا وعن الاغترار بالشيطان.......



مفهوم التقوى



يقول جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [الحشر:18] هذه الكلمة كبيرة جامعة تملأ الخير كله، فقد أمر بها سبحانه المؤمنين في هذه الآية وآيات كثيرات، وأمر بها -أيضاً- جميع الناس في قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء:1] الآية يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج:1] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان:33].

فالتقوى: جماع الخير، هي: عبادة الله وتوحيده وطاعته وفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه والوقوف عند حدوده، هذه هي التقوى والإيمان، وهي الهدى، والإسلام، والزهد.

فالتقوى: أن تتقي ربك بالعبادة وحده، والإخلاص له سبحانه في جميع العبادات، وأن تطيع أوامره وأن تنتهي عن نواهيه، والإيمان به، والرضا بما عنده، والحذر من عقابه، وأن تقف عند حدوده لا تتجاوزها ولا تتعداها: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا [البقرة:229] هذه هي التقوى، وهي العبادة التي خلقنا لها: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] وهي التي أمرنا بها في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] وغيرها من الآيات.

فالواجب على كل مكلف أن يتقي الله من رجال ونساء.. من جن وإنس.. من عرب وعجم.. من أغنياء وفقراء.. من حكام ومحكومين، الواجب على الجميع أن يتقوا الله؛ وذلك بعبادته وحده، والاستقامة على دينه، وفعل أوامره وترك نواهيه؛ عن محبة وإنابة، وعن صدق وإخلاص، وعن رغبة ورهبة، نرجو ثوابه ونخشى عقابه، هذا هو الواجب على جميع المكلفين من الجن والإنس.. من الرجال والنساء.. من الأغنياء والفقراء.. من العرب والعجم.

ثم يقول جل وعلا: وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:18] يعني: انظروا ماذا قدمتم للآخرة، وهذا من التقوى، الأب يحاسب نفسه وينظر ماذا قدم من التقوى، فالواجب على كل مكلف أن يحاسب نفسه وينظر ما قدم، ولا يغفل فإن الشيطان قد يزين له الغفلة، وهكذا دعاة الباطل، وهكذا حب الدنيا وشهواتها قد يلجئه إلى هذا الشيء.

فالواجب الحذر، والواجب أن يحاسب كل إنسان نفسه، وينظر ماذا قدم في عشيرته، فإن كان قدم عملاً صالحاً وتقوى فليحمد الله، وليسأل ربه الثبات، وإن كان قدم خلاف ذلك فليبادر إلى التوبة والإصلاح، والله يتوب على التائبين عز وجل.

(واتقوا الله) يكررها سبحانه لأهميتها والتأكيد عليها.

إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18] من ادعى التقوى فإنه لا يخفى على الله، لا بد أن تكون التقوى دعوى صادقة؛ قولاً وعملاً، وعقيدةً بالقلب والعمل، فإن الله يَخْبُرُ أعمالنا ولا تخفى عليه سبحانه وتعالى.



عا
قبة نسيان الله



ثم يحذرنا من نسيانه كما نسيه أعداؤه بترك طاعته وتوحيده فيقول سبحانه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ [الحشر:19] إذ أعرضوا عن الله وغفلوا عنه وعاملوه معاملة الناسي فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر:19] أي: فأنساهم مصالحها، وأنساهم أسباب نجاتها، وقصرت أعمالهم وشهودهم كلها فيما يضرهم ولا ينفعهم؛ لأن الله أنساهم أنفسهم فهم يعملون لهلاكهم ودمارهم أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر:19] وهم الذين خرجوا عن طاعة الله بأعمالهم الخبيثة.




_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:02

التشويق إلى الجنة



ثم يقول سبحانه مشوقاً للجنة ومحذراً من ضدها: لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ [الحشر:20] لا شك أنهما لا يستويان، لا يستوي أصحاب الجنة وأصحاب النعيم المقيم؛ الأنهار الجارية، والنعم الكثيرة، والراحة التامة في جوار الرب الكريم، والنظر لوجهه الكريم، لا يستوي هؤلاء مع أصحاب الجحيم؛ أصحاب الأغلال والزقوم، أصحاب الحميم والسموم، لا يستوي هؤلاء وهؤلاء، ولهذا قال سبحانه: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر:20] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، هم الفائزون في الحقيقة في الدنيا والآخرة.

فالواجب على المسلمين جميعاً في كل مكان حكاماً ومحكومين أن يتقوا الله، وأن يراقبوا الله في شعوبهم وفي جميع المسلمين؛ وذلك بإلزامهم بتقوى الله، وزجرهم عن محارم الله، وإيقافهم عند الحد الشرعي، هذا هو الواجب على جميع حكام المسلمين، وعلى كل قادر من مدير وقاضٍ ورئيس قبيلة إلى غير ذلك، الواجب على جميع المسلمين أن يتقوا الله، كما يجب على جميع المكلفين وإن كانوا من عامة الناس يجب على الجميع أن يتقوا الله، وأن يلزموا طاعته التي أوجب عليهم، ويحذروا معصيته، ويسألوه الثبات، ويحذروا أنفسهم، ولكن أرى من جميع الحكام والرؤساء عليهم أن يتقوا الله أكثر، وأن يلزموا شعوبهم ما أوجب الله عليهم من طاعته، ويحذروهم نقمته، ويراعوا ذلك ويراقبوه؛ بالطرق السديدة، وبالرجال الأمناء حتى يستقيم الأمر، وحتى يعبد الله وحده، وحتى يؤدى حقه، وحتى ينتهي الناس عن معصيته ومخالفة أمره.


منة الله على عباده بنشر الدين


وقد منَّ الله على الجزيرة العربية بدعوة قديمة، دعوة إسلامية، دعوة موافقة لما عليه أهل السنة والجماعة ؛ وهي دعوة شيخنا ومحدثنا محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فقد كانت هذه الجزيرة في جهل عظيم، وعبادة للقبور والأشجار والأحجار، وتحكيماًَ للقوانين ولعادات القبائل، فجاء الله بهذا الشيخ رحمه الله وهو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي رحمه الله، قرأ في نجد والحجاز والبصرة ، تعلم على جملة من المشايخ الأخيار، وهدى الله قلبه وسدد مساعيه حتى قام بالدعوة إلى الله عز وجل في هذه الجزيرة في حريمنة ثم في العيينة ثم في الجزيرة ثم في أبها ، ودعا إلى الله ونشر التوحيد، ودعا إلى هدم القباب، وهدم مشاهد الشرك وأعناق الشرك، ثم ساعده على ذلك الإمام محمد بن سعود رحمه الله مساعدة عظيمة، فهدى الله بهما الناس في هذه الجزيرة من الظلمات إلى النور، ورفع بهما هذا الجيل العظيم جيل الإسلام، وهدم الله بهما قواعد وأسس الشرك وعبادة غير الله سبحانه وتعالى، وحكَّما شريعة الله في عباد الله، وجاهدا في سبيل الله هما وأنصارهما، فكان هذا من رحمة الله لهذه الجزيرة ولغيرها.

فإن الدعوة انتشرت وخرجت عن الجزيرة إلى الهند والشام والعراق وأفريقيا ، ونقلها العلماء، ونفع الله بها العباد في أماكن كثيرة، فدعوا إلى الله ووجهوا الناس إلى الخير وإلى توحيد الله سبحانه وتعالى، ونفوا الشرك بالله فصارت دعوة عظيمة مباركة في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، رحم الله بها العباد، وأنقذهم الله بها من الشرك والظلم، وعبادة الأشخاص والأصنام والأوثان، إلى عبادة الله وحده سبحانه وتعالى.

ثم استمرت هذه الدولة وهؤلاء العلماء من ذرية الشيخ محمد وأنصاره من الدعاة من نجد وغيرها في الدعوة إلى الله، ومعهم آل سعود وأنصارهم في الدعوة إلى الله، وترغيب الناس في الخير، وإقامة دين الله، وإقامة حدود الله في أرض الله، وفي سبيل الله، من ذاك الوقت إلى يومنا هذا، وهذه من نعم الله العظيمة.

فالواجب الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، والدعاء للموجودين منهم بالتوفيق والهداية، ونسأل الله للموجودين التوفيق والهداية، وأن يبين لهم على المسلك الذي سلكه آباؤهم من آل الشيخ وآل سعود، نسأل الله أن يعينهم على إقامة الحق وفي ذلك الخوض، وأن يوفقهم لكل ما فيه الصلاح لعباده، وأن يعينهم على ذكره وفقهه وحسن عبادته، وأن يوفق علماءنا جميعاً في التعاون معهم في الدعوة إلى الله، ونشر دين الله، والصد على أعداء الله، فإن هذا هو الواجب على العلماء، الواجب على العلماء في هذه الجزيرة وفي كل مكان أن ينشروا دين الله، وأن يعلموا الناس دين الله، وينشروا توحيد الله والإخلاص له، ويعلموا الناس ما يهمهم من أمر دينهم، وأن يدعوهم إلى الإخلاص وإلى نبذ الشرك ومحاربة أسبابه وذرائعه وقواعده؛ من عبادة القبور والبناء عليها، وعبادة الأشجار والأحجار إلى غير ذلك من أصول الشرك وقواعده.

علينا جميعاً ونحن العلماء في هذه الجزيرة وفي بقية أرض الله في كل مكان في أفريقيا وأوروبا وأمريكا وفي بلاد خراسان وفي كل مكان.


الواجب الملقى على العلماء والدعاة



على كل حال: على علماء الحق وعلماء الدين أن يتقوا الله، وأن يجتهدوا في نشر دين الله، وتعليم الناس ما أوجب الله عليهم، وتحريم ما حرم الله عليهم وأساس ذلك توحيد الله والإخلاص له والقيام بحقه سبحانه، هذا هو الأساس العظيم، وهو معنى: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أن يعلموا الناس توحيد الله وأن يبينوا لهم حقيقة التوحيد وحقيقة الشرك، ويحرضوا على الاستقامة على دين الله والحذر من محارم الله، ويتصفوا بالاستقامة على الحق وعلى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، هذا هو واجب أهل العلم أينما كانوا، في دروسهم، وفي خطبهم على المنابر، وفي محاضراتهم، وفي ندواتهم، يجب على كل العلماء أن يسلكوا هذا المسلك، وأن يعلموا الناس دين الله وينشروا بينهم دين الله من طريق الكتاب والسنة؛ من طريق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأن يدعوا لولاة الأمور في كل مكان أن الله يهديهم ويصلحهم، ويعينهم على نشر الحق، والدعوة إليه، فإنهم بحاجة إلى الدعاء من إخوانهم المسلمين.

نسأل الله أن يوفق علماء المسلمين في كل مكان للقيام بواجبهم، والدعوة إلى الله، ومناصرة الحق وأهله، ونشر الحق بين الناس، كما نسأله أن يوفق جميع المسلمين في كل مكان للفقه في الدين والاستقامة عليه، وأن يصلح قادتهم، ويعينهم على كل ما فيه رضاه، وعلى كل ما يقربهم منه ويباعدهم من غضبه سبحانه وتعالى، كما نسأله سبحانه وتعالى أيضاً لولاة أمرنا أن يوفقهم للعلم النافع والعمل الصالح والفقه في الدين، وأن يعينهم على كل ما فيه صلاح العباد والبلاد، ويصلح لهم البطانة، ويجزيهم عما فعلوا من الخير أحسن الجزاء، ويعينهم على إزالة كل شر وإقامة كل حق؛ إنه جل وعلا جواد كريم، كما أسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أنصارهم ومن أعوانهم في الحق، وممن يتكاتف معهم ويسعى معهم في كل حق وهدى، وفي ترك كل باطل إنه جل وعلا جواد كريم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه.

(المقدم):

شكر الله لكم وجزاكم عنا أفضل ما جزى عباده الصالحين.





قصيدة للشيخ العشماوي بعنوان: حوار أمام بوابة الهزيمة




ا الآن فمع سَبْحٍ شعري جميل، مع سادة الكلمة وحسان الصحوة، مع أبي أسامة عبد الرحمن بن صالح العشماوي .

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

كنت أودُّ أن ألقي عليكم في هذه الليلة قصيدتي التي بعثت بها إلى سماحة الوالد الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ولكنني آثرت ألا ألقيها؛ لأنني أعلم أن المدح يضايقه، ونحن لا نمدحه إلا لأنه يستحق ذلك منا وأكثر منه، ولهذا فلن ألقي القصيدة حتى أريح نفسية شيخنا جزاه الله خيراً هذه الليلة.

وألقي عليكم إحدى القصائد التي وقع عليها اختياري هذه الليلة وما اخترتها بعمق، ولكنني وجدتها قريبة مني عنوانها: "حوار أمام بوابة الهزيمة":

طاب المكان وطاب فيه مقام وتفتقت عن زهرها الأكمام


وجرت سواقي الحب ينبت حولها نخل وترتع حولها الأغنام


والشمس تعزف للروابي نورها فيذوب طلٌّ تحتها وغمام


والأرض تروي بالنبات حكايةً خضراء يكبر عندها الإلهام


صور من الأحلام تثلج خاطري ولقد تسرُّ العاشق الأحلام


صور رسمت أمام قلبي لوحة منها لعلَّ جراحه تلتام


صور وتنسفها وقائع أمتي نسفاً ويبتلع المكان ظلام


وعلى رصيف الليل طفل واجم ٌ نظراته نحو القلوب سهام


وسؤاله الملهوف يحرق مهجتي أو ليس ديني يا أبي الإسلام


أو ليس منهج أمتي قرآنها فبه لها في العالمين مقام


أو ليس قدوتنا الرسول محمد تهدى إليه صلاتنا وسلام


أو ما لنا في المجد ألف حكاية تعبت على تدوينها الأقلام


أو ما جرت أنهارنا رقراقة بالخير ترفع فوقها الأعلام


أو ما لدينا النبع يصفو ماؤه وعليه من شغف القلوب زحام


أولم نكن جسر النجاة لعالم يشقى به الضعفاء والأيتام


أولم تصغ بدر بداية مجدنا لما تهاوت عندها الأرقام


ألفٌ تقابل نصف ألفٍ إنها لأدلة للواهمين تقام


أولم يقم بالفتح صرح عقيدة في صدرها للمكرمات وسام


أو ما ترى في الكون صوت بلالنا وعلى صداه تهاوت الأصنام


أولم تكن ذات السلاسل لوحةً مرسومة وإباؤنا الرسام


أو ما رأى اليرموك كيف استبشرت ببزوغ فجر المسلمين الشام


أولم تكن للقادسية قصة أدلى بوصف شموخها التمتام


أولم نعلق في المدائن شمعة بيضاء فر أمامها الإظلام


أولم نلقن قيصراً وحشوده درساً تَحار أمامه الأفهام


أولم ندع كسرى على إيوانه يبكي وتأكل صدره الآلام


أولم يسلم جاذويه سلاحه فرقاً ويندب حظه بهرام

أولم تخض بحر البطولة خيلنا وبقلب أندلس لها إعظام


أولم تقل للصين خيل قتيبة جئنا يزف صهيلنا الإقدام


أولم تصغ حطين لحناً خالداً تهفو إلى أنغامه الأنغام


أولم تكن في عين جالوت لنا همم لردع المعتدين عظام


أو هكذا ننسى المفاخر مثلما يُنسي الصغير هوى الرضاع فطام


أو هكذا أبتاه تسكر أمتي سُكراً يقدم كأسه الإعلام


أو هكذا توهي عزائم جيلنا قصص تصور فحشها الأفلام


قل لي أبي: أنظل نأكل خبزنا وعليه من دمنا المراق إدام


قل لي أبي: أنظل نشرب ماءنا و القدس يهتك عرضها وتضام


قل لي أبي: أيبيت طفلٌ ساهراً في كفه حجر ونحن ننام


ورمت عيون المخبرين وراءه وعلى شفاه الصامتين خطام


سكتوا لأن السيف مسلول إذا نطقوا بما لا يرغب الأقزام


سيفان يا أبتاه: سيف عدونا صلتٌ وسيف سلَّه الحكام


وغرور أمريكا أحال رجالنا خشباً تسمر فوقه الأحلام


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:03

عقب الشيخ ابن باز رحمة الله عليه في هذا المكان وقال: لو تغير البيت يكون طيب -أي: البيت الذي فيه كلمة أمريكا -، فقال العشماوي : طيب جزاك الله خيراً نغيره إن شاء الله.

أو ما لنا أبتاه عزم صادق أو ليس بين صفوفنا مقدام


أو ما لنا في السلم نهج واضح أو ما لنا وقت الحروب حسام


أو مالنا في عالم اليوم الذي يجري طريق واضح ونظام


أبتاه! هذا بيتنا قد هدمت جدرانه وأمامنا الهدام


أبتاه! هذا جسم أمتنا سرت فيه اللظى واستشرت الأورام


أبتاه! هذا درب أمتنا شكا فيه الثرى ما تصنع الألغام


كفر وربك يا أبي ينوي بنا شراً ونحن كأننا الأنعام


قل لي أبي: أنظل نلعق صمتنا وعلى الأنوف مذلةٌ ورغام


أنظل نخفض للصليب رءوسنا وينام فوق فراشنا الحاخام


أو هكذا أبتاه ننسى ديننا ويزيحنا عن رشدنا استسلام


كان الأب المسكين يحبس دمعه ولحزنه بين الضلوع ضرام


أبني لا تنطق فقد ألجمتني أواه كم يؤذي الكريم لجام


هذي هي الأمراض قد فتكت بنا في عصرنا ودواؤها الإسلام


فقال الشيخ للعشماوي : إن الأبيات طيبة ولكن طلب من العشماوي أن يصلح من الأبيات بعض الشي، فقال العشماوي له: سأغير إن شاء الله ما استطعت.



لا فض الله فاك!......


كلمة للشيخ سلمان العودة عن سلامة الصدر




أما الآن مع فضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة في كلمة مختصرة:

بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعــد:

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سماحة الوالد الكريم! أصحاب الفضيلة! أيها الإخوة! إنني أعجب حين أقوم متحدثاً أو أقعد متحدثاً بينكم، ففي هذا المجلس من الأفاضل والمشايخ من هم أجدر بالحديث وأولى به، لكنني لم أملك إلا الموافقة على هذا الطلب، وأسأل الله تعالى أن يلهمني ويسددني.......



شأن الإمامة في الدين



أيها الإخوة! إن القرب من الصالحين كله خير وبركة، فعند ذكرهم يرجى نزول الرحمات، ويكون ذكرهم داعياً إلى الاقتداء بمآثرهم والسير على منوالهم والنسج على طريقتهم، وإن هذه الأمة تُعدُّ اليوم بما يزيد على مئات الملايين، بل تاريخ هذه الأمة لم يبدأ منذ ستين سنة أو سبعين سنة، تاريخ هذه الأمة مضى عليه ما يزيد على ألف وأربعمائة سنة؛ فكم تظن من الناس مشوا على ظهر هذه الأرض ووطئوها من أهل الإيمان ومن أهل التوحيد، بل ومن أهل العلم أيضاً، ولكن كم أولئك الذين بقيت مآثرهم وخلد ذكرهم؛ فأصبح الناس يذكرونهم بالخير؛ فيترحمون عليهم، ويدعون لهم، ويقبسون من علمهم، على رغم أن بينهم وبينهم مفاوز من السنين وأحقاباً متطاولة، وعلى رغم أنهم قد يكونون في مناطق بعيدة نائية، إن الناس اليوم يستفيدون من علم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أكثر مما يستفيدون من علم معظم المعاصرين؛ وكأن هذا الإمام حيٌ بيننا، وإن كان موسداً في قبره إلا أنه حيٌ بيننا بعلمه وبتراثه وبكتبه وبمواقفه وكما قيل:

يا رُبَّ حيٍ رغام القبر مسكنه ورب ميت على أقدامه انتصبا


هذه الأمة التي يقولون: عددها ألف بليون إنسان ومائتا مليون إنسان، هذا الرقم من حيث العدد، كم تأثير هذه الأمة؟ وكم إنتاجية هذا العدد الكبير؟

إن فئةً قليلة من أعداء الإسلام قد بلغوا بهذه الأمة مبلغاً عظيماً؛ لأنهم جدوا واجتهدوا وحاولوا وبذلوا، أما هذه الأمة فهي أرقام وأعداد، لكن لو أتيت إلى الذين يقومون بما أوجب الله عليهم من العبادة، والعلم، والدعوة، والجهاد، والصبر لوجدتهم قليلاً، وكما قيل:

وقد كانوا إذا عدوا قليلاً فقد صاروا أقل من القليل


ويا سبحان الله! كأن الدعاة إلى الله وكأن العلماء رفاق سفر طويل طويل، فهم يبدءون كثيراً ولكن يتساقطون واحداً بعد الآخر، كلما بعدت المفازة واشتد الأمر وعظم الخطب، ولا يبقى إلا من حكم الله تعالى لهم بأنهم أئمة، قال الله عز وجل: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء.

قال سفيان : بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين؛ أن يكون عند الإنسان يقين بالحق الذي يحمله ويدعو إليه، يقين من الله تعالى: قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي [الأنعام:57] فهذا اليقين ما أخذه تقليداً ولا أخذه تأثراً بالأتباع والدهماء ومن حوله من الناس، وإنما أخذه بالدليل من القرآن ومن السنة الصحيحة، فاستقر في قلبه وآمن به، وجرى منه مجرى الدم في العروق، فلم يعد يرتاب فيه على رغم قلة النصير والمعين، وكثرة المعارض، فأصبح عنده يقين بدينه، ثم أصبح عنده صبر على ذلك، صبر جميل ليس فيه جزع ولا تشكٍ، ولا تسخط ولا تردد، بل فيه ثبات على هذا الدين، وإصرار عليه، ودعاء أن يثبت الله تعالى قلبه فلا يزلَّ ولا يزيغ.



أعظم وسائل الثبات



أيها الإخوة! إن من أعظم وسائل الثبات التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يسألها وهو في سجوده فيقول: {يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك } أن يملك الإنسان قلباً سليماً؛ ليس فيه حقد، ولا غل، ولا كراهية، ولا بغضاء، ولا حسد، ينام هذا الإنسان وليس في قلبه حقد على مسلم لخير أعطاه الله إياه، وإن جاز لنا أن نتكلم عن بعض الحضور فإنني أقول: إن مما استفدته واستفاده غيري من طلبة العلم، استفدناه نظرياً ونسأل الله أن يعيننا جميعاً على تطبيقه وتحقيقه من سماحة الوالد سلامة الصدر، وأن يحرص الإنسان على أن يقابل الإساءة بالإحسان، ويقابل المنكر بالمعروف، ويقابل المعصية بالطاعة، وأن يعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه، ويصل من قطعه، فإن هذا هو الأمر المتعين، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199]. أي: خذ ما جاء من الناس عفواً بلا تكلف ولا عنت ولا مشقة، (وأمر بالعرف) أي: بالخير الذي ينفع الناس في دينهم ودنياهم، ومن تنكب هذا وذاك فعليك بالإعراض عنه وحسن المقال، قال الله عز وجل: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً [الإسراء:53] فتحري الإنسان طيب الكلام، وحسن الدعاء لإخوانه، والرغبة في هدايتهم، والشفقة عليهم، وعدم تصديق قالة السوء عنهم مهما كانت؛ فإن هذا من أسباب جمع الكلمة، ومن أسباب صفاء القلوب، والله تعالى قال على لسان خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:87-89].

فسلامة القلب أمر عظيم، وربما نستطيع أن نتكلم جميعاً عن هذا الأمر ونفيض فيه وندعو الناس إليه، لكن الشأن والخطب هو: هل يستطيع الواحد منا أن يضع خده على وسادته فلا يشعر في قلبه ببغضاء لمسلم؟ نعم.. قد ترى أن فلاناً ظلمك، وفلاناً أخطأ عليك، وفلاناً أساء إليك، وفلاناً قال، وفلاناً فعل، وهم -أيضاً- يرون أنك قلت وفعلت وظلمت وأخطأت، فالشأن كل الشأن أن تستطيع أن تصفي قلبك، فلا تجعل فيه مستقراً لبغضاء مسلم، ولا لحقد على مسلم، يكفيك أن في قلبك محبة الله تعالى، ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومحبة الأخيار، وبغض الكافرين والمنافقين الذين بغضهم عبادة؛ بل جزء من الإيمان، بل هو جزء من تحقيق معنى (لا إله إلا الله) التي هي نفي وإثبات؛ إثبات الألوهية لله تعالى وحده ونفيها عمن عداه، ويتبع ذلك محبة الله ومحبة رسله والملائكة والأولياء والصالحين، وبالمقابل بغض الشرك والمشركين، وبغض الأوثان وأهلها كما قال الخليل عليه الصلاة والسلام: كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:4] فلم يعد في هذا القلب مستقر لبغض المؤمنين وبغض الصالحين ولو وجد منهم ما وجد من خطأ أو تقصير أو ما تظنه أنت خطأً أو تقصيراً في حقك، أو ظلماً لك أو ما أشبه ذلك.

وإنني أذكر قصة رواها أحمد والبزار وغيرهما وقوى إسنادها الهيثمي في مجمع الزوائد : {أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تقطر لحيته من أثر الوضوء، فأراد عبد الله بن عمرو بن العاص أن ينظر شأن هذا الرجل، فقال له: إنه كان بيني وبين أبي ملاحاة، وإنني آليت ألا أدخل البيت ثلاثة أيام، فأريد أن أبيت عندك، فذهب معه وبات عنده، فنظر في صلاة هذا الرجل فلم يجد عنده كثير صلاة، ونظر في صيامه فوجده كغيره من الناس، فلما تمت الأيام الثلاثة قال له: يا هذا! لم يكن بيني وبين أبي شيء ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا؛ فأحببت أن أنظر بم بلغت ما بلغت، قال: أما إذ قلت ذلك؛ فإنني أبيت يوم أبيت وليس في صدري حقد على مسلم على خير أو فضل أعطاه الله إياه }.

وقد يستطيع الواحد منا أن يحسن صلاته، أو أن يعفي لحيته كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن يقصر ثوبه كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يستطيع أن يفعل كثيراً من الأعمال الظاهرة، لكن أمر القلب عظيم يحتاج إلى صبر ومجاهدة وإلى مقامات وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35] وإنني أعلم أن هذا الأمر خطير وهذا الشأن عظيم، وأنا فتحت الموضوع ولكني ما وفيته حقه، فألتمس إن أذن الإخوة المنظمون من سماحة والدنا أن يقول ولو كلمات يسيرات لعل الله أن ينفع بها الحضور، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.



_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:04

كلمة لابن باز عن سلامة الصدر




بسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله.

أما بعد:

فلا شك أن ما قاله أخونا الفاضل الشيخ: سلمان العودة فيما يجب على المسلمين من الدعوة إلى الله والتعليم والإرشاد والنصح لله ولعباده يرجع الأمر أنه أمر لازم والناس في أشد الحاجة إليه، العالم في أشد الحاجة إلى التعليم والتوجيه؛ لأن علماء السنة قلوا واشتدت الغربة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدوركم، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا }. فالواجب على أهل العلم أن يعتنوا بالدعوة إلى الله، وأن يكونوا على بصيرة مما يقولون، على كل واحد أن يهتم بالعلم وأن يقول عن علم، قال تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108].

كل واحد مسئول فليتق الله وليقل عن علم أينما كان؛ في بلاده وفي غير بلاده، في السيارة، وفي الطائرة، والقطار، والسفينة، والباخرة، وفي كل مكان، يتقي الله ويدعو إليه، ويرشد الناس إلى الخير.

وعليه أن يكون سليم القلب من الغل على إخوانه وإن سمع شيئاً فليتق الله وليصفح وليعفو؛ لأن هذا أقرب للتقوى، وأقرب لجمع القلوب، وأقرب إلى الصلاح بين الجميع والتعاون، وليكون قلبه سليماً من كل ما يخالف شرع الله؛ من اتباع هوىً، ومن غلٍ على مسلم، ومن حسد لآخر، ومن دعوة إلى غير الله عز وجل، ويكون قلبه سليماً من كل إرادة تخالف شرع الله، ومن كل عمل يخالف شرع الله، ومن كل قول يخالف شرع الله، ومن كل هدف يخالف شرع الله، أن يكون هدفه وجهوده وأعماله وأقواله كلها في تحقيق ما شرعه الله وفي الدعوة إليه، وفي التحذير من خلافه؛ هذا هو طريق النجاة والسلامة، وبذلك نرضي الله وننفع المسلمين وتكثر أحبابه وإخوانه وينتفعون به.

نسأل الله للجميع التوفيق والهداية، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

كلام المقدم:

أثابكم ربي وشكر لكم وبارك فيكم، ووفقكم ونفعنا جميعاً بهذا الكلام المسدد، ووهب لنا من عنده طهارة القلوب.......


قصيدة للشيخ ناصر الزهراني بعنوان: النهر المسترخي




الأستاذ الدكتور: ناصر بن سعد الرشيد شاعر مُقل، ولكن إذا صهل ففحل من فحول الغرة، فنسأل أستاذنا شيئاً من هذا القليل ونحن نقول:

قليل منك يكفينا ولكن قليلك لا يقال له قليل


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعــد:

فلقد وصف أخي الشيخ عبد الوهاب الشاعر الكبير الدكتور: عبد الرحمن العشماوي بأنه حسان هذه الصحوة، أما أنا فيشرفني بأن أنتسب إلى هذه الصحوة ولو كنت أبا دلامتها هذه الليلة، إنما عندي في حقيقة الأمر هي قصيدة عمرها أكثر من عشرين عاماً ولقد قلتها قبل حرب رمضان، وقد كنت في ذلك الوقت في دمشق ولذلك عنونتها: "النهر المسترخي". وقد أحسست بأن شيئاً كالسلم سيحصل، فأريد أن أسمعكم جزءاً من هذه القصيدة هذه الليلة:

أرى دمشق حداداً لف سدته على عيوني فهذا الدهر صوّان


وهذه المرجة الحسناء شاحبة ميسون غائبة عنها وحسان


النهر يجري بها مسترخياً هرماً هل صار بينهما صد وهجران


هل شخت يا بردى في عنفوان صبا أم أثقلتك انتكاسات وأحزان



أم أن وكر هوىً أضنى بحجته ينبوع كبرك أن الحب سلطان


أم أن دعوة سلمٍ بات يرهقها دعاة سلمٍ غووا والسلم خذلان


أتتك فوق جناح الليل نغمتها فشل سطوك مأجور وعدوان


أما فتئت تعيش الحزن مكتئباً قد قدموك كأن الأرض قربان


حتى ضويت هزالاً ما تحركنا خرير مائك منهوك ووسنان


إن كان ضعفك من مجرى برمت به وما يحف به حور ولا بان


فابحث لنفسك عن مجرى يليق به ولو تولد فيك اليوم عصيان


واصرفه عن قنوات ماؤها أسنٌ فآسن الماء لا يهواه إنسان


متى أراك فإن القلب مضطرب وأنت من غضب يعلوك طوفان


لتجرف الشوك عن درب الألى عزموا فالشوك في دربهم للمجد ألوان


وتغسل الأرض من أوصابها أبداً حتى تقيك فإن الأرض أدران


فالويل مستعر والظلم منتشر والعيش فيها حزازات وأضغان


تباً لمبدأ أحزاب تفرقنا وإننا في رباط الله إخوان


يوماً سنكشف عن بطلان زخرفها قد آن أن يجمع الأقوام قرآن


حتى تكون بلاد الله واحدة سهلان أيسون أو فيسون سهلان




بارك الله فيك، ولا فض الله فاك، وسددك ربك ومولاك.......


كلمة عوض القرني عن بعض التوجيهات للدعاة والعلماء




أما الآن فمع كلمة موجزة لفضيلة الشيخ: عوض القرني فليتفضل مشكوراً.

اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، تقدست أسماؤك، وتعالت صفاتك، ولا إله إلا أنت سبحانك.

مشايخنا الأفاضل! الحديث في مثل هذا الجمع الكريم من مثلي غير مستفاض، إذا حضرنا مع مثل هذه الوجوه الطيبة من مشايخنا وأساتذتنا وعلمائنا؛ فالجدير بنا أن نحسن الاستماع والتعلم، أما وقد قدمني الإخوة لهذه الكلمة.

فأقول:

أيها الإخوة: أولاً: نهنئ أنفسنا بلقائنا بسماحة شيخنا ووالدنا، ونهنئ أنفسنا بهذا الجمع الكريم المبارك، ونهنئ أخانا الكريم باجتماع هذه الكوكبة الطيبة في منزله في هذه الليلة، وإذا كان في كل منزل سيجتمع مثل هذا الجمع فليقتني في كل أسبوع منزلاً.

أيها الأحبة: أذكركم ببعض ما تعلمون ولا أعلمكم، وقد أشار الإخوة الأفاضل إلى مكانة هذه البلاد التي اصطفاها الله سبحانه وتعالى في مبتدأ أمر هذا الدين، والدور الذي ينبغي أن تؤديه في هذا الزمن، وأذكر بنظرة المسلمين إلى علماء هذه البلاد وإلى رجالها وإلى شباب الصحوة فيها، وأذكركم بمآسي المسلمين وجراحاتهم وقضاياهم، ولئن تباسطنا في الحديث فينبغي ألا تزول آثار تلك الجراح من قلوبنا.

وينبغي -أيها الإخوة المؤمنون- أن نعي رسالتنا في هذه الحياة، وأن نعلم أن الله سبحانه وتعالى قد شرفنا وكلفنا؛ شرفنا حين جعلنا ممن يحمل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بعده ويبلغها للعالمين، ويجاهد في سبيل إعلائها، ويحب من والاها ويبغض من عاداها، وكلفنا سبحانه وتعالى حين جعل على عواتقنا حمل أعباء الرسالة بعد أن ختمت الرسالات بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأزعم أن القيام ببعض أعباء هذه الرسالة يقتضي منا أموراً كثيرة:

أول هذه الأمور: تصفية المقاصد والقلوب، وتوجيه ذلك إلى الله سبحانه وتعالى، وأن نراجع أفراداً وطوائف وجماعات مسيرتنا باستمرار، وأن نحدد وجهتنا إلى الله سبحانه وتعالى.

الأمر الآخر: أن نجرد المتابعة لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن نلهج بذلك في كلماتنا ومحاضراتنا وندواتنا، وفي منتدياتنا ونوادينا، وفي إعلامنا وتعليمنا؛ حتى يكون صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحية الماثلة للعيان؛ ليس للعلماء وطلبة العلم فقط؛ بل لجميع طوائف الأمة من رجالها ونسائها وشبابها وشاباتها، وأن يكون دور الدعاة والعلماء دور الجداول الموصلة إلى البحر الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم.

والأمر الثالث: هو أن توحد الصفوف، وتأتلف القلوب، وتجتمع الكفوف، وأن نكون كما وصف الله سبحانه وتعالى المؤمنين: بنياناً مرصوصاً، وكما وصفه محمد صلى الله عليه وسلم: جسداً واحداً، حينئذٍِ -أيها الإخوة الكرام الأفاضل- نستطيع أن نؤدي الرسالة التي كلفنا الله سبحانه وتعالى بها، وحينئذٍ نستطيع أن نلبي نداءات أمتنا واستغاثاتها في كل مكان تستغيث فيه وتنادي باستمرار: وا إسلاماه! وا إسلاماه!

أيها الإخوة الكرام: أسأل الله سبحانه وتعالى أن يسلك بنا سبيل الرشاد، وأن يهدينا سواء السبيل، وأن يجعلنا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.......


قصيدة ناصر الزهراني عن دعوة الأنبياء




المق
دم:

أما الآن فنطوي صفحات هذا اللقاء ونختمه بصفحة شعرية رسم معانيها بكلماته أخونا الشاعر: ناصر الزهراني فليتفضل مشكوراً.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

صاحب السماحة! مشايخنا الكرام! أعتذر إليكم.. فكم كنت أتمنى أن أكون في هذا اللقاء مستمعاً، وأن أكون هادئاً مرتاح البال؛ لأنه ليس لدي مشاركة، وقد أتيت ولم أعد فقرة في هذا اللقاء، إلا أن أخي الكريم الشيخ عائض حفظه الله ألح وأبى إلا أن يكون لي مشاركة، فدخلت في تجربة طويلة.. أعتذر لأن الوقت لم يسمح لي بأن أفرغ هذه التجربة كاملة، فربما ترون في هذه القصيدة شيئاً من التفكك أو النقص أو الخلل؛ لأنها لا تزال إلى الآن عظم، وكنت أتمنى أن أسلمها للشيخ عائض على المفتاح.

جيرة تشترى وقصر مشيد وفؤاد بأهل نجد سعيد


يا أبا عبد الله فأنس بدارٍ في بلاد يطيب فيها الوجود


في بلاد للحق فيها جذور راسيات والقوم فيها أسود


يا ربيب البيان جاءت جموع قادها الحب والرضى والسعود


يا سليل الكرام رب وجوه شابها الحقد فهي كالفحم سود


طبت نفساً وزدت فخراً وأنساً حينما زارك الإمام الرشيد


قد أنسنا سماحة الشيخ أنساً لا يجارى والليل ليل سعيد


القوافي تهيم في وصفك الأغـ ـلى ويحلو إذا ذكرت النشيد


لن أسوق الثناء والمدح إني مفعم بالأسى وجرحي شديد


يا سليل الكرام ما كان شعري سلماً يبتغى عليه الصعود


إنما الشعر نبض قلبي وقلبي عن خداع الصديق دوماً بعيد


إيه يا صاحب السماحة عذراً إن قسونا أو ندَّ لفظ شديد


ذاك طبع المحب يقسو ولكن قلبه طيب محب ودود


أيها العالم المبجل شعري قال شيئاً مما تريد الوفود


كم صبرنا وكم وعدنا وعوداً وانتظرنا فأين تلك الوعود


أيها العالم الجليل امتحنا وأرى الخطب كل يوم يزيد


نحن نأوي إليك في كل كرب بعد ربي فأنت ركن شديد


أيها الشيخ ليس يثني خطانا عن هدى مالك الملوك الوعيد


نبذل النفس والنفيس ليبقى وليعلو في أرضنا التوحيد


مالنا مطمع ولا نيل غنمٍ فرضا الله منتهى ما نريد


نحن أتباع سنة وكتاب ما جهلنا فالدرب درب سديد


ثار فيه الدعاة من عهد نوح ومضى فيه صامدين الجدود


كم دعا صالح ثمود لتمشي في طريق الهدى فزاد الشرود


سخروا منه أعرضوا عن هداه فنجا صالح وخابت ثمود


وأبت عاد داعي الحق فيها كم دعاها لمنهج الله هود


فانبروا يصرخون يا هود هذا دين آبائنا فماذا تريد


هذه دعوة تخالف نهجاً نرتضيه وليس فيه القيود


أرسل الله ريح صرصر تنـ ـسف الظلم وأهله وتبيد


وطغى في البلاد فرعون قهراً وعلواً والظلم ظلم شديد


قال في خسةٍ: أنا الرب فيكم دون خوف فالشعب شعب بليد


قال موسى في حكمة وهدوء أيها الحاكم العظيم المجيد


دع بني إسرائيل من ربقة الـ ظلم فكلنا للإله عبيد


فاستشاط اللئيم وازداد حمقاً ثم نادى هامان أين الجنود


صاح في قومه دعاة ضلال قصدهم ظلمكم وبغي مبيد


هيا هبوا لقتلهم كي تعيشوا في سلام وعزة يا فهود


فمضى الأغبياء حمقاً وجهلاً فانبرى البحر حالكاً لن تعودوا


وأبو الأنبياء أعظم داع ملؤه غيرة وعزم أكيد


لم يدع دربه ليرضي أباه لم يعثر خطاه مكر وكيد


هددوه بالضرب والقتل حرقاً وهو بالطود شامخ لا يحيد


أجج القوم نارهم فرموه فإذا بالحريق عيش رغيد


ومضى في طريقه في شموخ وتمادى في غيه النمرود


ساق ربي بعوضة زلزلته أين حراسه وأين الجنود


فإذا أشبعوه ضرباً وركلاً هدأت عنه ثم يصرخ زيدوا


إنه ثوب ذلة يرتديه خائن العهد والمضل العنيد


عاش ذو النون في حشى الحوت مضنى فدعا والدعاء قول مجيد


فرج الله كربه وحماه غمة تنجلي وعمر جديد


ثم سر كي ترى عجائب ربي لسليمان كيف لان الحديد


كيف يقوى أيوب من بعد ضر إنه النصر إنه التأييد


ولنا أسوة بأعظم داعٍ حيت الأرض صوته والوجود


إنه سيد الأنام جميعاً رحمة للورى وفجر جديد


كم رأى من خصومه من نكال وعذاب والمكر مكر فريد


يرفل المشركون في خير عيش وهو مستهدف طريد شريد


كان يدعو لهم ويلهج دوماً إن ربي بهم رحيم ودود


سار في همة إلى الله يدعو لا يبالي والعزم عزم أكيد


كفروا قومه فما أيدوه فأتاه من ربه التأييد


ثلة لبت النداء فهبوا لرضا الله سيد ومسود


حملوا راية العقيدة لما جاءهم في كتاب ربي وعود


فإذا بالفقير يمسي غنياً وإذا بالمسود فيهم يسود


وانقضت دولة الشرور وبادت والنفاق انزوى وفر اليهود


والثواب العظيم في جنة المولى ففيها الرضا وفيها الخلود


أيها الشيخ أي شيء سنروي إن تاريخنا عريق مجيد



ذلت الأسد في زمانك لما تركت مجدها وسادت قرود


قال الشيخ ابن باز لابد من تغييره، فقال ناصر الزهراني : المقصود اليهود، فقال: لابد من تغييره، وقال الشيخ ابن باز أيضاً: وكذلك ما يتعلق بفرعون يتغير، وقال أحد الحضور: وأيضاً كلمة الحاكم في: يا أيها الحاكم.

المقدم:

سماحة شيخنا! المتكلمون والأدباء والشعراء تلاميذ لكم يصوبون بين أيديكم.

ابن باز :


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:04

من باب التعاون على البر والتقوى.

المقدم:

ونحن سنقوم بذلك وما نحن إلا في مدرسة التلمذة أمامكم.

ابن باز :

الله يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2].. وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ [العصر:3].

ثم قال الشيخ ابن باز : وكذلك وصف فرعون، بأن موسى سأله.

وقال الشيخ ابن باز أيضاً: وكذلك كلمة (القرود) احذفها.

بعض الحضور:

هو يقصد اليهود.

قال الشيخ ابن باز : ولا يهود ولا شيء، يضع بدلاً منه بيتاً حسناً، والشاعر يعرف كيف يتصرف.......


قصيدة للشيخ العشماوي بعنوان: من القدس إلى سراييفوا




حديثنا أيها الأحبة عن عالم الجرح لا يعني أننا نيئس أو نستسلم، فإن الله سبحانه وتعالى قد نهى عن القنوط، وأمرنا بالتعلق به عز وجل، وعند ذلك تزول عن عيوننا غشاوة اليأس والقنوط، هذه القصيدة من آخر القصائد التي كتبتها وأستطيع أن أقول: إنه لم يسمعها أحد في ميدان أو في أمسية عامة كهذه الأمسية إلا أنتم في هذه الليلة، عنوان القصيدة: من القدس إلى سراييفوا :

أزبلتني........ الوجدان وبكى قبل مقلتي الوجدان


سهم عينيك لم يصبني ولكن سلبتني إرادتي الأجفان


أنتِ لم تنطقي بحرف ولكن غار من صمتك البليغ البيان


لغة العين نظرة ذات معنى وحديث المشاعر الخفقان


أنتِ غيث في قيض جرحي هنيء وعلى شاطئ المنى الريحان


أنت في غامد ترانيم حب رددتها بلهفة زهران

أنت في قريتي الحبيبة نهر تتغنى بمائه الشطآن


لا تغيـبـي عني فإني لأخشى أن يجف الندى ويشقى الجنان


يصبح الظل لوحة من شحوب حين تشكو جفافها الأغصان


آه! لو تسمعين ما قال حزني وبماذا تحدث الطوفان


إن تريدي وصفاً لأمواج همي فاسمعي ما يقوله البركان


لا تقولي من أنت؟ إني محب أشعلت في فؤاده النيران


يرحل الشعر بي فمالي مكان مستقر ولا لشعري مكان


أكتب الشعر في بني ظبيانٍ فتغني بشعري القيروان


وتغني به بساتين يافا وتغني بلحنه لبنان


يرحل الشعر بي فوجه دمشق يتراءى ويهتف الجولان


وتغني صنعاء بعض نشيدي وتراني أمامها تلمسان


يرحل الشعر بي ففي أرض سينا ألف بيت يشدو بها الميدان


وعلى النيل والفرات بقايا من نشيدي يشجو بها السودان


وعيون العراق ترقب فجراً تحت أضوائه يتيه الزمان


يرحل الشعر بي إلى القدس لكن كسرت عند بابه الأوزان


آه! يا قدسنا تنكر قوم وأباحوك للعدو وخانوا


صنعوا قهوة الخضوع فلما أتقنوها تبرأ الفنجان


سار موج الإرهاب فيهم فقل لي كيف ساق السفينة القبطان


أإلى شاطئ دعاها أم إلى شاطئ جفاه الأمان


شرب البحر ماءه فتلاشى كل موج وماتت الحيتان


بحرنا اليوم لجة من سراب باع فيها حياته الظمآن


قلب مسرى نبينا يتلظى وعلى وجهه يثور الدخان


وبعينيه أدمع لا تسلني عندها كيف يصنع الفيضان


ودعاة السلام يبنون بيتاً ومحال أن يكمل البنيان


كيف تبنى البيوت فوق رمال كيف تبنى ومالها أركان


أرأيتم في الأرض آثار بيت ماله ساحة ولا جدران


مالهم يرفضون في كل صوت دون وعي كأنهم عميان


يا عيون السادات نامي طويلاً فقد اجتاح قومنا الإذعان


ملت الكأس شاربيها وألقى سرجه الحر في الطريق الحصان


كل من سطروا كتاب التصدي مسحوا أحرف الكتاب ولانوا


لعن المجد غيلة فبماذا سيلاقي الحقيقة الهرمزان


أنت يا من تسافرين بقلبي وعلى راحتيك ينمو الحنان


هل رأيت الطريق حين مضى بي في دروب صخورها كثبان


هل سمعت التاريخ لما دعانا فأبت أن تجيبه الأوثان


آه! مما تراه عين محب في زمان يعز فيه الجبان


أثقلتنا أوهامنا فرضينا ما يقول المكابر الخوان


شاب رأس الإباء لما رآنا نرتضي ما يقوله الرهبان


أيها الهارب الذي يتجلى كل يوم في فعله الطغيان


أيها الهارب المخبئ وجهاً أين تنوي المسير يا حيران


أوكل الجهات في الكون غرب أوكل الهواتف الغربان


لو تدوم الحياة ما مات كسرى وتهاوى من بعده الإيوان


هل درى البدر وهو يبغي كمالاً أن عقبى كماله النقصان


قال لي صاحبي: وجدت كتاباً قلت: لا يخدعنك العنوان


قال: عنوانه الكبير سلام عالمي قلت: انجلى البرهان


إنما هذه أكاذيب عصر يتلهى بأمره الشيطان


أمتي فيه كالسجينة تشكو وتعاني مما جنى السجان


فوقها صخرة من الوهم كبرى وعليها من لهوها قضبان


يضحك القوم بالسلام عليها ودليلي ما تشهد البلقان
(البوسنة والهرسك )

مسلمات ومحصنات ضحايا ألبستهن عارها الصلبان


ثملت أمتي من الكأس قل لي بعد هذا أيعقل السكران


كيف ترجو الخلاص مما تعاني وقد اختل عندها الميزان


أيها الحاكمون! هل من جواب صادق حين يسأل الرحمن


إنما هذه أمانة دين شأنها في الحياة لا يستهان


خشيت حملها الجبال الراوسي وتصدى لحملها الإنسان


أين أنتم أما لديكم قلوب أين أنتم أما لكم آذان


هان مليارنا وعز قطيع من يهود فكيف طاب الهوان


إن غدا همنا طعاماً وشرباً فعلينا يفضل الحيوان


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:05

المعجــزات
إن الله سبحانه وتعالى ما بعث من نبي إلا جعل له معجزة تبين صدق نبوته، بحيث تناسب المعجزة مقام قومه حتى يؤمنوا به.

وإن من أكبر معجزات الأنبياء هي معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن الكريم المعجز في فصاحته وبلاغته وإخباره بالغيب، وأكرمه الله بمعجزات أخرى تناسب كل رجل أو قوم، حتى يزداد إيمانهم ويقينهم ويكون حجة على من لم يؤمن.

مع
جزات النبي صلى الله عليه وسلم



دعاؤه بإنزال الغيث في تبوك



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

هذا هو الدرس الخامس من قصة الرسالة بعنوان: معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم.

كان صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى تبوك ، ومعه جيش حافل، عداده ثلاثون ألف مقاتل في سبيل الله، ومعه عشرة آلاف فرس، وآلاف الجمال، فلما أصبحوا في الصحراء بعيدين عن الماء، أشرفوا على الهلاك، لا آبار حولهم، ولا أنهار، ولا أمطار، بحثوا في قربهم، فإذا هي قد انتهت بمائها، التمسوا الماء يمنة ويسرة، فإذا هو لا ماء، أخذوا يتلمسون الماء، جفت لسان كل واحد منهم، نشفت كبده في جوفه، وأجرهم عند الله، قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ [التوبة:120].

فأشار بعضهم على بعض بأن ينحروا الجمال ويخرجوا ما في بطونها وبأكراشها من ماء فيعصرونه ويشربونه، إلى هذا الحال، وإلى هذا المستوى بلغ الجهد والظمأ.

حتى إن الفرزدق الشاعر المشهور حين ظمئ مرة من المرات يقول:

على ظمأ لو أن في القوم حاتماً على جوده ضنت به نفس حاتم


يقول: بلغنا من الظمأ درجة لو أن حاتماً الطائي على كرمه معنا، ومعه ماء فلن يسقينا، فهؤلاء الصحابة بلغوا من الجهد والإعياء والظمأ أعظم من ذلك، أشار بعضهم بنحر الجمال، فقام عمر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وعرض عليه المشكلة، وقال: {يا رسول الله إن الله قد عودك عوائد فادع الله لنا } يقول: أنت صاحب العوائد أنت المبارك؛ فقط ترفع يديك ويأتي الغيث، وينـزل المطر، ينزل النصر، ويقع الفتح بإذن الله، يكفي منك أن ترفع يديك، فالله قد عودك عوائد، والسماء ليس فيها سحاب، وليس هناك هواء بارد، ولا مظلة تنـزل الغيث؛ لا برق ولا رعد، في شدة الحر، والرسول عليه الصلاة والسلام له عوائد، كما قال عمر .

من عوائده باختصار ومن المعروف لديكم: ما في الصحيحين لما وقف صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة في شدة الصيف ولا سحاب في المدينة ، ولا غيث، ولا هواء بارد، ولا شيء، فدخل أعرابي وقال: {يا رسول الله جاع العيال، وضاع المال، وتقطعت السبل -وسط الخطبة والرسول صلى الله عليه وسلم يخطب الناس في غير موضوع الاستسقاء- فادع الله أن يغيثنا، فقطع صلى الله عليه وسلم الكلام ورفع كفيه -الشريفتين الطاهرتين النظيفتين البارتين- وقال: اللهم! أغثنا } فما هي إلا لحظة، وإذا الذي يقول للشيء: كن فيكون، يرسل بإذنه سبحانه سحابة كالترس من وراء جبل سلع ، فتعترض في سماء المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينـزل من المنبر، وخطبه دقائق فتمتلئ سماء المدينة سحاباً، وينـزل الغيث فجأة، فيصب سقف المسجد على وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أمام الناس، فيقول: {أشهد أني رسول الله }.

يقول ابن عمر : [[كنا إذا نظرنا إلى وجه الرسول صلى الله عليه وسلم على المنبر تذكرنا قصيدة عمه أبي طالب فيه:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
]]

فقط تنظر للوجه تذكر الرحمة، ويستسقى به الغمام بإذن الواحد الأحد، ومعه النور والبركة والخير.

غلام رماه الله بالحسن يافعاً عليه لمجد الصالحين به أثر


كأن الثريا علقت في جبينه وفي كفه الجوزا وفي وجهه القمر


ولما رأى المجد استعيرت ثيابه تردى رداء واسع الجيب واتَّزر


هذا المعصوم صلى الله عليه وسلم يأتي إليه عمر ، فلا يتقدم من الثلاثين ألفاً ولا من الصحابة ولا من الجيش أحدٌ إلا عمر فيقول: {الله عودك عوائد فادع الله لنا، فأتى صلى الله عليه وسلم في مجلسه، قال: اللهم أغثنا } وفجأة وتأتي سحابة تغطي المعسكر، على حده لا زيادة ولا نقصان، فتهل غيثها، وترسل عيونها، وتسكب ماءها، فتمتلئ الأحواض والخنادق والقرب والأواني؛ هذا يغتسل، وهذا يتوضأ، وهذا يشرب، وهذا يسقي جمله، وإذا خرجت خطوة واحدة خارج المعسكر لا تجد قطرة واحدة، تجاوزت حد المعسكر، لا زيادة ولا نقصان، ماذا يدلنا هذا؟

يدلنا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق، يدلنا على أن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم صاحب معجزة، وصاحب دليل، وصاحب برهان، واشهدوا أنه رسول الله.

اسمحوا لي أن أستعرض معكم بعض معجزاته عليه الصلاة والسلام، وهي تقارب الألف معجزة، أختار بعضها هذه الليلة من بين ألف معجزة تدل على أنه صادق من الله مرسل عليه الصلاة والسلام.



جعله الماء زبداً ولبنا



ذكر ابن سعد : {أن رجلين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلما وقالا: يا رسول الله! نريد سفراً فزودنا } ولا زاد عنده، تجد الرسول صلى الله عليه وسلم أحياناً لا يجد ما يسد به رمقه من الجوع، لا يجد كسرة خبز، وقد عرض عليه أن تكون له الجبال ذهباً فأبى:

وراودته الجبال الشم من ذهب عن نفسه فأراها أيما شمم


وأكدت زهده فيها ضرورته إن الضرورة لا تعدو على العصم



فماذا فعل؟ قال: {عندكم قربة، قالا: نعم. قال: املأها ماءً، فملأ القربة ماءً، قال: اذهبا فإن الله سوف يرزقكما طعاماً، قالا: فسافرنا فلما احتجنا أتينا نشرب من القربة التي ملأناها ماءً، فإذا هي لبن وزبد، فأكلنا من الزبد، وشربنا من اللبن طيلة السفر حتى رجعنا وشبعنا }. أشهد أنه صادق، هذا من آياته البينات عليه الصلاة والسلام، والله أيده بالمعجزات ليؤمن من يؤمن، ويزداد إيماناً من يزداد، وليقيم الحجة على أعداء الله والكفرة الملحدين.



تحويل عود الحطب إلى سيف



وذكر ابن سعد والبيهقي : أن عكاشة بن محصن الذي يدخل الجنة بلا حساب مع سبعين ألفاً من المسلمين، وقف صلى الله عليه وسلم على المنبر قال: إن من أمتي -كما قال صلى الله عليه وسلم- سبعين ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب -فتناقش الصحابة وتجادلوا من هؤلاء السبعون- وفي الأخير وقف صلى الله عليه وسلم وقال: { هم الذين لا يتطيرون، ولا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة من طرف المسجد وقال: يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم؟ قال: أنت منهم، فقام رجل آخر فقال: يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم -فتح باب المجال- قال صلى الله عليه وسلم -انظر البلاغة لم يقل: لست منهم- قال: سبقك بها عكاشة بن محصن } لأنه لو فتح الباب قام أهل المسجد وقام كل الناس، فأنهى صلى الله عليه وسلم الموقف.

وقد قتل عكاشة شهيداً في اليمامة يوم قاتل مسيلمة الكذاب ، أتى في بدر يريد أن يقاتل وانكسر سيفه من كثرة ما قاتل يقول النابغة يمدح النعمان :

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب


يقول: أموركم كلها عظيمة لكن سيوفكم مثلمة من كثرة ما ضربتم الأعداء، وهذا مدح بما يشبه الذم، يقول:

تخيرن من أزمان يوم حليمة إلى اليوم قد جربن كل التجارب


رقاق النعال طيب حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسب


ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب


فأتى بلا سيف قال: {يا رسول الله! ما عندي سيف -ووطيس المعركة مُتَّقِدٌ، والرءوس تنـزل على أكتافها، والسيوف تشرع، والرماح، ليس هناك مخزن عنده فيه أسلحة ولا عند رسول الله سيف زائد- فأخذ جزلاً من خشب صلى الله عليه وسلم وقال: خذ هذا، قال: فهززته فإذا هو سيف صلت في يدي } أشهد أنه صادق، وبقي معه السيف، واسم السيف: القوي، وحضر اليمامة وقتل وهو معه شهيداً.



رؤياه للجنة والنار



صح عند البخاري : {أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بالناس، فتقدم صلى الله عليه وسلم لصلاة الكسوف بعدما كسفت الشمس فتقدم ثم مد يده إلى الجدار وهو يصلي بالناس، ثم تراجع تراجع ثم تكعكع عليه الصلاة والسلام حتى دخل في الصف وبكى، فلما سلم قالوا: يا رسول الله رأيناك تتقدم إلى الجدار كأنك تتناول شيئاً، ورأيناك يا رسول الله تكعكعت وتأخرت، قال: عرضت لي الجنة فرأيت فيها عنقوداً من عنب لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، فتقدمت -يريد أن يمسكه صلى الله عليه وسلم، لأنه عرض عليه تماماً في عرض الحائط- قال: ثم عرضت لي النار فلم أر منظراً أشد ولا أفظع ولا أبشع منه، فكان يبكي ويقول: أعوذ بالله، أعوذ بالله، قال: ورأيت فيها امرأة عُذِّبت في هرة حبستها لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض }. هذا من المعجزات له صلى الله عليه وسلم.




تكلم ذراع الشاة بين يديه



انتهى صلى الله عليه وسلم من خيبر من الغزوة -والحديث عند الشيخين <لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت } هو سيد المتواضعين يجيب مرة دفعاً للسوء حتى أجاب اليهود وأكل عندهم، ومرة جلباً للصلح، ومرة تأليفاً للقلوب، ومرة زيادة في المحبة؛ لأنه معلم الناس، أجاب ومعه ستة، فقدمت الشاة، فأخذ الذراع، أول ما بدأ صلى الله عليه وسلم بذراع الشاة فلما أصبح في فمه الشريف الطاهر المبارك ذاق لقمة فأنطق الله ذراع الشاة فتكلم بصوت معروف قال: يا رسول الله! أنا مسموم -تكلم الذراع وقال: أنا مسموم- فرمى به صلى الله عليه وسلم، ولفظ اللقمة، وبقيت آثار السم، فدبت بجسمه، فمات بعد سنة شهيداً بالسم } فهو سيد الأنبياء سيد الشهداء إمام الأولياء خير الصلحاء.



تسليم الحجر على النبي صلى الله عليه وسلم وأنين الجذع له



وتكلم عليه الصلاة والسلام عنده الحجر، ففي صحيح مسلم قال: {إني أعرف حجراً في مكة كان يسلم عليّ قبل النبوة }.

وخطب الناس عليه الصلاة والسلام عند جذع نخلة -جذع مقطوع من شجرة- فقال صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار: {مري غلامك النجار أن يصنع لي منبراً } فصنع منبراً ثلاث درجات للنبي صلى الله عليه وسلم، فترك جذع النخل الأول، فجعل يئن كالطفل، سمعه الصحابة جميعاً وهم أكثر من ألف، فنزل عليه الصلاة والسلام فوضع يده وأسْكَتَه، فسكت بإذن الله، يقول الحسن البصري معلقاً: ويل لكم واحسرتاه جذع يحن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جامد ألا تحنون للرسول عليه الصلاة والسلام؟!

من نحن قبلك إلا نقطة غرقت في اليم أو دمعة خرساء في القدم


أكاد أقتلع الآهات من حرقي إذا ذكرتك أو أرتاع من ندمي


كأنه وهو فرد من جلالته في موكب حين تلقاه وفي حشم


عليه الصلاة والسلام.




رده لبصر بعض الصحابة



يقول حبيب بن فديك : {أتى بي أبي وعيناي مبيضة لا أرى شيئاً أعمى، فقال صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟ -يعني ماذا أصاب هذا الطفل- قال أبوه: يا رسول الله! وطئ وهو طفل بيضة حية فعميت عيناه وأصبحتا مبيضتين، قال: ادنه مني -يعني: قربه، يقول الذهبي : هذا طبيب البشر صلى الله عليه وسلم، هو طبيب الإنسانية سواء القلوب أو الأبدان- فقربه منه فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: فأبصر بإذن الله، وزاد على المائة وما أتى ببصره شيء } قال أحد الرواة: والله الذي لا إله إلا هو، إني كنت أنظر إلى حبيب بن فديك وهو فوق الثمانين يدخل الإبرة في الثوب وهو يخيط حتى بلغ المائة، هذا من تلك النفثة منه عليه الصلاة والسلام.

إذا لم يكن هو المبارك فمن يكون المبارك؟ وإذا لم يكن الطيب من هو الطيب؟ الطيب الذي ينتشر فينا أو في الناس أو في العالم أو العلماء أو الصالحين أو الشهداء ذرة من طيبه عليه الصلاة والسلام، يقول شوقي :

المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء


{وأتاه -على ذكر العين- قتادة بن النعمان -وقد أخبرتكم بهذا والحديث صحيح- فوقعت عينه في حد السيف معلقة في خده، فردها صلى الله عليه وسلم بكفه، فرجعت إلى مكانها فصارت أجمل من الأخرى }.

{أتاه علي في خيبر -والحديث عند الشيخين - وهو أرمد لا يرى شيئاً، فقال: ادن مني، قال: يمد علي يده والله ما يرى يده -أعمى من الرمد- فبصق في عينيه فأبصر بإذن الله } يقول أحد الشعراء وهو من شعراء اليمن الكبار:

هذا الذي جاء والأبحار مالحة فمز فيها فصار الماء كالعسل


عندما كنا ضائعين من قبلك، كنا في بحور من الضلالات لكنك بصقت في البحر فأصبح عذباً.

هذا الذي جاء والأبحار مالحة فمز فيها فصار الماء كالعسل


هذا الذي رد عيناً بعد ما فقئت وريقه قد شفى عين الإمام علي



إنطاقه للطفل الأبكم



وروى البيهقي صاحب السنن قال: {أتته امرأة بصبي لها صغير لم يتكلم -ولد أبكم أخرس لا ينطق كلمة، عالجوه، نظروا إلى لسانه، أشاروا إليه وهو كالصخرة إنما يأكل ويشرب ويرضع- قال لها صلى الله عليه وسلم: ما بال ابنك هذا؟ قالت: يا رسول الله ابني هذا أبكم، فالتفت إليه صلى الله عليه وسلم وهو طفل قال: من أنا؟ قال: أنت رسول الله، ثم نطق بعدها وكان خطيباً من خطباء العرب }.



علاجه للأمراض البدنية



وروى البيهقي -وأصله في البخاري - قال: {أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رجله قرحة أعيت الأطباء -قال: عولجت وعالجها الأطباء العرب وهي تدمى في رجله- فقربها عليه الصلاة والسلام، فأخذ من التراب صلى الله عليه وسلم، ثم نفث فيه وقال: بريقة بعضنا وتربة أرضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا، قال: والله لقد قمت وما بي قلبة } أي: لا جراح ولا شيء، وهذا من بركة الله عليه، وأراد الله أن يقيم البرهان على الناس، فكان الصحابة يرون ذلك، فيزدادون إيماناً ويقيناً وحباً له عليه الصلاة والسلام، وأقول لمن غاب عن هذه المعجزات والآيات البينات: يكفيكم القرآن الذي يتلوه علينا الإمام في كل فريضة، فهو المعجزة الخالدة الذي أتى به رسول الهدى عليه الصلاة والسلام.

وقال شرحبيل الجحفي : والحديث عند البخاري في التاريخ والطبراني والبيهقي قال: {أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كفي سلعة كأنها قربة معلقة -فهو يريد أن يمسك السيف ما يستطيع، يريد أن يعيد يده فلا يستطيع، يريد أن ينام فلا يستطيع- فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ قلت: سلعة في يدي يا رسول الله! أصبت بها من زمن، قال: ادن مني، قال: فدنوت، قال: فوضع يدي في الأرض، ثم أخذ يده الشريفة على السلعة، ثم أخذ يفركها ويطحنها ويسمي حتى زالت، فعادت يدي أحسن من الأخرى، وانطلق الرجل يخبر قومه، فأسلم منهم كثير }.

وروى أبو داود والترمذي وحسنه عن أبيض بن حمال -سمي أبيض لأن الله رزقه جمالاً بسبب مسح الرسول صلى الله عليه وسلم بوجهه- يقول: {أتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهي مُجَدَّر } وجهه كله مصاب بالجدرى، ولذلك، من عنده أمراض حسية ومعنوية وقلبية نفسيه جسمية فليستشف بالقرآن، وليصدق في أخذه وأخذ ماء زمزم، مع طاعة الباري سبحانه وتعالى بكثرة الاستغفار، قال: {أتيت وإذا وجهي مجدر وقد أكل الجدري أنفي، فقال صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟ فقلت: جدري يا رسول الله! قال: ادن مني، فدنوت فدعا وسمى، ثم مسح وجهي، فوالله ما رفع يده عن وجهي إلا ما أصبح فيه شيء، وصار وجهي أبيض جميلاً } فسمي أبيض .

وروى النسائي والحاكم وابن حبان والبيهقي عن محمد بن حاطب عن أمه أم جميل يقول: {كنت طفلاً وأمي تطبخ على القدر -على النار- غابت أمه، فوقع القدر عليه، فأحرق ذراعه، فأتت الأم وإذا طفلها في حالة وقد فسدت ذراعه، وما تذكرت بعد الله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حي -فأخذت الطفل بين يديها ودخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله! هذا طفلي وقع عليه القدر واحترق قالت: فنفث في ذراعه وأخذ يدعو فوالله ما قمت من عنده وفي ذراع ابني أثر من حريق } فهو المبارك أينما كان صلى الله عليه وسلم.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:06

بركات النبي صلى الله عليه وسلم




وبالمناسبة من أراد البركة والخير فليكثر من الصلاة والسلام عليه، حتى إن ابن القيم نص على ذلك، وبعض السلف يرونها من أفضل الأذكار، وألف فيها ابن القيم كتاب: جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام ، واتباع سنته والعمل بتعاليمه عليه الصلاة والسلام.......



بركته في شفاء رأس عبد الله بن أنيس



ذكر البغوي والطبراني عن عبد الله بن أنيس -وله قصة أقف معها وقفة احترام وإجلال فهو شاب من أهل الجنة- وقد شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة.

فقد أتى رجل مجرم عنيد مارد اسمه: خالد بن سفيان الهذلي ، جمع هذيل في نواحي مكة يريد أن يقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد اجتمع معه ألف فارس ومارد يريدون الذهاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لمحاربته في المدينة وقتله، فأتت الأخبار الرسول عليه الصلاة والسلام، قالوا: يا رسول الله جمع خالد بن سفيان الهذلي ألف مقاتل في مكة يريدون قتلك، قال: أنا أقتله إن شاء الله، يقول صلى الله عليه وسلم: من يقتله وله الجنة؟ قال عبد الله بن أنيس : أتضمن لي الجنة، وهذا من الفرسان الكبار حتى ذكر الألباني في إرواء الغليل في بعض الروايات أنه لما أراد قتل خالد يقول: رأيت خالداً وأنا قريب منه، وقد أتت صلاة العصر، وخشيت أن تخرج عليّ صلاة العصر فكنت أصلي وأومئ وأنا مقبل منه حتى ضربت رأسه وأخذته، هذا في رواية.

الرواية الثانية أذكرها لكم قال: أتضمن لي الجنة يا رسول الله؟! قال: أنا لك بها زعيم -أو كما قال صلى الله عليه وسلم- قال: ائذن لي -يعني أئذن لي في الكلام إذا ذهبت لأنه يحتاج إلى حديث- قال: اذهب، فذهب فسأل عن خالد بن سفيان الهذلي -كأن عبد الله بن أنيس لا يريد أن يهوي على مكة من جهة المدينة - قال: من هذا؟ قالوا: خالد بن سفيان ، أما أتاك خبره؟ قال: ما أتاني خبره، قالوا: يجمع الجموع لقتل محمد في المدينة قال: أنا معكم فذهب وسلم على خالد ، وقال: أنا من جنودك، قال: حيهلاً بك يا أخا العرب، قال: أريد أن أسامرك الليلة -سمرة ما سمع بأسوأ منها في التاريخ- قال: عبد الله بن أنيس : تحفظ من الشعر؟ قال: أحفظ من الأشعار، قال: أنت معي هذه الليلة في الخيمة -هذه ضيافة خاصة- قال: أنا معك، فنام الجيش كله وأخذ عبد الله بن أنيس يسامره، هذا يأتي بقصيدة وذاك يأتي بقصيدة، وذاك ببيت وهذا ببيت، وفي الأخير قال عبد الله بن أنيس : أما ترى يا خالد أنا سهرنا لو نمنا قال: بلى فنام، ونام عبد الله بن أنيس لكن:

نامت الأعين إلا مقلة تسهر الدمع وترعى مضجعك


قال: فسمعت غطيطه، فقمت على السيف فحززت رأسه على المخدة، ووضعتها في المخلاة -هذه بضاعة ينقلها إلى المدينة مع التحية، هذا قائد الجيش- قال: فذهبت في الليل قال: فكنت أمشي في الليل وأنام في النهار -عشرة أيام- فجاع جوعاً لا يعلمه إلا الله، وظمئ ظمأً حتى اسود وجهه: وأقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في جمع مبارك في المسجد، فلما رأى صلى الله عليه وسلم قال: أفلح وجهك، قال: ووجهك يا رسول الله! -والهدية موجودة، في المخلاة فأتى بالبينة- فقدم الرأس له قال صلى الله عليه وسلم: { خذ هذه العصا تتكئ بها في الجنة والمتكئون بالعصي في الجنة قليل } فأخذ العصا من الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان يمشي بها، ويذهب بها وينام وهي معه، ويقوم وهي معه، ويصلي وهي بجواره، فلما أتته الوفاة أمر أن يغسل ويكفن، وتدخل في أكفانه، فدخلت معه القبر، وسوف يأتي في الجنة يتوكأ بها ليلقى إبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً صلى الله عليه وسلم، هذا شيء من أخبار عبد الله بن أنيس .

قبلها ضربه يهودي بسيف في رأسه قال: فوصلت العظم، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنفث فيها ورقى، فعادت بلا بأس بحمد الله تعالى وعافيته.



بركته في شفاء رجل عبد الله بن عتيك



وأرسل صلى الله عليه وسلم لـأبي رافع المجرم اليهودي الذي كان يسب الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت له جوارٍ يغنين بسب الإسلام والقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم، آذى الله ورسوله، فأرسل إليه صلى الله عليه وسلم البراء بن عبد الله فذهب فدخل عليه في مشربة فقتله، ثم خرج من المشربة وسمع الصوت فقفز فوقع على رجله فانكسرت رجل الصحابي، فسحبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وربط رجله بعمامته، فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: {ابسط رجلك قال: فمسحها بيده الشريفة، فعادت أقوى من الأخرى } سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وهذا الحديث صحيح.



بركة دعائه ونفثه في شفاء جروح خالد بن الوليد



ومن بركته صلى الله عليه وسلم ومما آتاه الله سبحانه وتعالى من حسن أثر على الناس أن خالد بن الوليد كما روى أحمد في المسند يوم حنين جرح جرحاً عظيماً، ومن مثل خالد ؟ خالد سيف الله المسلول، فدخل خيمته والجيش كثير في حنين ، هذه معركة حنين والطائف ، فسمع صلى الله عليه وسلم وهو في خيمته بجرح خالد ، وهو متكئ على ظهره في الخيمة، يقول أعرابي: {كان صلى الله عليه وسلم يقول يوم حنين : من يدلني على خيمة خالد بن الوليد ؟ قال غلام من الناس: أنا يا رسول الله! أدلك، قال: اذهب أمامي قال: فدخلنا على خالد وهو متكئ يئن من الجراح، فأتى صلى الله عليه وسلم فدعا ونفث، فجلس خالد ما به شيء }.والحمد لله الذي أبقى لنا خالداً حتى دكدك الروم، وأزال دولتهم وداسهم برجله، إنه سيف الله المسلول.

بنو حنيفة جدوا طال نومكم إن الخليفة عواد بعواد


يا من يرى خالداً كالليث معتجراً تحت العجاجة مثل الأغطف الغادي


وروى أحمد: {أن سفينة مولى الرسول عليه الصلاة والسلام، قيل له: من سماك سفينة ؟ قال: سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: لماذا؟ قال: كنا في سفر مع الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: احمل من المتاع، قال: فحملت، قال: زد احمل فإنما أنت سفينة ، قال: فحملت، وقال: والله لو حملت حمل سبعة جمال لما وجدت بأساً } فكان يحمل الحمل القوي الثقيل الشديد ولا يجد بأساً ويمشي كأشد الناس، لماذا سمي سفينة ؟ قال: من بركات الرسول صلى الله عليه وسلم عليه أنه كان من أقوى الناس بسبب قوله صلى الله عليه وسلم: {احمل إنما أنت سفينة } فكأنها تتضمن معنى الدعاء.




بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة وعثمان بن أبي العاص



ومن بركته صلى الله عليه وسلم ومعجزاته وإلا فمعجزاته المعنوية فيها من العظمة الكثير، حتى قال بعضهم من بركته صلى الله عليه وسلم ومعجزاته القرآن والسنة، وأن دينه يصل إلى بقاع الأرض، وأن الكفار ومن قابلهم محقوا وسحقوا من الأحزاب والمنافقين وأعداء الملة، وبقي دينه خالداً في الأرض، فذلك من المعجزات والآيات البينات.

يقول أبو هريرة : {أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت أسمع حديثاً كثيراً وأنسى، قال: قلت: يا رسول الله! إني أسمع حديثاً كثيراً منك وأنسى، قال: ابسط رداءك، فبسطت ردائي، وكان عليه البردة، فال: فأخذ صلى الله عليه وسلم يديه قال: فأخذ بكفيه ويسمي ويضعها في الرداء عليه الصلاة والسلام ثلاثاً، قال: اضمم عليك رداءك، قال: فضممت ردائي فوالله ما نسيت بعده حرفاً } فأحفظ الناس أبو هريرة ، يعيد الحديث الطويل فلا يخرم حرفاً واحداً من بركة دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم له.

وقال عثمان بن أبي العاص : {كنت أنسى القرآن فأتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ادن مني، قال: فدنوت منه قال: فضرب بصدري وقال: اللهم يا رحمن! أعذ عثمان من الشيطان - عثمان بن أبي العاص - قال: فوالله ما نسيت القرآن بعدها }.

فسبحان الذي جعل فيه البركة، وسبحان الذي أعطاه المعجزات البينات والذي أظهر دينه حتى ساوى مسير الشمس.



بركة دعاء النبي لعلي بن أبي طالب



وروى البيهقي والحاكم عن علي قال: {بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضياً } انظر هؤلاء كيف وزعهم صلى الله عليه وسلم على الناس، هذا قاضٍ، وابن مسعود داعية، ومعاذ مفتٍ في الحلال والحرام، وخالد مجاهد في سبيل الله، وزيد بن ثابت يفتي في الفرائض، وابن عباس مفسر، وحسان شاعر، كل قام بمقامه، كل حفظ منـزلته، كل أثرى بموهبته العالم رضوان الله عليهم.

{قلت: يا رسول الله! كيف ترسلني وأنا شاب؟ -يقول علي ، يعني: لا أستطيع أن أحكم بين اثنين- قال: فضرب في صدري وقال لي: اللهم ثبت قلبه واهدِ لسانه واجعله هادياً مهدياً، قال فوالله -يقسم علي - فو الذي برأ الحبة وفلق النسمة ما التبس عليَّ القضاء بين اثنين } ولذلك كان يقضي بإذن الله، ويأتي قضاؤه صواباً مثل السيف حسماً ببركة دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام له.



علاجه للعقول



وأما علاجه صلى الله عليه وسلم للعقول، فيكفي أنه عالج عقول الأمة بالقرآن والإيمان، ولكن أقصد به علاجه للجنون، فقد ذكر أبو نعيم عن الوازع قال: {انطلقت بابن لي مجنون كان يفسد عليهم الطعام ويفسد عليهم المنام -سلب عقله- فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ما هذا؟ قلت: ابن لي جن يا رسول الله! قال: قربه مني، قال: فقربته منه، فوضع يده على صدره ثم دعا فتقيأ ابني فخرج من بطنه مثل الجرو الأسود، فصح ابني، فكان من أعقل قومه } رد الله عقل ابنه بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم وببركة دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم.

وذكر البخاري ومسلم عن جابر قال: {أغمي عليّ -أغمي عليه وفقد وعيه- فزاره صلى الله عليه وسلم قال: عليّ بماء، فتوضأ صلى الله عليه وسلم وصب بقية الماء على جابر فاستيقظ، ثم وضع صلى الله عليه وسلم يده على صدر جابر ، قال: فما زلت أجد بردها إلى الآن }.

وفي بعض الألفاظ: أن سعد بن أبي وقاص قال: زارني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: { اللهم اشف سعداً ، اللهم اشف سعداً ، قال: والذي نفسي بيده إني أجد برد يد الرسول عليه الصلاة والسلام بعد ثلاثين سنة، كأنها الآن }.

ويقول أعرابي: {حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته يخطب، فأدخلت يدي بين نعله وقدمه } انظر كيف يجدون قيمة وثمن وعظمة محمد صلى الله عليه وسلم ومنـزلته، كان شوق الواحد منهم أن يرى فقط الرسول عليه الصلاة والسلام، أو يمس جلده جلده أو جسمه جسمه، أو ينعم ولو بآثار البصاق، كان إذا بصق يميناً أو يساراً أو أمامه أو خلفه، تناول الواحد منهم تفاله وبصاقه، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم! فيمسحون وجوههم، فيجدون من السرور والنعيم والخير العميم ما الله به عليم، حلق رأسه، فكادوا يقتتلون على شعر رأسه، منهم من حصل على شعرة ونصف شعرة، حتى إن أئمة الإسلام وأئمة التابعين بكوا وقالوا: والهف نفساه على شعرة من شعراته عليه الصلاة والسلام.

هذا الأعرابي أتى وكان همه فقط أن يمس القدم الشريفة، قال: {فكان يخطب الناس بـمنى ، فأدخلت كفي بين النعل وبين القدم، فوجدت بردها، فوضعتها على وجهي والله إني لأجد بردها إلى الآن } بعد عشرات السنوات.

مبارك أينما كان، كلامه لفظه ذكره صلاته ملابسه كل شيء فيه مبارك، يلبس القميص وأمنية الإنسان أن يلبس قميصه.

المتوكل الخليفة العباسي أتى بعد المعتصم ، لبس برد النبي صلى الله عليه وسلم بعد مئات السنوات قال للشعراء: من يصف لي البرد هذا، فإن أجاد ملأت فمه دراً، قالوا: فأنظرنا ليلة، ليس لهم إلا بيتان فقط لا يزيد الواحد على بيتين، فذهبوا جميعاً وأتوا، منهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع ومنهم من يطير، فجاء أحدهم فقال:

ولو أن برد المصطفى إذ لبسته يظن لظن البرد أنك صاحبه


وقال وقد أوتيته ولبسته نعم هذه أعطافه ومناكبه


قال: املئوا فمه دراً.

مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبس قميصاً، وإذا لبس صلى الله عليه وسلم القميص عرف الصحابة من الفقر وكثرة الحاجة أنه صلى الله عليه وسلم لبس قميصاً، قال رجل: والله لأسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص، قالوا: لا تسأله -لأنه لا يعرف أن يقول: لا، لن يمنعك وهو يلبسه محتاج إليه يصلي به الجمعة ويستقبل الوفود- قال: والله لأسألنه القميص فعرض له واقفاً صلى الله عليه وسلم، قال: {يا رسول الله! ألبسني قميصك الذي عليك، قال: أنظرني قليلاً، فدخل بيته ولبس الرداء والإزار ثم أعطاه قميصه، قال الصحابة: بئس ما صنعت، لبسه صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليه وتسأله وهو لا يرد المسألة }.

ما قال "لا" قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم


يغضي حياءً ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم


قال: إني أرجو -يعتذر له- أن يكون كفني هذا القميص، فكان كفنه الذي كفن فيه، وهنيئاً له أن لا مس القميص جلد المصطفى عليه الصلاة والسلام.

وقد روى أحمد والدارمي والطبراني : {أن امرأة أتت بابن لها مجنون أيضاً -يستند إلى الحديث الأول وهو شاهد- فدعا له صلى الله عليه وسلم فأصبح عاقلاً رزيناً }.


بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأبي عطية وأبي محذورة



وروى الطبراني عن أبي عطية البكري قال: {انطلق بي أهلي فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي وأنا طفل، ثم مر على خدي، فنبتت لي لحية بعدما كبرت، ورأسي لم يصبه الشيب أبداً } أصبح في المائة وهو أسود الرأس أسود اللحية.

وهذا مثل حديث أبي محذورة الذي رواه أحمد والبغوي : {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع أذان أبا محذورة } حتى أن أبا محذورة صار مؤذناً مشهوراً وأبناؤه أخذوا الأذان بعده وأبناء أبنائه في مكة ، وكان إذا أذن توقف الناس: صاحب الحديث يتوقف، والمتكلم يسكت، والذي يأكل الطعام ينصت، والماشي ينتظر؛ من حسن صوته، حتى يقول مجنون ليلى من شهرة أبي محذورة :

أما ورب الكعبة المعمورة وما تلا محمد من سورة


والنغمات من أبي محذورة لأفعلن فعلة مشكورة



_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:06

فهذا أصبح مشهوراً عند الناس، وبالمناسبة ذكر الذهبي أن أحد أبناء أبنائه كان مؤذناً، وكان فيه غفلة من غفلة الصالحين، فبعض الناس طيب وصالح، وفيه خير، لكن تأتيه غفلة، فكان يؤذن وبجانبه مغنٍ يغني بعود في بيت بجانب الحرم، فلما أراد أن يقول: حي على الفلاح، سمع ذلك يقول: إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم؛ لأن مجنون ليلى له قصائد يقول في بعضها:

صغيران نرعى البهم يا ليت أننا إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم


هذا في عالم الشقاء، عالم الضياع، عالم الغرام والوله والعبث، يقول: يا ليتني أنا وليلى هذه كنا صغيرين نرعى البهم ولا تكبر هي ولا أكبر أنا لأنهم حجبوها بعد ما كبرت، كنا نرعى البهم حتى نموت، وهذه أمنيته في الحياة، الناس تقطع أعناقهم في بدر وفي أحد ، والملائكة تتنـزل من السماء، والجنة مفتوحة وأنت تريد أن تكون أنت وهي ترعون البهم حتى تموتون.

يقول الشافعي : رأيت رجلاً في المدينة يعلم النساء الرقص، ويعلم الأطفال الضرب على الطبل، فإذا جاءت الصلاة صلى جالساً!! تعبان من الخدمات!

وأنا رأيت أناساً كباراً في الثمانين يعرضون ثلاث ساعات في العرضة، وإذا جاءت صلاة التراويح قال: ذبحتونا قتلتونا ما نقدر!

فهذا المؤذن سمع هذا يغني، فاختلط عليه الصوت يريد أن يقول: حي على الفلاح وإذا المغني يقول: لم نكبر ولم تكبر البهم فقال: حي على البهم، في مكة بالصوت المجلجل الطويل، وهذا ثابت ذكره الذهبي سيد المحدثين والمؤرخين.

أتينا إلى أبي محذورة سبب بركة الرسول صلى الله عليه وسلم: أنه خرج يوم بدر يرعى الغنم مع كفار قريش، فأراد الله له الهداية، واقترب من المعركة، فسمع بلال بن رباح يرسل نغمات الحق تملأ الفضاء؛ صوت الخلود يملأ الوجود، صوت التوحيد يعلن على العبيد، الله أكبر الله أكبر، فأخذ أبو محذورة يستهزئ، وهو شاب غلام في الوادي، يكرر مثلما يكرر بلال ، قال صلى الله عليه وسلم: عليّ بهم يقول: أحضرهم لنا، فأتوا بالشباب قال: من منكم أذن؟ يعني: يقلد بلالاً فسكتوا قال: أذن أنت قل: الله أكبر فأذن فقال: أنت، لأنه عرف الصوت بالصوت، فمسح رأسه ودعا له فأسلم، وأرسله مؤذناً في مكة ، فلم يحلق أبو محذورة رأسه بعد أن مسحه النبي صلى الله عليه وسلم، ما دام أن كفه الشريف وصل إلى هذا الشعر ممنوع يحلق، قال: وهذا ثابت بسند صحيح في السيرة فبقي رأسه لم يحلق حتى إذا جلس وصل إلى الأرض، وإذا قام وصل تحت المحزم، تحت منتصف جسمه، ويعلق بعض الأدباء، وللأدباء إشراقات ولطائف أذكرها كما جاءت فلا تعلقوا يقول:

ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه من المسك كافوراً وأعواده رندا


وما ذاك إلا أن هنداً عشية تمشت وجرّت في جوانبه بردا


هذا في وادٍ وهذا في وادٍ آخر.

ومن ذلك ما رواه الترمذي وحسنه -أيضاً- والبيهقي عن أبي زيد الأنصاري قال: {مسح الرسول صلى الله عليه وسلم على رأسي وقال: اللهم جمله وحسنه } فأتت عليه مائة وبضع سنوات، وكان أجمل من الشباب، ليس في وجهه تجاعيد ولا تغير وجهه، ولا سقط له سن، وكان وجهه يلمع لمعاناً كحد السيف، من بركته عليه الصلاة والسلام.



بركة أعضائه صلى الله عليه وسلم وآثاره




وأما بركة يده صلى الله عليه وسلم فيقول أنس خادمه: {والله ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف الرسول صلى الله عليه وسلم، والله ما شممت مسكاً ولا عبيراً أحسن من رائحة الرسول صلى الله عليه وسلم }.

روى البيهقي عن وهب بن حجر من ملوك اليمن قال: {وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلمت عليه فصافحني، فبقيت ثلاثة أيام وأنا أغسل يدي والله ما ذهب المسك من يدي }.

نام عند أم حرام بنت ملحان عليه الصلاة والسلام، فلما نام في القيلولة أخذ عرقه يتحدر كالجمان كالدر -كان صاحب عرق فعرقه صلى الله عليه وسلم غزير إذا نام- فأخذ يصب في الأرض -فانظر لحبهم له رأت أنه خسارة أن يصب هذا العرق- فقربت قارورة، وهي عجوز كبيرة، وهو صلى الله عليه وسلم أب للمؤمنين، فأخذت بكفها ومسحت الجبين الطاهر الأزهر الأنور الذي يلمع أجمل من البدر ليلة أربعة عشر، فعبأت القارورة فوجدت ريح المسك في بيتها، تقول: والله ما يمرض مريض في بيتنا فنأخذ قطرة من العرق ونجعله في القدر إلا يتشافى المريض بإذن الله.

لقد جعل الله أحب العباد إليه وأحسنهم وصفوتهم وخيرتهم محمداً صلى الله عليه وسلم، نظر في قلوب العالم كلهم فاختار قلبه للرسالة: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124] سبحانه وتعالى.

وأما هذا الحديث فأنا أعرض لكم تحسينه على البوصيري المحدث الشهير وأبو يعلى والبزار ، والحمد لله ولا فخر، وأنا ما تخصصت في الحديث، وأنا أورد عليكم أحاديث، فيها ما يقبل التحسين وله شواهد، ومن أحاديث السيرة فلا يلمنا لائم، فأحاديث السيرة نتوسع فيها مالا نتوسع في الحلال والحرام.

روى أبو يعلى والبزار بسند حسنه البوصيري : {أن ابن الزبير أتى وعمره ثلاث سنوات -وقيل أصغر في بعض الروايات- فوجد الرسول صلى الله عليه وسلم يحتجم -تعرفون دم الحجامة، وهو صلى الله عليه وسلم طاهر، وآثاره طاهرة- فوضع الدم من الحجامة في طست، وقال: يا عبد الله ! ضع هذا في مكان لا يراه أحد -بحيث يأخذ الدم ويخفيه- فأخذه ابن الزبير ومال وراء البيوت فشربه } هذا عبد الله بن الزبير صنديد يشرب الموت مثل شرب الماء، هو أول من طاف في السيل في مكة ، فر الناس في الجبال حين جاء سيل، فاقتحم الحرم وخرج الناس من بيوتهم على سطوح المنازل وهربوا إلى الجبال، ورأى ابن الزبير السيل يطوف بالحرم فألقى ثيابه واتزر ورمى نفسه في السيل، فطاف سابحاً سبعة أشواط، صنديد ستسمعون أخباره بعد قليل، المقصود أنه شرب دم حجامته صلى الله عليه وسلم وعاد بالصحن خالياً قال صلى الله عليه وسلم: أين وضعت الدم؟ قال: وضعته في مكان لا يراه أحد، قال صلى الله عليه وسلم: { ويل لك من الناس وويل للناس منك، لا تمسك النار } أما ويل لك من الناس: فأنت أصبح فيك جزء مني، فلا بد أن تبتلى مثلما ابتليت، أي: بشيء فقط من الأذى؛ لأن أكثر ما واجه الظلم والعدوان والحسد والإيذاء محمد صلى الله عليه وسلم، وأما ويل للناس منك، فمعناه: أنك يصبح عندك من العظمة والهمة والشجاعة والإقدام ما الله به عليم، وأما لا تمسك النار: كيف تمسك النار وبعض دمي في دمك؟!

يقول الذهبي شيخ المحدثين والمؤرخين: كان يصوم سبعة أيام متواصلة ليلاً ونهاراً، ويفطر في اليوم الثامن على سمن البقر، وكان يصلي في الليل النافلة، ليلة واقفاً من بعد صلاة العشاء يقف في الحرم -هذا ثابت عنه- إلى أن يقرب الفجر، ثم يركع، ثم يسجد ليلة كاملة، وليلة راكعاً طوال الليل من العشاء إلى الفجر، وليلة ساجداً، وقاتل أهل الشام قتالاً ما سمع بمثله في التاريخ، كان أمامه خمسمائة مقاتل يهزمهم قالوا: والله ما مثله إلا كالأسد أمامه المعزى، يقبل عليهم بالسيف، فيشردون من الأبواب، ثم يقبل على هؤلاء فيشردون من الأبواب، ثم في الأخير لما كثر عليه الرمي من كل جهة والمنجنيق، قام وكبر وصلى عند المقام، فأتته قذيفة، فوقعت في رأسه، فسقط شهيداً عند الكعبة، فرفع عند المقام، فأتى ابن عمر ليؤدي له التحية وهو ميت، قال: السلام عليك يا أبا خبيب ! أشهد أنك من المصلين الصائمين، أشهد أنك كنت وصولاً للرحم، ووالله إن أمة أنت شرها إنها أمة خيرة، وهو من خير الناس، ثم مرت أسماء أمه وهي عمياء، قالت: أما آن لهذا الفارس أن يترجل، فدفن وهو أحق الناس بقولهم:

علو في الحياة وفي الممات لحق أنت إحدى المعجزات


وذكر الحاكم وصححه أن ثابت بن قيس بن شماس خطيب الرسول صلى الله عليه وسلم، اختلف مع زوجته والخلاف قديم، فأقسمت بالله لا أرضع طفلك، حيث أتى له رضيع صغير، فأقسمت ألا ترضعه، فذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! الطفل سيموت؛ لأن أمه من العداوة أقسمت ألا ترضعه، فأخذه صلى الله عليه وسلم فبزق في فمه، وقال: أما إن الله سوف يسهل له من يرضعه، وإذا بأعرابية تصل إلى المدينة قالت: أين محمد بن ثابت بن قيس بن شماس قالوا: هو عند الرسول صلى الله عليه وسلم، قالت: رأيت في المنام قائلاً يقول: اذهبي فأرضعي محمد بن ثابت بن قيس بن شماس قال: وإن ثديها يقطر لبناً، فأرضعته وصار من أحسن الناس، وهذا من بركته عليه الصلاة والسلام.......


بركة نوره صلى الله عليه وسلم




أما نقل النور في العراجين منه عليه الصلاة والسلام فحدث ولا حرج، وقد ورد في ذلك ما يقارب خمسة أحاديث أو أكثر، منها عرجون قتادة بن النعمان صاحب العين رضي الله عنه، رواه أحمد والطبراني والبزار : {أنه أتى صلى الله عليه وسلم فسمر معه، ثم أراد أن يسير في ليلة ظلماء، فأعطاه صلى الله عليه وسلم عرجون عصا، وقال: هذا ينور لك عشراً أمامك وعشراً خلفك، وقال: كنت أرفعه كالشمعة، فيضيء ما أمامي، ويضيء ما خلفي، وهو عصا }.

وأتاه الطفيل بن عمرو الدوسي الزهراني ، فأسلم عنده، وطلب منه آية أن يعود إلى قومه دوس، فعاد فأعطاه الله نوراً في وجهه، قال: اللهم! انقله من وجهي حتى لا يقولوا مُثْلَةً، فوضعه في سوطه، فكان إذا رفع السوط أضاءت له جبال زهران ، وإذا خفض السوط أضاءت له أودية زهران ، ومثله حديث أبي بكر وعمر وعباد بن بشر وأسيد بن الحضير .......



_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:07

إخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيبات



......


إخباره بما في نفس وابصة



وأما إخباره صلى الله عليه وسلم بالمغيبات فلا حصر لها، فقد أخبر صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان بملاحم ومعجزات وفتن سوف



تحصل، وأتت كفلق الصبح حكمة من الباري سبحانه وتعالى، روى أحمد والطبراني عن وابصة بن معبد قال: {أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم -وقد جهز سؤالاً في خاطره وفي ضميره ولم يخبر أحداً من الناس- قال: فوصلت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قال: يا وابصة جئت تسأل عن البر والإثم -يقول: السؤال الذي عندك تسأل عن البر والإثم- قلت: نعم يا رسول الله! قال: البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس } فأخبره عليه الصلاة والسلام بما أسر.



إخباره بما في نفس أبي سعيد



وفي الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قالت لي أختي: أما ترى ما نحن فيه يا أبا سعيد ! من الفقر والجوع -يقول: أصابنا جوع لم يصبنا مثله قط- فقالت أختي: أما ترى ما نحن فيه، اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبت فإذا هو يخطب الناس فلما رآني -عرف صلى الله عليه وسلم بالقضية وما قالت له أخته وما جرى- قال: { ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، قال: ففهمت أنه أرادني فوالله ما سألته، ووالله لقد عدت، ورزقنا الله برزق، ولا أعلم في المدينة أناساً أكثر منا رزقاً الآن } إن الرسول صلى الله عليه وسلم عرف أنه أتى يطلب، فأخبره بالخبر، فعاد رضي الله عنه وأرضاه.



إخباره بما يجري لخبيب في مكة



وأما إخباره صلى الله عليه وسلم بأخبار أصحابه في الأقاليم وفي البلدان التي أرسل فكثيرة تفوق الحصر، فقد روى البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أرسلهم إليها، خبيب بن عدي ومن معه، واستأسره الكفار، ودخلوا بـخبيب بن عدي ، وهو صاحب خشبة الموت، وأول من سن ركعتين عند الموت خبيب بن عدي رضي الله عنه وأرضاه، وأول من أنشد عند الموت خبيب بن عدي ، وأول من ألقى دعاءً على الخشبة خبيب بن عدي ، فاستأسره كفار مكة ، فذهبوا به إلى غرفة، وأغلقوا عليه، ومنعوه من الطعام، فكان إذا جاع، يأتيه ملك من السماء بعنقود عنب، فيأكل حتى يشبع، فخرجوا به إلى ضاحية مكة ، فنصبوا له المشنقة، يريدون إعدامه، والكفار مجتمعون حوله، قال: أنظروني أصلي ركعتين؟ قالوا: صل، فصلى ثم سلم، وقال: والله الذي لا إله إلا هو لولا أن تظنوا أن بي جزعاً لطولت الصلاة، فرفعوه على خشبة الموت، قال: اللهم! احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ثم أنشد، ومن ينشد في الموت؟! أما خبيب بن عدي فقال:

ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي



وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع


بارك الله فيه وفي أشلائه، ثم قال: اللهم أخبر رسولك ما نلقى الغداة، يقول: بلغ رسولك منا السلام، وأخبره ماذا لقينا، فقال صلى الله عليه وسلم، وهو في المدينة ، وذاك في مكة في نفس اللحظة والوقت والزمن: عليك السلام يا خبيب ! عليك السلام يا خبيب ! عليك السلام يا خبيب !


إخباره بقتل أصحاب بئر معونة ومؤتة



وإخباره صلى الله عليه وسلم بأصحاب بئر معونة ، حيث قتل سبعون من القراء، ومنهم حرام بن ملحان طعنه رجل في ظهره، فخرج الرمح من صدره، فأخذ الدم ورش القاتل، وقال: فزت ورب الكعبة، فأخبر صلى الله عليه وسلم بقتلهم في لحظتهم، وقد ذكرت لكم أنه صلى الله عليه وسلم ذكر الشهداء من مؤتة ، وكشف الله له الغطاء، وهم في مؤتة جعفر الطيار وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة قال: {رأيتهم الآن عرضوا على أسرة من ذهب دخلوا الجنة، وقد عوض الله جعفر بن أبي طالب بجناحين في الجنة، يطير بهما حيث شاء } وهذا من إخباره صلى الله عليه وسلم في وقته بالمغيبات.



إخباره بفعل حاطب في فتح مكة



أراد صلى الله عليه وسلم أن يجهز جيشاً لـمكة ، وأخفى الأخبار حتى يبغتهم بغتة، يأتيهم بغتة وفجأة وهم لا يشعرون، فسد الأخبار وقال: {اللهم خذ بأسماع قريش وأبصارها } خذ بأسماع قريش، أي: اعم أبصارها وأسماعها، فلا تدري به صلى الله عليه وسلم، لئلا يتجهزون بجيش ويستعدون، ومباغتة العدو من أعظم الخطط العسكرية الرهيبة، كما ذكرها محمود شيت خطاب وغيره من الذين تكلموا في العسكرية الإسلامية.

قال: خذ بأسماعهم وأبصارهم، فأتى حاطب بن أبي بلتعة ، وأتى بامرأة قيل امرأة استأجرها، فكتب لأهل مكة ، وحاطب هذا من أهل بدر ومن أهل بيعة الرضوان من الصحابة، لكن يعثر العبد ويخطئ العبد؛ فهو ليس نبياً معصوماً، فكتب خطاباً سرياً خطيراً يكشف خطة الرسول عليه الصلاة والسلام، يريد هو رضي الله عنه أن يتخذ يداً عند كفار قريش يرضون عنه، فيتركون أبناءه وبناته وماله، ولا يؤذونه بشيء، فكتب: إن محمداً عليه الصلاة والسلام يريد قتالكم، فقد تجهز بجيش فاستعدوا، ثم أخذ الخطاب، فلفه ووضعه في جديلة وفي ظفائر وفي شعر المرأة، ولفها عليه، ثم غرزه وأخفاه، وقال: اذهبي انطلقي، فذهبت من المدينة حتى أصبحت في روضة خاخ ، لكن أين يذهب الخبر، والذي على العرش استوى لا تخفى عليه خافية؟! فأنزل الله جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال: أدرك ظعينة حاطب بن أبي بلتعة ؛ فإنها في روضة خاخ ، ومعها كتاب لكفار قريش يخبرهم بك، قال: يا علي ويا زبير ! انطلقا إلى روضة خاخ ، فانطلقا بفرسين يتسابقان فطوقا روضة خاخ ، وإذا بالظعينة بين الشجر، قالوا: أخرجي الكتاب، قالت: ما عندي كتاب، وحلفت لهم أيماناً لا تقبل ولا تهضم ولا تصدق، فقال علي بن أبي طالب : والذي نفسي بيده ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده لتخرجن الكتاب أو لأجردنك من الثياب، إما هذا وإما هذا، قالت: انتظروني قليلاً، فأخرجت الكتاب، فأخذا الكتاب واشتدا كالصقرين حتى عادا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتاب، قال: عليّ بـحاطب ، وأتوا بـحاطب من بيته، وعلم أن المسألة كشفت، فأجلسه صلى الله عليه وسلم للمحاكمة، وعمر بسيفه جاهز متخصص في قطع الرءوس على الطريقة الإسلامية.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حاطب ! ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله! ليس لي أهل ولا عشيرة ولا قوم في مكة ، ولي أبناء عندهم وبنات -أي: أن له شبهة لكنها لا تقبل- فأردت أن يكون لي يد، فسكت صلى الله عليه وسلم فقال عمر : يا رسول اللهّ! ائذن لي أن أضرب عنق هذا المنافق؛ فقد خان الله ورسوله، وسل السيف، قال: {يا عمر ! دعه، يا عمر ! لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم } فدمعت عينا عمر ، أي أنه من كان من أهل بدر ، لا يسبقه فضل، ولا ترقى إليه درجة ولا منـزلة أبداً ولا رتبة، فكف عمر السيف، فأخبر الله رسوله بهذا الخبر وما حصل، ومثله كثير في السيرة.



إخباره بحديث عمير بن وهب مع صفوان في مكة



كان صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في المسجد وهو يتحدث لهم صلى الله عليه وسلم، وإذا بـعمر بن الخطاب مقبل، ومعه رجل، وقد أخذ عمر بتلابيب ثياب الرجل وبحمالة سيفه يقوده في المسجد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟ قال: هذا عمير بن وهب أتى ومعه الشيطان، فقال: اتركه يا عمر ! فأطلقه رضي الله عنه وسيفه معه، فأجلسه صلى الله عليه وسلم أمامه، وكان قد أتى من مكة ، قال: {ماذا أتى بك يا عمير بن وهب ؟ -وهذا بعد بدر والأسارى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: يا محمد! أتيت أفادي الأسارى الذين عندك -أي: أدفع الفدية وآخذ الأسارى- قال: كذبت، أنت جلست مع صفوان بن أمية ليلة كذا وكذا بعد صلاة العشاء بالحرم، فقلت له أنت: أما ترى ما فعل محمد بنا في بدر ، قتل منا سبعين، وأسر منا سبعين، ليت لي بمن يكفيني أهلي ومالي، وأذهب إلى محمد، وأقتله في المدينة ، قال لك صفوان : أنا أكفيك مالك وأهلك واذهب فاقتله، فأتيت تقتلني وما كان الله ليسلطك عليّ، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، والله ما علم بي إلا أنت فمن أخبرك؟ قال: نبأني العليم الخبير، فأسلم واغتسل ودخل في دين الله }.

وقد ذكر ابن سعد وابن عساكر أن شيبة بن عثمان أحد بني عبد الدار، وهم أهل مفاتيح الكعبة، قال: خرجت يوم حنين ما كان لي من قصد إلا أن أقتل النبي صلى الله عليه وسلم -خرج مع جيش المسلمين أصلاً، ظاهره الإسلام- فلما التقى صلى الله عليه وسلم والتقى مع الكفار، وإذا بالكتائب أقبلت، قال: ففر الناس، فنـزل صلى الله عليه وسلم من على بغلته، وغشيه الناس، وأخذ حفنة من تراب، فنثرها وقال: شاهت الوجوه، ووالله ما بقيت عين من عيون الكفار إلا دخلها شيء، فرفعت سيفي أريد أن أقتله قال: فلمع بارق بيني وبينه حتى كاد أن يأخذ بصري، فعدت فوضعت يدي على بصري فتأخرت، فقال: ادن مني ادن مني فدنوت منه، فوضع يده على صدري وقال: اللهم أعذه من الشيطان، فوالله ما رفعها إلا صار أحب إليّ من سمعي وبصري وأهلي والناس أجمعين، فأسلمت وحسن إسلامي.

فمعجزاته صلى الله عليه وسلم كثيرة، ولو أخذنا في ذكرها، لطال بنا المقام، وأحببت أن نقتصر على مثل هذه، وإلا فقد انشق له القمر عليه الصلاة والسلام، وقد أخبر بقتل كسرى، فقتل في نفس الليلة التي أخبر فيها صلى الله عليه وسلم.



إخباره بفعل عيينة بن حصن مع أهل الطائف



وأرسل عيينة بن حصن -كما عند البيهقي وأبي نعيم - يفاوض أهل الطائف ، وعيينة هذا إسلامه ضعيف وقد ارتد، وهو سيد من سادات غطفان ، قال: اذهب وفاوض أهل الطائف في الحصون ينـزلون على حكمي على الإسلام، فذهب إليهم فقال: تحصنوا -بخلاف ما أرسله عليه الصلاة والسلام- لعلكم تعزون ويعزكم العرب، ثم أتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقال له: ماذا قلت لهم؟ قال: قلت لهم: أسلموا ودعوتهم إلى الإسلام قال: كذبت، بل قلت لهم كذا وكذا وكذا.




فوائد عرض معجزات النبي صلى الله عليه وسلم




فالله يطلع رسوله صلى الله عليه وسلم من أخبار الغيب على ما شاء، والمقصود من مثل هذا الحديث:

أولاً: تعظيم وتوقير وتقدير الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثانياً: زيادة الإيمان بمعرفة هذه البينات والآيات والبراهين والأدلة.

ثالثاً: زيادة الاتباع له صلى الله عليه وسلم.

رابعاً: الرقة والخشوع عند ذكر سيرته وسنته وطلب هذه العلوم التي كادت تنطمس مع الثقافة العصرية الوافدة، وأصبح قليل من الناس من يقرأ حديثاً، وقليل منهم من يستمع معجزاته، وقليل منهم من يطلع على سيرته صلى الله عليه وسلم، وقليل منهم من يطالع تاريخه المشرق الذي لا يوجد تاريخ أحسن ولا أجمل ولا أصدق منه.

فأردنا أن تكون هذه السيرة معيناً علَّ الله عز وجل أن ينير بها القلوب وأن يهدي بها النفوس، وأن يثبتنا على سنته وسيرته حتى نلقاه.

وهنيئاً لكم أنتم موفقون بحول الباري، أسأل الله بهذا المجلس المبارك أن يجعله موصولاً برضوانه سبحانه، وأن ينـزل علينا السكينة والرحمة والرضوان، وأن يذكرنا في من عنده، وأن يعتق رقابنا من النار، أتوسل إليه سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأطمع في فضله -فإنه جواد كريم محسن- أن يتغمدنا وإياكم برحمته.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.......


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:07

ذو العرش المجيد ينـزل نعمه على العبيد


إن الله عز وجل قد أنزل علينا من النعم الكثيرة التي لو قضى الإنسان عمره في شكرها لما كفى ذلك، ولكن على الإنسان أن يبذل جهده في شكرها.

وأعظم نعمة منَّ الله بها علينا نحن البشر هي نعمة الإسلام وكذلك نعمة القرآن والسنة، ومن الأحاديث التي جاءت في السنة حديث أبي ذر العظيم في تحريم الظلم، وقد وقف الشيخ عند كل لفظة من ألفاظه وشرحه شرحاً مفصلاً.

ميراث النبي صلى الله عليه وسلم




الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، المعلم الجليل، والهادي النبيل، صلى الله وسلم على من كسر بدعوته ظهور الأكاسرة، وقصر برسالته آمال القياصرة، الذين طغوا وبغوا حتى أرداهم ظلمهم في الحافرة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:1-11].

وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195].

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

أيها الفضلاء أيها النبلاء: وإنها لفرصة سانحة ونادرة.

إن يكد مطرف الإخاء فإننا نغدو ونسري في إخاء تالد


أو يختلف ماء الغمام فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد


أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد


أما رسالتنا فهي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي رسالة الخير والعدل والسلام، وسبق في ليلة أمس أنها تحمل كذلك الحب والإيمان والطموح، ولكن لا يمنع ذلك إذا حملت الحب والإيمان والطموح أن تحمل العدل والخير والسلام، وهذا الدرس سيكون في فن الحديث، وفي ميراث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي بضاعته التي رخصت عند الذين لا يفهمون ولا يفقهون ولا يعون.

تعال يا من حاله في وبال ونفسه محبوسة في عقال!


يا رقداً لم يستفق عندما أذَّن في صبح الليالي بلال


روض النـبي المصطفى وارفٌ أزهاره فاحت بريا الجمال


ميراثه فينا جميل الحلى وأنتم أصحابه يا رجال


من يرث (لا إله إلا الله) إلا أنتم؟!

من يرفع (لا إله إلا الله) إلا أنتم؟!

من يتفقه في (لا إله إلا الله) إلا أنتم؟!

من يموت على (لا إله إلا الله) إلا أنتم؟!


الحديث هو فيض من صحيح مسلم ، وهو من قواعد الإسلام الكبرى، واستمعوا إلى البلاغة والحرارة والروعة والحب والجمال والعدل والخير والسلام.......


شرح حديث أبي ذر رضي الله عنه في تحريم الظلم




عن أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: {يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا.

يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم.

يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم.

يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم.

يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني.

يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم.

يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئاً.

يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئاً.

يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.

يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه }.

هذا الحديث رواه مسلم ، وهو حديث شامي، قال الإمام أحمد : ليس لأهل الشام أشرف من هذا الحديث.

وراويه عن أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه أبو إدريس الخولاني ، وقد أتى من طرق أخر عن غير أبي إدريس ، ورواه الإمام أحمد في المسند بلفظ مختلف، وروى منه شذراتٍ الإمامُ الترمذيُّ في سننه ، وهذا الحديث تجنب البخاري إيراده لعلة سهلة خفيفة لا توجب رد الحديث، ولكن البخاري له خيوط من الدقة والفطنة لا يرقى إليها شرط مسلم .

هذا الحديث فيه قضايا وعبر وإشراقات، وهذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام، كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث به جثا على ركبتيه! إنه حديث يكسبك العدل والخير والسلام.......



ترجمة أبي ذر الغفاري



والقضية الأولى: من هو أبو ذر الغفاري ؟

أبو ذر هو الزهد، والزهد هو أبو ذر .

أبو ذر هو العبادة الناصعة والمدرسة المتوجهة التربوية التي تركها صلى الله عليه وسلم في العالم.

أبو ذر ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء فمجده، وذكر أنه من العلية الخالصة من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام.

يمتاز أبو ذر بأنه يبحث عن الحقيقة في وقت ضاعت فيه الحقيقة، أتى طالباً للهدى في وقت فقد فيه الهدى، هو من الصحراء، واضح وضوح الصحراء، صادق صدق الصحراء، شجاع شجاعة الصحراء.

أبو ذر غفاري من قبيلة غفار، التي تسلب الراحل في الليل لكنه هو لا يسلب أحداً بعد أن تعلم الخير والعدل والسلام.

سمع أن الرسول عليه الصلاة والسلام طرق العالم، وتحدث بلا إله إلا الله في مكة ، فأرسل أخاه إلى مكة ، فذهب أخوه ولكن ما شفى له غليلاً ولا روى له عليلاً، فأتى أبو ذر ، فركب ناقته، وذهب ووصل إلى مكة حيث الصخور السوداء، حيث الرسالة التي انبعثت من مكة ، وحيث دعوة الله تعلن عالميتها، وليس معه إلا أربعة نفر، أبو بكر وزيد بن حارثة وخديجة وعلي بن أبي طالب ، رجل ومولى وصبي وامرأة، والله يقول عن نبيه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] فيضحك كفار مكة من هذه الرحمة التي للعالمين، وهو يحارب ويطرد ويجاع!

وبعد خمس وعشرين سنة سرت الرحمة المعطاة من الله إلى سمرقند ، وطاشقند ، والسند ، والهند ، وإلى بقاع الأرض وبقاع المعمورة.

من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا


كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا


إن هذا الدرس كمقدمة، وليس درساً تخصصياً إلا في الحلقة الثانية إن شاء الله، لكنه أشبه بالشذرات في التوجه والتربية، ليكون ديباجة للموضوع وممهداً لهذا الفصل من الحديث في فن الحديث.

فوصل أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه إلى مكة ، لكنه لا يعرف أحداً في مكة ، ولا يعرف أين يذهب، آواه الليل فاستتر بثياب الكعبة، وهو يحمل في قلبه البحث عن العدل والخير والسلام، ما وجد طعاماً، فما في مكة من يطعمه لأنه غريب.

غريب من الخلان في كل بلدة إذا عظم المطلوب قل المساعد


فأخذ يشرب من ماء زمزم، قال عن نفسه: شربت ماء زمزم، فأغناني الله به عن الطعام، فما جعت أبداً، حتى تكسرت عُكَنُ بطني من السمن، وهذه الخاصية ليست إلا لزمزم، ولا تكون لماء آخر في الأرض.

وإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال


ثم نزل رضي الله عنه فوفق بـأبي الحسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صاحب الكلمة النفاذة والحسام الماضي في رقاب المعاندين، فعرف علي أنه غريب، فلما رآه تبعه ولم يسأل واحد منهما صاحبه، وهكذا في اليوم الثاني والثالث، فقال له علي : ألا تحدثني بالذي أقدمك؟

فأخذ عليه عهداً أن يرشده إلى ما يريد، فقال: إني سمعت عن رجل هنا يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، فقال علي : فإنه حق، وإنه رسول الله، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئاً أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، وإن مضيت فاتبعني حتى تدخل معي، وهذا كما قيل: إن في المعاريض مندوحة عن الكذب.

وانطلق أبو ذر في أول لقاء حار ومناظرة ساخنة بين التلميذ وشيخه، وبين الطالب ومعلمه، يقول له في أول اللقاء: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فأطلقها أبو ذر قوية مؤثرة: السلام عليك ورحمته وبركاته، فكان أول من حيا رسول الله بتحية الإسلام، فرد عليه صلى الله عليه وسلم وجلس أبو ذر .

واسمع إلى الحوار الهادئ وإلى التوجه الرباني، وإلى هداية الله، يهتدي هذا من قبيلة غفار البدوية البائسة، وأهل البلد الحرام لا يهتدون، أبو طالب وأبو لهب وأبو جهل وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23].

فقال: يا رسول الله! ماذا أرسلك الله به؟

فقرأ عليه شيئاً من القرآن، وتكلم بشيء من الدعوة فأسلم، فقال له صلى الله عليه وسلم: من أين أنت؟ قال: أنا أبو ذر الغفاري من غفار، فتبسم عليه الصلاة والسلام، غفار تأتي لتسلم، وتأبى قريش أن تسلم!

وهم أهل زمزم والحطيم والصفا والمروة ، إنها هداية وولاية الله! قال: فعد إلى أهلك، فإذا سمعت بخروجي وانتصاري فتعال، ولكنه رفض أن يهدأ، بل قام على الصفا ، فأعلن إسلامه فضرب حتى أصبح لابطاً في الأرض، وهكذا العظماء يضربون ويقتلون ويجرحون ويسجنون ويجلدون، فقام العباس وقال: اتركوه فإنه من غفار.

ثم عاد فأرسل دعوته في غفار، وأسلم معه سبعون من بيوت غفار، ودخل المدينة بجيش من المسلمين، ثم واصل المسيرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي تبوك تخلفت به ناقته وهو في الصحراء وفي الرمضاء، يقتلع خطاه من الأرض اقتلاعاً في حرارة الصيف وفي وهج الشمس، فيقول عليه الصلاة والسلام لما رآه في حديث في سنده نظر: {رحمك الله أبا ذر ، تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك }.

وعاد إلى المدينة فقال له صلى الله عليه وسلم: {يا أبا ذر ! إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج من المدينة } وهذا الحديث سنده حسن أورده الذهبي في السير وغيره، والمقصود بـسلع جبل في المدينة ، ومعنى الحديث: إذا بلغ العمران جبل سلع وامتدت المدينة ، فاخرج بإيمانك وعبادتك وزهدك.

كأنه شفاف، لا يستطيع أن يعيش مع الصخب، وبعض النفوس كالجوهر اللماع أي شيء يؤثر فيه، أو كالثوب الأبيض يتأثر من أي شيء لنصاعته وطهره، فلما بلغ البناء سلعاً أخذ غنمه وخيمته وعصاه، وخرج إلى الربذة على مسافة ثلاثة أميال من المدينة .

لا طفوني هددتهم هددوني بالمنايا لا طفت حتى أحسَّا


أركبوني نزلت أركب عزمي أنزلوني ركبت في الحق نفسا


أطرد الموت مقدماً فيولي والمنايا أجتاحها وهي نعسى


أنا عاهدت صاحبي وخليلي وتلقنت من أماليه درسا


توفي في الربذة ، ولفظ أنفاسه على زهد وعبادة وإخلاص، ويكفيه شرفاً أنه حفظ هذا الحديث الذي يصل إلى القلوب مباشرة.


تعريف العبادة



وفي الحديث قضايا:

أولها: سند الحديث صحيح من طريق مسلم ، ومسلم يشترط المعاصرة وإمكان اللقيا، ولا يشترط أن تحدث اللقيا بين الشيخين، لذلك هو يستهل صحيحه بهجوم صاعق على الذين يخالفونه في هذه القاعدة، ويلومهم على المخالفة، وقال: من يشترط هذا؟! وعمل الناس في الحديث على غيره!

ثانيها: في غير الصحيح وردت زيادات توقف في صحتها بعض الحفاظ ومجالها بحث آخر.

يقول سبحانه وتعالى: يا عبادي! وأشرف لفظ تسمى به أن تكون عبداً لله.

لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي


والعبودية لفظ مجمل يحتاج أهل السنة والجماعة إلى تفصيله للناس.

قيل في تعريف العبادة: هي أداء المأمور واجتناب المحظور.

وقيل في العبادة -وهذا تعريف طلق بن حبيب - هي: أن تعبد الله، على نور من الله، ترجو رحمة الله، وأن تجتنب معاصي الله، على نور من الله، تخاف عذاب الله.

وقيل في العبادة: هي أن تكون على الصراط المستقيم الذي ذكره سبحانه وتعالى بقوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].

وقيل في العبادة: هي أن تتولى ولاية الله وتتقمصها، فتكون من الذين قال الله فيهم: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63].

وقيل: العبادة هي أن تؤدي المفروض، وتجتنب المحظور، وأن تتقرب بالمستحبات، وتنتهي عن المكروهات.

ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن في هذا التعريف الأخير نظراً، وذلك عندما شرح حديث الولي في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه يرفعه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، يقول الله تبارك وتعالى: {من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلىَّ عبدي بأحب مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل } الحديث.

فـابن تيمية يرى أن الحديث قسَّم الناس إلى قسمين: سابق بالخيرات، ومقتصد، وهذا لا يعفينا من التقسيم التفصيلي، لا النقلي التجريبي الذي نقله بعض الفقهاء ثم سكتوا عنه.

إذاً: فالعبادة على درجتين، لكن من يقول لكم: إنها على ثلاث درجات، فقد صدق لقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32].

إذاً: أقسام العباد في هذه الآية ثلاثة أقسام: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32].

وعند ابن القيم وابن تيمية أن الثلاثة يدخلون الجنة، بيض الله وجهي الشيخين فقد أدخلونا ونحن ظلمة لأنفسنا في الثلاثة، ولو كان على الصنفين وهو رأي الجمهور، لما دخل الظلمة في قوله سبحانه وتعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا [الرعد:23].

إذاً: فالظالم من ترك بعض المأمورات، وارتكب بعض المحظورات.

والمقتصد: من فعل الفرائض واجتنب الكبائر.

والسابق بالخيرات: من أتى بالفرائض والنوافل واجتنب المحرمات والمكروهات.

قوله: {يا عبادي } العبودية عرفها أهل الإسلام كما أسلفت، ولكن لبعض الناس من أرباب القلوب والسلوك تعريف، ولكنه كالزهرة يشم ولا يُعَك، وبعض هذا التعريف نرفضه ولا نقبله، لأنه جاء من غلاة الصوفية كقول الصوفي الغالي: العبادة هي ألا تطلب عليها ثواباً.

كيف والله يقول في عباده: يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ [الفتح:29]؟!

وكيف والله سبحانه وتعالى قال: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [آل عمران:169-170]؟! كيف لا يفرحون؟!

فهذا التعريف يعارض فرح المؤمنين بجزاء الله، والصوفي الآخر الغالي يقرأ قوله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران والله يتحدث عن أهل أحد مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران:152] فصفق بين يديه وقال: سبحان الله! وأين الذين يريدون وجه الله؟!

الله يقول: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا [آل عمران:152] أي: الغنائم، ومنكم الأبرار الأخيار الذين يريدون الآخرة: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران:152] لكن هذا جعل الصنفين كليهما باطلاً ومتبراً عملهم وهذا قول.

وهناك تعريف آخر يعرفه سحنون المغربي المالكي يقول: العبادة هي الرضا بالمصائب، ولكنه ليس بواجب، بل الرضا مستحب والصبر واجب.

وسمنون العابد يرى أن العبادة: هي أن تتقبل البلاء وأن تنجح في الاختبار، حتى كان يقول كما في صفة الصفوة : اللهم أجر بلاءك علي بما شئت، ويقول:

إني أنا عبدك المذلل فحيثما شئت فامتحني


قالوا: فابتلاه الله بحصر البول، فكان يمر على الأطفال ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب، والله عز وجل يقول: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31].

قال الفضيل بن عياض : اللهم لا تبلنا فتفضحنا، الستر الستر والعفاف العفاف.

كأن رقيباً منك يرعى مسامعي وآخر يرعى مسمعي وجناني


فما خطرت من فيَّ بعدك خطرة على القلب إلا عرجا بعناني


{يا عبادي } هذه أشرف لفظة، والنبي صلى الله عليه وسلم بلغ أعلى مقامات العبودية، أما نحن فمنا مقتصد وسابق وظالم لنفسه، والناس درجات، بين كل درجة والأخرى كما بين السماء والأرض، والدرجات عددها لا يعلمها إلا الله، ولكن منـزلة الوسيلة ليست إلا مقعداً واحداً، هو محجوز للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو أعلى درجات الهداية والعبودية التي ارتقى إليها صلى الله عليه وسلم.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:08

وهل يسمى الكافر عبداً؟

نعم. يسمى عبداً في الإطلاق الخلقي الأمري الكوني، وأما الإطلاق الديني الشرعي فلا يسمى عبداً، لأنه عبد بالقهر والقوة، وليس عبداً بالانقياد والطاعة كما قال تعالى: ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11] فأتى المؤمن طائعاً فكان عبداً، وأتى الكافر كارهاً فكان عبداً، فعبودية الكافر كونية خلقية، وعبودية المسلم أمرية دينية شرعية، فكونوا ممن انقادوا إلى (لا إله إلا الله) وقبلوا دعوة الله.



تعريف الظلم وأقسامه



صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: {يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا }.

أولاً: في هذه الكلمة ثلاث قضايا:

القضية الأولى: من الذي حرم الظلم على الله؟ وهل تقع الأحكام على الله؟ وهل يجب عليه شيء ويحرم عليه شيء ويجوز له شيء، ويستحب في حقه شيء؟

القضية الثانية: ما هو الظلم؟ وما هو حده، وتعريفه؟

القضية الثالثة: ما هي أنواع الظلم؟


أما قوله سبحانه وتعالى: {إني حرمت الظلم على نفسي } فهذا التحريم عند المحققين من أهل السنة والجماعة هو تحريم أورده الله على نفسه ولم يورده أحد من الناس جل الله عن ذلك وتعالى الله علواً كبيراً، فالله له أن يوجب على نفسه شيئاً وأن يحرم شيئاً، وأن يحبب شيئاً وأن يكره شيئاً، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين : {أتدري يا معاذ ! ما حق الله على العباد وحق العباد على الله؟ }^ قال ابن تيمية : هذا حق أوجبه الله على نفسه ولم يوجبه أحد من الناس، إذاً فهو الذي حرم الظلم على نفسه، ولم يحرمه أحد من الناس، جل الله أن يحرم عليه أحد من خلقه أو يشرع بين يديه أو يتفتى في أوامره وشرائعه وفرائضه وسننه.

أما الأمر الثاني: بالنسبة لتعريف الظلم وحده:

الظلم عند أهل اللغة: وضع الشيء في غير موضعه، وعند أهل الأصول: هو عبادة غير الله تبارك وتعالى، أهل الأصول أعني بهم أهل الإسلام من أهل السنة والجماعة ، قال سبحانه وتعالى على لسان لقمان لابنه: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:12-13]^ فالشرك ظلم، والظلم عند أهل الأصول هو عبادة غير الله أو الشرك مع الله أو الإشراك مع الله إلهاً آخر، قال سبحانه وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]^.

وفي الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال: {لما نزل قوله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]^ قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! وأينا لم يظلم نفسه! قال عليه الصلاة والسلام: إنه ليس الذي تريدون، أما سمعتم قوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] } فالحمد لله، فما دام أن الظلم في الآية هو الشرك، فيتخلف كثير من الناس من مغبة هذا الظلم لأن المشركين في أهل السنة والجماعة قليل إن شاء الله.

أما الأمر الثالث: وهو أقسام الظلم فهو على أقسام متعددة:

الأول: ظلم العبد لربه.

الثاني: ظلم العبد لنفسه.

الثالث: ظلم العبد لإخوانه.

أما الظلم الذي هو ظلم في جانب المولى تبارك وتعالى فهو أن تعبد غير الله، ولقد سئل صلى الله عليه وسلم عن أعظم الذنوب، وهذا في الصحيحين عن ابن مسعود قال: [[أن تجعل لله نداً وهو خلقك-أو وقد خلقك- ]]^.

وظلم العبد لنفسه: ويدخل في ذلك الشرك والمعاصي؛ كبيرها وصغيرها، جليلها وحقيرها، كل معصية فهي ظلم بحسبها على العبد.

وأما ظلم العبد لإخوانه فهو أن يأخذ من حقوقهم أو أعراضهم أو أموالهم أو دمائهم، ولذلك ذكره سبحانه وتعالى لأنه أكثر ما يقع الناس فيه، وهو مستساغ لدى النفوس والقلوب.

ثم قال: { يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً }^ في أي كلام حرم الله الظلم؟ في قوله سبحانه وتعالى: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ [آل عمران:108]^ ، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]^ هذه الآيات وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [آل عمران:117]^ ، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء:40]^ هذه الآيات وأمثالها معناها أن الله عز وجل كتب على نفسه ألا يظلم أحداً.

وورد في القرآن: الهضم والظلم، فما هو الهضم؟ وما هو الظلم؟ الظلم: هو أن يؤتى بسيئات غيرك فتوضع عليك، والهظم: هو أن يقلل من حسناتك وتذهب حسناتك شذر مذر، فالله لا يظلم ولا يهضم، لا يسلب من حسناتك ولا يعطيك من سيئات غيرك { فلا تظالموا }^ و {الظلم ظلمات يوم القيامة }^ كما في الحديث الصحيح و الظلم قطيعة بين العبد وربه، والظلم أول ما عصي الله به في الأرض، فقد ظلم قابيل هابيل ابني آدم، فوقع الظلم في الدنيا، وقد ذكر أهل العلم قصصاً من الظلم، والظلم -أيها الإخوان- ينافي العدل والسلام والخير، كما أنه نهى عنه صلى الله عليه وسلم كلما أرسل رسولاً من أصحابه.

جاء في الصحيحين من رواية ابن عباس لما أرسل معاذاً إلى اليمن قال: {وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب }^ وفي السنن في الحديث الحسن قال صلى الله عليه وسلم: {ثلاثة لا ترد دعوتهم: -ومنهم- والمظلوم يرفع الله دعوته فوق الغمام، ويقول: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين }^.

سجن هارون الرشيد أبا العتاهية الشاعر وكان مظلوماً فأرسل له رقعة يقول فيها:

إلى الديان يوم العرض نمضي وعند الله تجتمع الخصوم


فأخرجه وبكى هارون الرشيد من هذه الرقعة.

والظلم -كما قلت لكم- وضع الأمور في غير مواضعها، أتى ابن هاني الشاعر الفاجر الأندلسي فقال لأحد السلاطين:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار


سبحان الله!

فابتلاه الله بمرض -فعقوبة الظالم تقع في الدنيا- حتى كان يتململ ويعوي وينبح كالكلب على فراشه وأخذ يبكي ويخاطب رب العزة ويقول:

أبعين مفتقر إليك نظرتني فأهنتني وقذفتني من حالق


لست الملوم أنا الملوم لأنني علقت آمالي بغير الخالق


وهذا جزاء من ظلم عباد الله.

ذكر ابن كثير والذهبي في السير أن أحد السلاطين قدم عليه عالم من العلماء، فتقدم هذا العالم فقال كلمة الحق عند هذا السلطان، وقد صح بذلك الحديث: {أفضل الحهاد كلمة حق عند سلطان جائر }^ والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان ظالم فقال كلمة حق فقتله }^ فقام هذا العالم أمام هذا السلطان، فتكلم أمامه، فغضب السلطان فضربه على وجهه كفاً حتى أجلسه، فقال العالم: قطع الله يدك، فما مضى عليه شهر إلا وأخذ وعزر وقطعت يده وعلقت بباب الطاق في مدخل بغداد .

وذكر الذهبي وابن كثير في ترجمة ابن الزيات الوزير العباسي الذي شارك في الحلف الابتداعي ضد إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل صاحب التوجيه والتربية والهدى المستقيم، فكان ابن الزيات يستهزئ بتعاليم أهل السنة وشارك في سجن الإمام أحمد ، فكان الإمام يدعو في الثلث الأخير من الليل ويرفع يده إلى الحي القيوم على ابن الزيات يقول: اللهم احبسه في جسمه، قال الذهبي : فأصيب ابن الزيات في جسمه فشلَّ جسمه وأدخله الواثق في فرن وعذبه فأخذ يزوره علماء أهل السنة بعد موت الإمام أحمد ، قالوا: والله ما زرناك عواداً ولكن أتيناك شامتين، أتينا نشمت بك، يا أيها المبتدع الضال، يا رأس العمالة والضلالة، لقد أصابتك دعوة إمام أهل السنة والجماعة .

وأما أحمد بن أبي دؤاد القاضي المبتدع، الذي يقول عنه الذهبي : أحمدنا: أحمد بن حنبل وأحمد أهل البدعة: أحمد بن أبي دؤاد القاضي والوزير الكبير، فدعا عليه الإمام أحمد أن يعطيه الله أول جزاءه في الدنيا، فشل نصفه والنصف الآخر بقي مرتعشاً يقول: والله لو قرض نصفي بالمقاريض ما أحسست، ولو وقع الذباب على النصف الآخر لكأن القيامة قامت عليّ.

إن الظلم شأنه عظيم يوم يظلم الظالم فلا يجد له ناصراً ولا ولياً من دون الله، والظلمة على مر التاريخ كثيرون، ومن أعظم من ظلم أهل المبادئ والأسس وأهل الأهداف والدعوات، وعلى رأس القائمة سعيد بن المسيب ، طالب منه بنو أمية أن يبايعهم ليكون الملك وراثياً فرفض وقام في وجه هذا، وأنكر البدع المضللات في المدينة ، فجلد مائة جلدة، على ماذا؟ وحمل على جمل وطيف به في المدينة عجيب!! أسعيد بن المسيب سعيد الزهد والحديث والعبادة يحمل على جمل؟! أفجر أم سرق أم شرب الخمر؟! أسكر وانتهك المحرمات؟! لا والله. حمل على جمل وطيف به في المدينة .

علو في الحياة وفي الممات بحقٍ أنت إحدى المعجزات


كأن الناس حولك حين قاموا وفود نداك أيام الصلات


كأنك واقف فيهم خطيباً وهم وقفوا قياماً للصلاة


فبقي اسمه مسجلاً في سجل الخالدين وورثة الأنبياء والرسل.

ومن الظلم الذي تعرض له أرباب الدعوات الأصيلة والأهداف الجليلة: سعيد بن جبير ما أخذ مالاً ولا سفك دماً ولا اعتدى على فرج حرام، ولا انتهك المحرمات، لكنه يريد أن تبقى لا إله إلا الله محمد رسول الله عالية فوق الرءوس، استدعاه الحجاج ، واسمعوا للمناظرة الحارة بين هذا العالم والفاجر السفاك الحجاج .

يقول الذهبي في ترجمة الحجاج : نبغضه ونعتقد أن بغضه من أوثق عرى الدين، يقول في السير : له حسنات لكن انغمرت حسناته في بحار سيئاته.

وذكر في تحفة الأحوذي للمباركفوري المناظرة الحارة بين هذا العالم وهذا السفاك، فقال: دخل سعيد بن جبير على الحجاج فقال له: ما اسمك؟ سبحان الله! لا تعرف اسم سعيد بن جبير الذي تلألأ به البخاري ومسلم ، والترمذي وأبو داود والمسند ؟! لا تعرف اسماء الخالدين الذين سجلت أسماؤهم في صفحات من نور في الصدور؟!

من تلظي لموعه كان يعمى كاد من شهرة اسمه لا يسمى


قال: ما اسمك؟

قال: اسمي سعيد بن جبير .

قال: بل أنت شقي بن كسير.

قال: هكذا سمتني أمي.

قال: شقيت أنت وشقيت أمك.

قال: الشقي من شقي في بطن أمه.

قال الحجاج : والله لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى.

قال سعيد : لو كان ذلك عندك لاتخذتك إلهاً من دون الله.

قال الحجاج : علي بالعود، فأتي بعود وجارية فضرب العود والناي في مجالس اللاهين اللاغين الذين لا يعرفون القرآن ولا يعرفون حدثنا، ولا يعرفون الكلام الذي يرسخ في القلوب ويغرس في النفوس، غنت الجارية واندفعت تغني والعود يضرب فبكى سعيد قال الحجاج : أهو الطرب؟

قال: لا والله. ليس بالطرب، لكن جارية سخرت في غير ما خلقت له، سبحان الله! الجارية خلقت لتعبد الله فسخرت للغناء، وعود قطع من شجرة في غير ما خلق له.

قال الحجاج : عليّ بالذهب والفضة، فأتي بالذهب والفضة فنثر بين يدي سعيد ، أسعيد بن جبير يريد ذهباً وفضة؟ أيريد دراهم ودنانير؟ لا. إنه يريد رضا الله وجنة عرضها السموات والأرض، فنثر الذهب والفضة، وقال: خذ من هذا.

قال سعيد : يا حجاج ! إن كنت أخذت هذا لتتقي به من غضب الله ومن نار أعدها الله لأعدائه، فقد والله أحسنت، وإن كنت أخذته للدنيا فهو متاع قليل، عما قليل يفارقك وتفارقه.

قال الحجاج : يا سعيد ! اختر أي قتلة تريد، فوالله لأقتلنك قتلة ما قتلها أحد من الناس.

قال سعيد : -وهو يتبسم- يا حجاج ! اختر لنفسك أي قتلة تريد أن تقتلني، فوالله الذي لا إله إلا هو لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله بمثلها يوم القيامة.

قال الحجاج : خذوه إلى غير القبلة.

قال سعيد : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]^.

قال: أنزلوه إلى الأرض.

قال: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ [طه:55]^.

قال: اذبحوه.

قال: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، اللهم لا تسلط الحجاج على أحد بعدي.

سمع أهل الإسلام بمقتل سعيد بن جبير فاهتزت الدنيا، وقامت المساجد تصلي عليه، مولى من الموالي لكنه صاحب علم وزهد وعبادة وتوهج وتربية، وقيام ليل وإخلاص، فلما قتل قام الحسن البصري أو غيره فاستقبل القبلة، وقال: يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج ، يا قاصم الجبابرة! اقصم الحجاج ، يا قاصم الجبابرة! اقصم الحجاج ، فأخذ الحجاج بعد مقتل سعيد بن جبير شهراً يخور كما يخور الثور، يقول: والله ما مرت عليّ ليلة من الليالي إلا كأني أسبح في دمه، والله ما مر عليّ ليلة إلا كأن القيامة قامت، وقد رأيت عرش الله بارزاً للناس، وقد قتلني بكل إنسان مسلم قتلته مرة إلا سعيد بن جبير فقد أوقفني الله على الصراط فقتلني به سبعين مرة.

وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء ٌ * وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [إبراهيم:42-47]^.

الظلم ظلمات يوم القيامة، وقد حدث الظلم في تاريخ الإنسان، قال ابن تيمية : إن الله ينصر من يعدل ولو كان كافراً، وإن الله يخذل من يظلم ولو كان مؤمناً، والظلم ظلمات بعضها فوق بعض، يقول المتنبي ولكن لا نوافقه:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم


فيقول: من الناس ظلمة، لكنه يحبن عن الظلم لأنه لا يستطيع الظلم، لكننا نقول له: ويحك! أتعارض النصوص يا متنبي بقصائدك؟! وقد علمنا أن في الناس عدول ونفوسهم مجبولة على العدل، وقد جاء في حديث يقبل سنده التحسين: { والمقسطون على يمين الرحمن تبارك وتعالى الذين يعدلون في أهليهم، وما ولوا } أو كما قال عليه الصلاة والسلام، والعدل على ثلاثة أقسام:

الأول: عدل في الاعتقاد.

الثاني: عدل في القول.

الثالث: عدل في العمل.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:09

فأما عدل الاعتقاد فهو أن تعتقد أن لا إله إلا الله، وتؤمن بما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والعدل في الأفعال أن تكون أفعالك مطابقة لأفعاله صلى الله عليه وسلم.

والعدل في الأقوال أن تكون صادقاً ناصحاً مخلصاً، هذا هو العدل.

{ يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا }^ والظلم كما أُسلف وقع كثيراً في تاريخ الإنسان، ولكنه يحتاج إلى تبسيط في دروس ليبين أنواعه وأقسامه، حتى يحذر منه.


الهداية أقسامها وطرقها



قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: {يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم }.

الضلال وارد على الناس، ولكن الله عز وجل هدى الإنسان، فما هي الهداية وأقسامها؟

الهداية على قسمين:

الأولى: هداية كونية: وهي التي هدى الله بها الناس إلى الفطرة.

والثانية: الهداية التي في القرآن.

وهي على قسمين:

أولاً: هداية التوفيق: وهي من الله، يقول سبحانه وتعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].

ثانياً: هداية الدلالة: وهي هدايته صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52] فهذه الهداية خاصة به صلى الله عليه وسلم يدل الناس عليها.

ما أحوجنا إلى الهداية! لأن الإنسان ظالم فاجر ضال، لا يهتدي إلا أن يهديه الله عز وجل، وهداية الفطرة لا تكفي عند أهل السنة والجماعة ؛ فقد جاء في حديث عياض بن حمار في مسلم مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يقول: {خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين } فمعنى حنفاء أي: على الفطرة، وهذا يؤيده الحديث الصحيح: {ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه ينصرانه أو يهودانه أو يمجسانه } لكن الفطرة وحدها لا تقوم بالهداية، فيحتاج العبد إلى أمر تفصيلي في الهداية.

وما هي طرق الهداية؟

الهداية لها طريقان اثنان: اسمع يا من يريد الهداية! اسمع يا من يريد طرق باب الهداية!

يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه


الأولى: هداية القرآن: وهي هداية تفصيلية ومجملة.

الثانية: هداية الرسول عليه الصلاة والسلام: وهي السنة.

فمن لم يهتد بالقرآن ولا بالسنة فلا هداه الله! حفظ عن ابن تيمية أنه قال: من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدى غير هدى الله الذي أرسل به محمداً عليه الصلاة والسلام، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً وعدلاً ولا كلاماً، ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.

والهداية لها طرق:

الأول: من أعظم طرق الهداية: الدعاء والتبتل، خاصة الدعاء في السحر، في الليل وأنت تصلي ركعتين في جنح الظلام.

قلت لليل هل بجوفك سر عامر بالحديث والأسرار


قال لم ألق في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسمار


ويوم تركنا ركعتي السحر خمد الإيمان في قلوبنا، ويوم تركنا ركعتي السحر قل النشاط، ويوم تركنا ركعتي السحر قل الإخلاص إلا عند من رحم الله.

كان طاوس بن كيسان وهو أحد رجال الصحيحين ، الزاهد العابد الشهير والعالم النحرير الكبير يدور على أصحابه في السحر فطرق على أخ له، فخرج أخوه وهو نائم، قال طاوس : أتنام في هذه الساعة؟ قال: نعم. قال: والله ما ظننت أن أحداً ينام في هذه الساعة.

لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه


يظن طاوس أن الناس لا ينامون في وقت السحر، وفي الصحيحين : {ينـزل الله في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا -لكن نزولاً يليق بجلاله، لا نكيفه ولا نمثله ولا نعطله- فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟! هل من مستغفر فأغفر له؟! هل من تائب فأتوب عليه؟! } أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

لطيفة واستطراد مع طاوس بن كيسان ، وهذه تنبئنا عن مسألة الظلم والعدل ومسألة التعلق بنصرة الواحد الأحد.

فاشدد يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان


يا حافظ الآمال أنت حميتني ورعيتني


وعدا الظلوم عليّ كي يجتاحني فمنعتني


فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني


قال طاوس بن كيسان -وهذه القصة في البداية والنهاية لـابن كثير : دخلت الحرم، فصليت ركعتين عند المقام، قال: فدخل الحجاج بن يوسف الثقفي بحرسه، فوضعوا السلاح حراباً وسيوفاً ورماحاً، قال: فسمعت الجلبة فلما سلمت عرفت أنه الحجاج ، فما تزحزحت من مكاني، طاوس بن كيسان مولى لكن قلبه مغذى بالتوحيد والإيمان.

قال: فأتى بدوي من أهل اليمن وهو لا يعرف أن الحجاج جالس وأن حرس الحجاج جلوس، ولا أن الحراب والسيوف جاهزة، فأتى يطوف فدخل من عند الحجاج فاشتبك ثوبه بحربة عند الحجاج فوقعت الحربة على الحجاج ، فأمسك الحجاج بن يوسف بثوبه والحجاج هو الحجاج ! كما قال أحد الناس حين سئل من هم أهل السنة ؟ قال: أهل السنة الذين لا تعريف لهم إلا أهل السنة ، فـالحجاج هو الحجاج ، والجبل هو الجبل.

يقول الحسن البصري : أما الحجاج الثقفي فإنه يقرأ القرآن على لخم وجذام، ويلبس لباس الفساق، ويعظ وعظ المتقين، ويبطش بطش الجبارين.

فقال الحجاج لهذا البدوي: من أين أنت؟

قال: من اليمن .

قال: كيف تركتم واليكم على اليمن ؟ يقصد أخاه محمد بن يوسف ، وكان ظالماً مثله.

قال: تركته بطيناً سميناً، إن قال: تركته متقياً مصلياً الليل فقد كذب، وإن قال: تركته قارئاً للقرآن أو معلماً للسنة فقد كذب، قال: تركته بطيناً سميناً، يعني: يأكل ويسمن ويتبجح في أموال الله.

قال الحجاج : لست أسألك عن صحته، إنما أسألك عن سيرته.

قال: تركته غشوماً ظلوماً.

قال الحجاج : أما تعرف أنه أخي، وأنا الحجاج ؟
قال: أتظن أنه يعتز بك أكثر من اعتزازي بالله؟!

قال طاوس : فوالله ما بقيت في رأسي شعرة إلا قامت.

هذه الكلمة لا تقوم شعر الرأس فحسب، بل هي ألغام متفجرة، لكن على من يعيها.

فهذه الكلمة درس ومحاضرة في التوحيد، تتفجر فتنسف كل ملحد وزنديق على وجه الأرض.

قال: أتظن أنه يعتز بك أكثر من اعتزازي بالله؟! أنت تمرض وتموت كما يموت الحمار، فأنا أتعلق بالذي لا يموت، ولا يفتقر ولا يهرم، ولا يعدم سبحانه وتعالى.

اسمع التخلية في القرآن: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3] قال ابن عبد الهادي في الكواكب الدرية : ذهب ابن تيمية في الإسكندرية ، فلما نزل في الشارع اجتمع أهل مصر من المبتدعة وغلاة الصوفية يريدون قتله، فقال له أحد تلاميذه: يـابن تيمية رويداً رويداً! هؤلاء يريدون قتلك، فتبسم ابن تيمية قال: يريدون قتلي؟ قال: نعم. قال: والله ما هم إلا كالذباب، ثم نفخ في كفه.

وحتى لو قتلوه فإنها لن تقوم الحرب العالمية الثالثة، هو يريد أن يموت في سبيل الله، ويطلب أن يموت لذات الله، ويقصد رفعة كلمة لا إله إلا الله، وما الدم والمال والجسم والعظام والعصب إلا هباء إن لم يحي على (لا إله إلا الله).

{يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم } كيف نستهدي الله؟

نستهديه سبحانه وتعالى بالدعاء كما أسلفت، برفع الأكف إلى الله؛ فإنه لا يهدي إلا الله.

الأمر الثاني: بصدق التوجه، يقول تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] ويقول جل علاه: فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [محمد:21] ومن طلب الهداية هداه الله، ومن طلب الزيغ أزاغ الله قلبه، قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5] تقول للمبتدع: مالك ابتدعت؟! قال: كتب الله وقدر أن أبتدع، سبحان الله! أجبري في المعصية قدري في الطاعة؟!

حاور ابن تيمية بعض الصوفية الغلاة، ومر بأحدهم وهو يقرأ: فخر عليهم السقف من تحتهم، وفي القرآن: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل:26] فقال: لا عقل ولا نقل.

فهذا جاهل مركب.

ولو أنه جهل بسيط عذرته ولكنه يدلي بجهل مركب


والجاهل المركب هو الذي لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب العروض، وهو أحد أذكياء الدنيا، عقلية متوقدة، بقي من ذكائه يمشي ويفكر حتى اصطدم رأسه في سارية المسجد، فصدمها فمات، يقول الخليل بن أحمد الناس أربعة أقسام:

الأول: رجل يدري، ولا يدري أنه يدري؛ فذاك عالم غافل فنبهوه، أي قل له: إنك تعلم، فاخرج إلى الناس لتعلمهم.

والثاني: رجل يدري، ويدري أنه يدري، فذاك عالم فاسألوه.

والثالث: ورجل لا يدري، ويدري أنه لا يدري فذاك جاهل فعلموه.

الرابع: رجل لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، فهذا أحمق فاتركوه، وهذا جاهل مركب. فهم أربعة أقسام.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:09

الرازق هو الله



قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: {يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم } الله خلقنا، وما كان في خلقه لنا نفعاً له سبحانه وتعالى، ولا دفعاً للمضرة عنه، فهو النافع الضار تبارك وتعالى، هو الذي يطعم ولا يطعم، قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ [الروم:40] هو الذي يخلق سبحانه وتعالى، ويحيي ويميت، وهذه هي علامات الربوبية، وفيها أقصى دلائل لتوحيد الألوهية، لأن بعض الناس يجعل توحيد الربوبية توحيد الألوهية، حتى يتفق هو وفرعون؛ لأن فرعون ما أنكر الصانع في نفسه، بل أنكره في الظاهر فقط، ولهذا قال له موسى: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً [الإسراء:102].

يقول موسى لفرعون: والله إنك تعلم أنه ما خلق الخلق إلا الله، وما رفع السماء ولا بسط الأرض إلا الله، لكنك مكابر، ويخطئ من يجعل توحيد الربوبية مكان توحيد الألوهية، ولذلك نقم ابن تيمية على من عرف توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية.

أبو جهل يعرف أن الذي خلق الشجرة هو الله، والذي خلق السماء هو الله، والذي خلق الأرض هو الله، لكن يجعل مع الله إلهاً آخر، قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزمر:38].

قال عليه الصلاة والسلام لـحصين بن عبيد : كم تعبد؟ قال: أعبد سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال صلى الله عليه وسلم: من لرغبك ولرهبك؟ قال: الذي في السماء، قال: فاترك الذي في الأرض واعبد الذي في السماء.

ثم يقول: {يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم } ولذلك يخطئ بعض الناس إذا ظن أن الناس هم الذين يرزقون وليس الله، قال تعالى: فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ [العنكبوت:17].

سئل ابن تيمية شيخ الإسلام في المجلد العاشر من فتاويه سأله أبو القاسم المغربي قال: دلني على أعظم وصية توصيني بها، وعلى أعظم كتاب بعد القرآن، وعلى أحسن عمل بعد الفرائض، وعلى باب للمهنة والرزق كي أمتهنه -والشاهد باب الرزق- قال ابن تيمية : أما الرزق فأعظم ما يحصِّل الرزق الثقة بالله والتوكل عليه، وطلب الرزق منه، فإنه لا يرزق إلا الله، ولا يعطي ولا يمنع إلا الله.

ولذلك دخل أحمد بن نصر الخزاعي على الواثق في فتنة القول بخلق القرآن، وأحمد بن نصر الخزاعي شيخ البخاري في كثير من الحديث، وله مخطوطة في علم الحديث اسمها الاعتصام بالكتاب والسنة ، وقد قام بالتنظير العقلي لـأهل السنة والجماعة ، وبجمع الصف ليدكدك دولة الابتداع والباطل، فظفر به الواثق ، فأدخله عليه وهو الشهيد العالم، فقال له الواثق : والله لأقطعن رزقك -يعني: راتبك- قال: والله ما رأسي إلا كهذه، ثم قطع زر ثوبه، وأسقطه على رأس الواثق ، فقال الواثق : خذوه، فأخذوه فصرعوه وذبحوه؛ ولذلك رفعه الله عز وجل كما رفع الإمام أحمد .

وبعض الناس يتوهم أن باب الرزق قد يغلق عليه، ولم يعلم أن الرزق من عند الواحد الأحد، ولا يثبت إيماننا وتوحيدنا حتى نعتقد بهذه الأمور.

ذكر ابن رجب الحنبلي صاحب طبقات الحنابلة عن أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي ، صاحب كتاب الفنون الذي هو ثمانمائة مجلد، وكتاب الفنون ، كان يكتبه في وقت الفراغ لا في وقت الجد، إذا كان في وقت الفراغ، كتب خواطره وبنات أفكاره في هذا الكتاب، فخرجت ثمانمائة مجلد.

فذكر ابن رجب أن ابن عقيل ذهب إلى مكة ، وكان من الصالحين الكبار الذين يعلمون أن الرزق من عند الله تبارك وتعالى، قال ابن عقيل : فانقطعت نفقتي وما وجدت شيئاً آكله قال: فطفت، فلما انتهيت من الطواف والسعي رجعت ألتمس أكلاً فما وجدت شيئاً، فذهبت إلى ضواحي مكة ، فبينما أنا أبحث في التراب، إذا عقد من جوهر كل جوهرة تساوي مئات الألوف من الدنانير -عقد من جوهر- قال: فأخذته وفرحت به فذهبت، فلما أصبحت في الحرم، إذا منادٍ ينادي: من وجد العقد فليأت به، قال: الله المستعان! فذهب به، فقال لصاحبه: ما علامته؟ قال: كذا وكذا كما في الحديث {اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة } قال: فوجد الوصف نفسه، فأخذ هذا العقد بجواهره، فو الله ما أعطاني منه درهماً، وبعض الناس لئيم.

قال: فذهب به فلما انتهيت من حجي ذهبت فركبت البحر، فانكسر بي القارب -بعض الابتلاءات تتوالى على المؤمن- قال: فركبت خشبة، فأخذت بي الريح تلعب بي يمنة ويسرة مدة، فازداد الجوع جوعاً والظمأ ظمأً والخوف خوفاً، لكن ذلك تمحيص.

قال: ثم ألقتني الخشبة إلى جزيرة من الجزر في البحر، فدخلت الجزيرة، فوجدت فيها قرية، فدخلت مسجد القرية، فتناولت مصحفاً، فأتى أهل القرية، فقالوا: أتقرأ؟ قلت: نعم، قالوا: علمنا القرآن ونعطيك أجراً، قلت: نعم.

أعلمكم القرآن، قال: فأخذت ورقة فكتبت، قالوا: وتكتب؟ قال: أكتب، قالوا: علم أبناءنا الكتابة بأجر، قلت: نعم. أعلم أبناءكم الكتابة بأجر.

فلما مضى ردح من الزمن، قالوا: معنا ابنة يتيمة صالحة عابدة كان أبوها من الصالحين، نريد أن نزوجك إياها، فتزوجها، قال: فلما رأيتها رأيت العقد الذي وجدته في مكة في نحرها، قلت: ما هذا العقد؟

قالت: هذا عقد كان أبي اشتراه بماله كله، كل ما يملك في الحياة جعله في هذا العقد، قلت: ألهذا العقد قصة؟

قالت: قد ضاع مرة من المرات في مكة ، فوجده رجل من الصالحين، فأعطاه أبي، فكان أبي بعد كل صلاة يقول: اللهم ارزق ابنتي رجلاً صالحاً كالذي رد عليّ العقد، قال: أنا صاحب العقد، وقد أجاب الله دعوة والدك.

وقف أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأرضاه ببغلته عند باب المسجد في الكوفة فقال لأحد الناس: أتمسك لي البغلة -أحد الناس من الطفيليين الذين لا هم له إلا قطع الشوارع عرضاً وطولاً- قال: أمسك لك البغلة، فأخذ البغلة، وقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يصلي ركعتين في المسجد، فأخذها فرصة سانحة، فأخذ خطام البغلة، سبحان الله! بعض الناس حقير النفس يرضى بالقليل، يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين : {لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده } وما هي البيضة؟ قال الأعمش : هي الخوذة التي يضعها المقاتل على رأسه، لكن قال الخطابي وغيره: يبدأ بسرقة البيضة فيتدرج حتى يسرق شيئاً له ثمن، فتقطع يده، لأن القطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم.

فذهب الرجل إلى السوق فباعه بدرهم، فقال علي : الحقوا هذا الرجل تجدوه في السوق يبيع الخطام -لأنه معلوم عند العقلاء والأذكياء وأهل الفطن أن من يأخذ هذا يذهب إلى السوق- فلحقه رجل فوجده يبيع الخطام وقد باعه بدرهم، فاشتراه من ذاك بدرهم وأخذ الخطام، وقال: هذا خطام بغلة أمير المؤمنين، وأما أنت فخذ الدرهم حراماً، فرجع إلى علي فأعطاه فقال: بكم باعه؟ قال: باعه بدرهم، قال: سبحان الله! والله الذي لا إله إلا هو لقد أردت في نفسي أن أعطيه درهماً بدل إمساكه البغلة، لكن أبى بعض الناس إلا أن يأخذ رزقه من الحرام.

{كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم } في السنن قال عليه الصلاة والسلام: {اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع } وبعض الناس يتمنون الجوع.

والغزالي له عجائب في كتاب الإحياء في باب الجوع، وهو أمر لم تأت به السنة، وأحدثه أهل الصوفية الغلاة، يقول أحدهم: أين أنتم مني؟ ما أكلت الرطب أربعين سنة! ومن قال لك: لا تأكل الرطب والبلح، والله قد أباحه؟!

وقال الآخر: والله ما أكلت اللحم عشرين سنة! كيف تقول ذلك وقد أباحه الله سبحانه وتعالى لأوليائه؟! قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32].

فهؤلاء يتمنون الجوع ويعيشون على الجوع، قال الذهبي في ترجمة صوفي كبير قال عنه: إنه ترك الأكل ثلاثة أيام بلياليها قال: فرأيت أشباحاً -يظن أنها ملائكة، قال: فرأيت أشباحاً روحانية، قال الذهبي : والله ما رأيت شيئاً، ولكن عقلك خاش وطاش وفاش، تركت الأكل حتى وسوس ضميرك وجن عقلك، فقلت: إنهم ملائكة، لماذا ينـزلون عليك؟ هل أنت خاتم الأنبياء والرسل؟ لا والله، لكن عقلك خاش وطاش وفاش، ولذلك دخل الكثير في الابتداع من مذهب الزهد، فتجد الواحد لا يأكل ولا يشرب، ولا يستطيع أن يصلي واقفاً.

قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس : رأيت بعضهم يصلي جالساً، فقلت: مالك لا تصلي الفريضة واقفاً؟ قال: تنفلت واقفاً حتى تعبت، فصليت الفريضة جالساً، أي فقه هذا الفقه؟!

وذكر الخطابي -وأعيدكم إلى هذه المسألة لأن فيها غرابة- في كتاب العزلة وبإمكانكم مراجعة ذلك، قال: رأينا بعض الناس من غلاة الصوفية ألصق على إحدى عينيه شيئاً، فقيل له: مالك؟ فقال: إسراف أن أنظر إلى الدنيا بعينين!

سبحان الله! الله خلق لك عينين، وأنت تجعل من الإسراف أن تنظر بعينين، وقد قال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:8-10] فكيف تجعل هذا إسرافاً؟! إنه الجهل والتقليد والخرافة والتبعية.

وإن الرسالة إذا لم تبن على العلم والفقه والإسلام والإيمان والطموح والعدل، فإنها لا تكون نافعة لأصحابها.

ومن باب الفائدة أقول: ويجدر بنا أن نشير إلى أنواع الوحي: وهي القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي.

القرآن: لفظه ومعناه من الله تبارك وتعالى وهو متواتر لفظاً ومعنى، معجز، متعبد بتلاوته.

والحديث القدسي: معناه من الله عز وجل، ولفظه من الرسول صلى الله عليه وسلم، فيه متواتر وعزيز وغريب، ولا يتعبد بتلاوته، وليس معجزاً.

والحديث النبوي من الرسول عليه الصلاة والسلام لفظه ومعناه، فيه متواتر وعزيز وغريب ولا يتعبد بتلاوته وليس بمعجز، فهذه أقسام الوحي التي أتى بها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم.



نعمة اللباس واستحباب التزين



قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: {يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم } أجمل لباس في الحياة لباس التقوى وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].

إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب عرياناً وإن كان كاسيا


وأجمل حلية يتحلى بها المؤمن لباس التقوى، وفي الحديث إشارة إلى اللباس الظاهر المعروف عند الناس، وهي الثياب، فلا يكسو إلا الله، وهي تدخل في الرزق، لكن هذا من الخاص بعد العام، فإن الذي يرزق هو الله عز وجل، ومن الرزق الطعام والشراب واللباس وغيرها، وفي حديث حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يقول الله تبارك وتعالى يوم القيامة: يابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني، قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان جاع فلم تطعمه؟! أما علمت أنك لو أطعمته وجدت ذلك عندي؟! يابن آدم! مرضت فلم تعدني، قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان مرض فلم تعده؟! أما علمت أنك لو عدته وجدت ذلك عندي؟! } ثم ذكر الحديث وهو حديث حسن ومن أهل العلم من صححه، وهذه الألفاظ تقال ولا تكيف، وهذا ليس مجال بسط.

ويخطئ كثير من الناس حين يظن أن اللباس كل شيء، وأن التجمل في الهيئة كل شيء، والجمال جمال الباطن، والحلية حلية الأدب، وأجمل حلية يكساها الإنسان جمال الاعتقاد وجمال الأخلاق والصفات والسلوك، ثم أمرنا بالجمال في الظاهر، إن ديننا لا يعترف بالدروشة، إن الإسلام لا يعترف بالإزراء، وفي حديث حسن {إن الله يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يرى أثر نعمته عليه } وعند الترمذي بسند تكلم فيه: {إن الله نظيف يحب النظافة } لكن ورد في مسلم {إن الله جميل يحب الجمال } وهو من حديث ابن مسعود .

يقول الرجل: {يا رسول الله! إنني أحب أن يكون ثوبي جميلاً، ونعلي جميلاً، أمن الكبر ذلك؟ قال عليه الصلاة والسلام: لا. الكبر بطر الحق وغمط الناس } وغمط الناس أي: ازدراؤهم واحتقارهم، ثم قال: {إن الله جميل يحب الجمال }.

وفي حديث حسن يقول عليه الصلاة والسلام: {فتزينوا حتى تكونوا كأنكم شامة في عيون الناس } وفي السير أن ابن عباس رضي الله عنهما لبس حلة بألف دينار، ثم أتى إلى الخوارج في العراق فلما رأوه قالوا: أأنت ابن عم رسول الله؟ قال: نعم وماذا تنكرون؟! وقد كان رسول الله يلبس أجمل الحلل، ولقد رأيته يلبس صلى الله عليه وسلم البردة الحبرة وهي ثياب تنسج في اليمن ، وقال ابن القيم في صفة هديه صلى الله عليه وسلم: كان لا يتكلف في الطعام وفي اللباس مفقوداً ولا يرد موجوداً.

مرة يلبس من الغالي الحلال النفيس، ومرة يلبس من الرخيص، ومرة يلبس الدروع في المعركة.

البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بوسها


يخرج مرة في جبة من شعر مُرَحَّل عليه الصلاة والسلام، ومرة في بردة كأنه النجم، أو كأن الثريا علقت بجبينه، فيتكلم على الحاضرين بجمال المظهر والمخبر إيحاءً ووقعاً في القلوب، ومرة يلبس الدرعين كما في أحد ويبارز فيهما، فهو رسول ميسر عليه الصلاة والسلام.

فالتقيد باللباس الغالي دائماً سيما المترفين، والتقيد بالرخيص سيما المرائين المتبذلين، والمتوسطون هم أهل الرسالة كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143].

وفي سنن ابن ماجة بسند يوقف معه ويبحث فيه {أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن لباس الشهرة } لكن ابن القيم سكت عن هذا الحديث في باب اللباس، والحديث فيه ضعف، والشهرة هي أن يلبس لباساً غالياً يوصله بالجبابرة، أو رخيصاً يوصله بالناس الذين يزرون بأنفسهم، فكأنه إذا لبس الغالي يقول للناس: أنا ابن فلان وابن فلان.

أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني


وإذا لبس المزري الرخيص كأنه يقول: أنا الزاهد العابد، أنا ثابت البناني ، أنا قتادة بن دعامة السدوسي ، وأنت لست بـثابت ولا قتادة ، فأحسن ما يتستر به العبد الثياب الوسط، ليكون من عامة المسلمين؛ في لباس لا يكون محرماً ولا مزرياً ولا به ترف ولا فيه خشونة إلا لحاجة، ويسأل سائل منكم: ولماذا لبس عمر رضي الله عنه وأرضاه برداً ممزقاً فيه أربعة عشر رقعة؟ ونقول له: ومن نحن مع عمر ؟!


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:10

لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد


رحم الله تلك العظام، عمر يتواضع في لباسه من مركز قوة، ذهب الدنيا تحت يديه، ذهب وفضة الدنيا تحت يديه.

يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه


يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه


لكن العامي من الناس إذا تقمص هذه الشخصية كأنه يلفت الأنظار إلى زهده، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ملك كذاب، وعائل مستكبر، وأشيمط زانٍ } أشيمط زانٍ يعني: شيخ كبير قرب من القبر، وابيضت لحيته، ومع ذلك يزني، أعمى ويناقر.

وملك كذاب لأنه لا يحتاج إلى الكذب، ولا يضطره أحد إليه، فلماذا يكذب؟ وما هو الداعي للكذب؟

وعائل مستكبر: عائل ويتكبر، فقير لصق بالتراب ويتكبر على عباد الله! ولا يظن ظان أن التكبر معناه لبس الغالي! فإن من الناس من يلبس اللباس الرخيص، ولكن قلبه قلب جبار.

دخل فرقد السبخي على الحسن البصري وعليه ثياب ممزقة وعلى الحسن البصري برد جميل غالٍ من برود الحبور التي تأتي من اليمن ، فقال فرقد السبخي للحسن البصري : أتلبس هذا الغالي؟! قال: أنا إن شاء الله في هذا البرد أتواضع لربي أحسن منك في هذه الثياب الخلقة.

ودخل فرقد على ابن سيرين ، فرأى على فرقد ثياباًَ من صوف ممزقة فأشاح بوجهه وقال: لعلك تقرأ سيرة النصارى، والله لقد حدثني الثقات عن الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يلبس البرد الحبرة التي هي من أغلى البرود.

وفي صحيح البخاري في كتاب الأدب: باب التجمل للوفود، وباب اللباس يوم الجمعة أن عمر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلة سيراء، والسيراء هي: الحلة المنمقة المصنوعة من الحرير، رآها تباع في السوق، وهي حلة لـحاجب بن زرارة التميمي ، فاشتراها للرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله! هذه الحلة لتخطب بها يوم الجمعة، وتستقبل فيها الوفود؛ لأن المعروف عند الصحابة أنه يتجمل ليوم الجمعة وللوفود، فقال عليه الصلاة والسلام: {إن هذه لباس من لا خلاق له } والسبب: أنها من حرير، فأقره صلى الله عليه وسلم على الجمال والتجمل للجمعة والوفود، وأنكر عليه كونها حريراً، وهذا في باب اللباس.


الذنوب ومكفراتها



{يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم } من حلف أنه لم يذنب في حياته فقد أخطأ، ومن ادعى العصمة فقد زل وضل؛ لأن العصمة لأنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، أما نحن فأبونا آدم أذنب وأخطأ، وخرج من الجنة، لكن عيب عليك أن تقلده في الخطيئة، ولا تقلده في التوبة، وقد قال الله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] وقال عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

ويقول عليه الصلاة والسلام في باب التوبة في الترمذي : {كلكم خطاء وخير الخطائين التوابون } وفي مسلم : {والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وأتى بقوم آخرين يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم }.

والذنب كالحتم على العبد، قال ابن تيمية في الرقاق وفي القاعدة العراقية المجلد العاشر: الذنب كالحتم على العبد، مكتوب عليه، لكن على العبد إذا ابتلي بالذنب يتبعه بالمكفرات، والمكفرات عشر ذكرها ابن تيمية في كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام ، من فاتته العشر فقد شرد على الله شرد الجمل الهارب على أهله.

أولها: الأعمال الصالحة: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] قال ابن مسعود : { نظر رجل من الأنصار امرأة لا تحل له، فأتى الرسول عليه الصلاة والسلام فأخبره بذلك، فأنزل الله عز وجل: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114] فقال: ألي خاصة؟ قال: لا. بل لك ولكل من عمل بعملك إلى يوم القيامة } والحديث صحيح.

ثانيها: المصائب المكفرة: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً [النساء:123].

وفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح: {أن الله عز وجل لما أنزل قوله سبحانه وتعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء:123] بكى أبو بكر وقال: يا رسول الله! كيف العمل بعد هذه الآية؟ قال: غفر الله لك، ألست تهتم؟ ألست تحزن؟ أليست تصيبك اللأواء؟ قال: بلى. قال: فلا يصيب المؤمن من هم ولا وصب ولا نصب ولا مرض حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه }.

وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: {دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك وعكاً شديداً فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي } ما ألطف الكلمة! معلم البشرية هادي الإنسان.

فدىً لك من يقصِّر عن مداكا فما ملك إذاً إلا فداكا


أروح وقد ختمت على فؤادي بحبك أن يحل به سواكا


إذا اشتبهت دموعٌ في خدودٍ تبين من بكى ممن تباكى

قال: {بأبي أنت وأمي يا رسول الله! إنك توعك وعكاً شديداً، قال: أجل إنني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قلت: ذلك لأن لك الأجر مرتين؟ قال: نعم } ثم أورد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: {ما من مسلم يصيبه مرض أو همٌ أو غمٌ أو حزن حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من سيئاته } وهذا معلوم.

الأمر الثالث: دعوات المؤمنين الصالحة بظهر الغيب، والدعوة بظهر الغيب مطلوبة، وقد ورد في الحديث عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: {لا تنسنا يا أخي من دعائك } ولو كان فيه كلام، فبعض أهل العلم حسنه، وبعضهم ضعفه، لكن صح في مسند أحمد من حديث أبي الدرداء : {خير الدعاء -أو أفضل الدعاء أو الدعوة المستجابة- دعوة مسلم غائب لغائب } وصح من حديث أم الدرداء ، وكذلك من حديث خالد بن معدان وغيره.

ومن المكفرات: صلاة المسلمين على الجنازة، وذلك إذا أخلصوا لله، وكانوا على التوحيد، وجاء في الحديث أنهم إذا كانوا أربعين لا يشركون بالله أو مائة، يشفعون له.

ومنها: عرق الجبين عند سكرات الموت وفي الترمذي : {المؤمن يموت بعرق الجبين } قالوا: تشتد عليه السكرات حتى يعرق جبينه.

ومنها: ظلمة القبر ووحشة القبر أعاننا الله على ذاك المصرع!

والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيرانِ


إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده


وإن يكن شراً فما بعد أشد ويل لعبد عن سبيل الله صد


فهو كفارة عند أهل السنة والجماعة ، وعذاب القبر حقيقة في القرآن والسنة، ومن أدلته قوله سبحانه وتعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً [غافر:46] أي: آل فرعون تعرض لهم النار في قبورهم، وقوله سبحانه وتعالى: وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100] إلى غير ذلك من الآيات.

وفي السنة ما ثبت في حديث البراء وغيره.

ومن المصائب: هول العرض على الله سبحانه وتعالى، يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور.

ومن الكفارات: شفاعة سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، ففي حديث حسن: {شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي } نسأل الله ألا يحرمنا شفاعته!

والعاشرة: رحمة أرحم الراحمين، يوم تنتهي المكفرات ولا تبقى إلا رحمة الله وعطاؤه وفضله وجوده وكرمه.

إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار


وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقنا من النار


فلا إله إلا الله! قال ابن تيمية : من فاتته هذه العشر المكفرات فقد هلك هلاكاً بيناً، وشرد على الله كما يشرد الجمل على أهله.

فيا عباد الله! هذه بعض الفوائد من هذا الحديث فإنه طويل، يحتاج إلى جلسات، وفيه قضايا كبرى، وهو من الأربعين النووية ، قال الإمام أحمد : ما أعلم لأهل الشام حديثاً أشرف من هذا الحديث، فهو حديث شريف مؤثر، يتضمن قضية كبرى، وحبذا أن يتدارس في الجلسات وفي الفصول والاجتماعات، وحبذا أن نستشعر معانيه وأن نعيش في ظلاله وفي سجاياه، حبذا أن تتفهم جمله، لأنه قواعد كلية في الإسلام.

ثم إنني أسأل الله كما جمعنا في هذا المكان أن يجمعنا في مستقر رحمته، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:10

أخطاؤنا تحت المجهر

الاستفادة من الأخطاء، والنظر إلى الماضي بعين العبرة والاتعاظ؛ مطلب حميد لابد منه لترشيد المسيرة.

وفي هذه المحاضرة سبعة عشر خطأً مما يقع فيه الدعاة في عصرنا، وقد ذكرت هذه الأخطاء مع كيفية نشوئها وأسباب وجودها، وأردفت بذكر الحلول المناسبة للتخلص منها.

[color=red]ما هي الأخطاء المقصودة؟ ولماذا نشخصها؟




إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وأشكركم على حضوركم، وأشهد الله على حبكم فيه، وأسأل الله الذي جمعنا في هذا المكان الطيب الطاهر أن يجمعنا بكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

وأشكر فضيلة الشيخ عبد الوهاب الناصر على دعوته لزملائه وإخوانه، ينظمهم عقداً في دروس للتوعية والوعي، ثم أشكر باسمكم جميعاً شاعر الصحوة الإسلامية، الدكتور عبد الرحمن العشماوي وحق لي أن أقرب له المنبر هذه الليلة وأقول له: اهجهم وروح القدس يؤيدك، فهو حساننا، وحق له أن يدافع عن هذا الدين بسهامه الماضية المصيبة، سدد الله طريقه وثبت قدمه.

وقبل أن آتي إلى المحاضرة "أخطاؤنا تحت المجهر" معي مقطوعة عنوانها: يا قلعة التوحيد.

إذا ما التقينا فالشهور دقائق وإما ابتعدنا فالدقائق أشهر


يقولون نجد العامرية أرضنا نعم ودموعي في ثرى نجد تعصر


فلا خيمي من قيس ليلى تشوقني فشوقي رعاك الله من ذاك أكبر


هيامي بجيل مسلم من جدودهبلال وسعد والمثنى ومعمر


هنا العلم والتاريخ والمجد والنهى ومنها العلا تبدو وتسمو وتزأر


فيا قلعة التوحيد لست رخيصة ولو حاول العذال فيك وأكثروا


بها أنبت الله الإمام محمداً له في جبين الدهر نور ومنبر


فيا ابن وهاب العقيدة كلما ذكرناك كان الفضل والبر ينشر


عنوان المحاضرة: "أخطاؤنا تحت المجهر".

وأقصد بهذه الأخطاء ما يقع فيها أمثالي من المقصرين، على أن هناك محاضرة قبل أسبوعين كانت بعنوان: "فن الدعوة" هي تمهيد ومقدمة لهذه المحاضرة، ولكن أرجو ألا يظن شخص أو فئة من الفئات أو طائفة أني أقصدها، فأنا أقصد نفسي، وأنا شهيد على نفسي هذه الليلة، كما قال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [النساء:135].

فحق علي أن أشهد على نفسي هذه الليلة أني مقصر، وأن لي أخطاءً، سوف أعرضها عليكم، عليَّ أن أجد منكم الناصح اللبيب. والحقيقة أننا بحاجة لتشخيص أخطائنا: أولاً: لأنه واجب شرعي، والمؤمنون نصحة.

والأمر الثاني: لئلا يأتي غيرنا، فيشخص لنا أخطاءنا، فنحن بأنفسنا نعرِّف الناس أن لنا أخطاءً، فإن من عرف عيب نفسه عرف كيف يعالجه ويداويه.

الثالث: إن عقلاء الأمم ونبلاء الناس يداوون أخطاءهم على مر التاريخ.

إذاً فلا تثريب علينا أن نذكر أخطاءنا، يغفر الله لنا ولكم وهو أرحم الراحمين، ولست في التاريخ أول من نقد نفسه، يقول شاعر جاهلي عصري:

أأنا العاشق الوحيد فتلقى تبعات الهوى على عاتقيا


ما هي أخطاؤنا؟
إنها كثيرة لأنا لسنا معصومين.

تحت المجهر، أي مجهر؟

إنه مجهر الكتاب والسنة، مجهر محمد عليه الصلاة والسلام، حسب ما يتصوره المجتهد المقصر في أن يلتمس الحق والصواب.......



[color:86d5=red:86d5]من الأخطاء قلة الإنصاف



من أخطائنا -نحن مسيرة الصحوة- قلة الإنصاف.

وسوف أعرض سؤالاً في الأخير: لماذا لا أقصد في حديثي هذا غير الملتزمين أو المستقيمين أو الناهجين نهج الحق؟

إن العدل نفقده كثيراً في أحكامنا، وفي أقوالنا، وفي لقاءاتنا، يقول سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ [النساء:135] ويقول عز اسمه: ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8].

والمعنى قولوا العدل واحكموا به، ولا يحملنكم شنآن الآخرين وعداوتهم، على أن تجحفوا في الحكم، فإذا كان الحكم لك، فلا تثنِ على نفسك، وإذا كان الحكم على عدوك، فلا تثرب على عدوك أو تنسى حسناته. والله يقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ [النحل:90]

والعدل يكون في الأحكام، والصدق يكون في الأخبار كما قال ابن كثير في قوله سبحانه وتعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً [الأنعام:115] قال: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام.

وقال سبحانه: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا [النساء:135] فاتباع الهوى يحملنا على أن نجور، فترانا نضخم الحسنات إذا كانت لنا، ونصغر الحسنات إذا كانت لغيرنا، ونصغر سيئاتنا، ونكبر سيئات غيرنا.

وقال سبحانه وتعالى على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام: وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ [الشورى:15] فهو عادل عليه الصلاة والسلام في أحكامه، بل قال صلى الله عليه وسلم كما في سنن النسائي : {وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا } فلا يقول صلى الله عليه وسلم إلا كلمة الحق؛ مع عدوه ومع صديقه، وهذا منهج افتقدناه على مستوى الجماعات والأفراد.

وسوف أعرض أمثلة من سيرته عليه الصلاة والسلام، لنرى العدل في قوله وأحكامه.

في الصحيح أنه {أتي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام بشارب خمر، فقام الصحابة فضربوه وعزروه، وقال أحدهم: أخزاه الله! ما أكثر ما يؤتى به في شرب الخمر! فقال صلى الله عليه وسلم: لا تقل ذلك، لا تعينوا الشيطان على أخيكم، فو الذي نفسي بيده! ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله } فاحتسب له صلى الله عليه وسلم حسنة حب الله وحب رسوله عليه الصلاة والسلام.

أيضاً حاطب بن أبي بلتعة في الصحيحين سرب أخبار السرية للكفار، وهي جريمة كبرى، فلما أُتي به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ليحاكمه، قال عمر : {يا رسول الله! دعني لأضرب عنق هذا فقد نافق، قال: يا عمر ! وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر ، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم } فاحتسب له عليه الصلاة والسلام حسناته التي قدمها في بدر ، ولم ينسها صلى الله عليه وسلم.

وكان أهل السنة والجماعة منصفين، يحكمون بالعدل ويقولون به، ومن قرأ تراجمهم وجد ذلك.

وأوضح مثال على ذلك ما يفعله شيخ الإسلام ابن تيمية والذهبي وابن كثير ، والبرزالي والمزي ، وغيرهم كثير، حينما يتكلمون عن الأشخاص، وقد تكلم الذهبي عن قتادة بن دعامة السدوسي ، الذكي العملاق، الذي أصيب ببدعة جزئية

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:11

يسيرة في القدر، فذكر بدعته، وقال: لا نقره على بدعته، مع العلم أنه رأس في الزهد ورأس في التفسير، ورأس في العلم، فما أحسن الإنصاف! وما أحسن أن نذكر الحسنة بجانب السيئة!

ذكر البخاري في كتاب الأدب المفرد ، والألباني يرفعه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، والظاهر أنه من كلام علي لا من كلام محمد صلى الله عليه وسلم يقول: [[أحبب حبيبك هوناً ما، فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، فعسى أن يكون حبيبك يوماً ما ]] إن العاطفة في حب الناس، أو في الحكم على الناس، توقفنا أمام طرفين غير مقبولين، إما المدح المفرط، أو الذم المفرط، وكلا الطريقين خطأ.

فعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا


إصدار الأحكام الجائرة



نحن أهل السنة كما نزعم ونسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن يحشرنا معهم، لا بد أن نضبط عباراتنا، وكلامنا، وأن نؤسسه على تقوى من الله ورضوان، حتى لا نأثم في الدنيا ولا في الآخرة.

وإن هناك من يصدر أحكام الكفر والفسق، وأهل السنة لهم ضوابط في الإيمان والفسق والكفر، لكن ما أسرع أن تسمع أحداً يقول: إن فلاناً كافر فاسق، خارجي مبتدع! بسبب مقولة قالها، أو كلمة لم يُسأل هو عن قصده فيها، ولم يجلس معه، ولم يحاور، ولكنا نلقي الأحكام على عواهنها، وهي خطيئة كبرى، ويجب أن نتنبه لهذا الأمر.

وأنا لا أدافع عن المبتدعة هذه الليلة، فأسأل الله أن يبعدنا عنهم، لكنها حقائق نعيشها، وأضرب لذلك مثلاً:

مات موسيقار مشهور قبل فترة، وأمره إلى الله، يمكن أنه يصلي الخمس، ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقوم بأركان الإسلام، لكنه مغن ومطرب، ويحضر حفلات محرمة، وقد سمعت كثيراً من الناس يقولون: إلى النار وبئس المصير! وهل نحكم نحن على مصائر الناس؟! وهل يكفي هذا لتكفيرنا لمثل هذا الرجل؟! ربما كانت له من الحسنات ما يغفر الله له بها في الآخرة، وأنا لا أبرر عمله المخطئ والمعصية الظاهرة التي يفعلها من الغناء المحرم، فقد أجمع أهل العلم على تحريمها.

لكن ما هي الأمور التي تستوجب دخول النار عند أهل السنة والجماعة ؟ وهل يستحق هذا أن يقال عنه: إنه في النار.

وتسمع آخر يرد على كاتب مفكر فيقول: زائغ مرتد قاتله الله! إنها كلمة صعبة.

أيضاً يُلاحظ

هذه الفظاظة في تعاملنا فيما بيننا وفي أحكامنا على بعضنا، وفي عدم العفو الذي يجب أن نصدره نحو البعض منا، ولكن تتلاشى هذه الفظاظة لتصبح تميعاً في قضايا المعتقد مع المبتدعة، كـمعتزلة العصر ، كمرتزقة الفكر، كالمتهوكين في الأدب، كالحداثيين والعلمانيين، فلا تجد لأحد رداً عليهم، ولا يذكرهم بسوء، وقد سلموا منه، ويبتعد عن الخوض معهم، وأما على إخوانه، فيرى القذى الصغير كالنخلة، وهذا خطأ: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ [المطففين:1-4].

إن بعض الناس يدعو إلى تأليف القلوب مع الرافضة ، أو مع العلمانية ، وإيجاد الحلول والأعذار لهم، أما مع إخوانه فلا يعذرهم في مسائل تقبل الاجتهاد، وهي من قبيل اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد.

وفي ختام هذه الفقرة، أدعو إخواني جميعاً، وليدعوا معي إلى مذهب أهل السنة والجماعة ، نرحب بالجهاد في أفغانستان ، أو في غير أفغانستان على منهج أهل السنة والجماعة ، وقد طالب العلماء والدعاة -كما رأيتم- في منشورهم قادة المجاهدين بهذا، ولعل الله أن يفتح على قادة المجاهدين في السماع لهذا وامتثاله، وأسأل الله أن يسددهم وأن يجمع كلمتهم على الحق.


من الأخطاء: صعوبة عرض العقيدة



أيضاً من أخطائنا: صعوبة عرض عقيدة التوحيد الواضحة. التوحيد من خصائصه أنه سهل تقبله القلوب، عقيدة يفهمها الطفل والأعرابي في الصحراء، وقد ربى الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه والأمة على أن يفهموا العقيدة، سأل جارية كما صح في الحديث فقال: {أين الله؟ قالت في السماء وفي بعض الألفاظ: أنها لم تتكلم وإنما أشارت إلى السماء فقال: اعتقها فإنها مؤمنة }.

وفي سنن أبي داود أن حصين بن عبيد قدم على الرسول عليه الصلاة والسلام فقال له صلى الله عليه وسلم: {كم تعبد يا حصين ؟ قال: أعبد سبعة، قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء، فقال: من لرغبك ولرهبك؟ قال: الذي في السماء، قال: اترك التي في الأرض واعبد الذي في السماء } حديث صحيح.

هذا دين سهل، وعرض التوحيد بمثل هذا يقبله الناس، ومن منا يمكن ألا يفهم هذه العبارات؟ من هو الذي يعتذر بطلسمة هذه العبارة عليه، أو بأنها منغصة وموهمة؟ لا أحد.

كذلك في مسند الإمام أحمد بسند صحيح: {أن أعرابياً أتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قال: من أرسلك؟ قال: الله؟ قال: إلامَ تدعو؟ قال: أدعو إلى الله، الذي إذا ضاعت راحلتك في الصحراء -خاطبه براحلته لأنه صاحب راحلة- سألت الله فردها عليك، وإذا أصابتك سنة مجدبة فدعوت الله، أمطر عليك سنتك } أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فشهد أن لا إله إلا الله.

حديث جبريل الطويل: لا صعوبة فيه، عرض سهل ميسر، ولكن أرى أننا تأثرنا بطريقة علماء الكلام، الذين أطالوا في العقيدة والذين توسعوا في العبارات، وأكثروا من القعقعة، ومن التشدق حتى قال الشافعي فيهم: رأيي في أهل الكلام، أن يطاف بهم في العشائر والقبائل ويضربوا بالجريد والنعال، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة.

فلسفة اليونان دخلت علينا، وهي ما زالت في كتبنا، وتدرس حتى في الأقسام، وربما عرضت على العوام في الندوات والمحاضرات، واللقاءات.......



عروض سهلة للتوحيد



وأعرض لكم أمثلة من كتب التزمت سهولة التوحيد في عرضها مثل: كتاب التوحيد لابن عبد الوهاب ما أسهله! وما أيسره! وما أحسنه! لماذا لا نقدمه في دروسنا ومحاضراتنا، بدون ردود إلا في مناسبات خاصة، ومثل كتاب التوحيد لابن خزيمة ، على نصوص بسيطة فيه، ومثل كتاب معارج القبول للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي ، ولا أعلم كتاباً مثله، فكيف بأحسن منه!

إن السلف لم يختلفوا في مسائل المعتقد، أقصد الصحابة، قال ابن القيم في أعلام الموقعين : لم يسأل أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام رسول الله في مسألة في العقيدة، وإنما سألوه في الأحكام: يسألونك عن الأهلة، يسألونك عن المحيض، ويسألونك عن الخمر، إلى غير تلكم الأسئلة، خمسة عشر سؤالاً في القرآن ليس فيها سؤال في المعتقد، بل آمنوا وسلموا وقالوا: كل من عند ربنا.

فلما أتى الخلف -نحن منهم- أكثرنا من عرض العقيدة والإسهاب في الكلام والتوسع في العبارة، حتى صعبت على الناس.

وأنا أسأل شباب الصحوة والعلماء والدعاة: هل يلزمنا في كل مسألة نعرضها على عامة الناس، أن نذكر من خالفنا من الطوائف كـالجهمية ، والمعتزلة والأشاعرة والقدرية ، والجبرية ، والمرجئة ، والرافضة ، والخوارج ؟!

أما أهل العلم فلا بد لهم من هذه المسائل أن يتدارسوها بينهم في مجالسهم وأقسامهم وفي تواليفهم.

أما إذا كنا نعرض العقيدة على الناس، فنملؤها بالردود حتى تصبح صعبة، فإن هذا مخالف لمنهج الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن التوحيد سهل بسيط، يعرض في آية وفي حديث، يفهمه الأعرابي والعجوز والطفل.

أما إيراد هذه الشبه الدامغة التي توقف العامي محرجاً أمام العقيدة، فأظنه من أخطائنا.

أخذوا على الرازي كما ذكر أهل العلم أنه يتوسع في عرض الشبهة، فيورد شبه أهل البدع، فيتوسع في إيرادها، ويتبجح في عرضها، ثم يرد عليها، بكلمة أو بكلمتين، أو بسطر أو بسطرين، وتبقى الشبهة ويموت رده.

وهذا مثل بعض الناس، يورد عليك شبهة مخالفة، ثم يردها رداً ضعيفاً، فتبقى الشبهة، ولكن الرد لا يكون سليماً.


الانهماك في الفروع على حساب الأصول



ومن أخطائنا في العقيدة، الانهماك في الفروع على حساب الأصول.

سألوا شيخ الإسلام ابن تيمية لماذا لم تؤلِّف في الفروع؟ قال: أمرها سهل، ومن خالف فيها فهو مجتهد مخطئ فله أجر واحد، وإذا أصاب له أجران، ولكن الخطورة في المعتقد أي في الإيمان والتوحيد، فهو الأمر الصعب، والأمر الأساس والأمر المحرج.

ولذلك كانت مؤلفات شيخ الإسلام رحمه الله أكثرها في العقيدة، تسعون بالمائة من مؤلفات ابن تيمية في العقيدة وفي الإيمان.

ولكن أرى الآن أننا أكثرنا في الفروع على حساب الأصول، وسوف يأتي هذا فلا أتعجل به، فإنه تُحدِّث الآن عن مسائل سهلة، كمسألة المسبحة، أو مسألة جلسة الاستراحة، أو مسألة تحريك الأصبع، مع العلم أن العلمانية ، والحداثة ، وحزب البعث ، والرأسمالية ، والشيوعية ، لم تلقَ هذا الكلام المستفيض من أهل العلم والدعاة والأخيار.

الردود ليست مقصودة لذاتها في العقيدة، إنما هي كالعلاج، إذا وصلنا مرض، استدعينا الطبيب ليعالج هذا المرض.

فنعرض عليهم العقيدة أولاً، أما قضية أن نأخذ الردود وتكون مبدأ فهذا ليس بصحيح، لكن لا بد من الردود عند الحاجة.



_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:11

من الأخطاء: تسمية البطالة زهداً




أيضاً من أخطائنا: تسمية البطالة زهداً.

قال ابن تيمية رحمه الله في المجلد العاشر من الفتاوى : الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة. ولله دره! وأحسن من عرف الزهد في الإسلام ابن تيمية بهذه العبارة، والله يقول: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77] والله يقول: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود:61] يعني في الدنيا، وقال سبحانه: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة:10]

الإسلام حياة، وعمل وإنتاج، ومزرعة وفلاحة، وتجارة وورشة ودكان، هذا هو الإسلام، الإسلام لا يعترف بالتصوف الهندوكي الذي قتل الهمم أمام طلب الرزق.

قال عليه الصلاة والسلام في الصحيح: {ما أكل أحد طعاماً خيراً من أن يأكل من كسب يده -ومن كد يده- وإن نبي الله داود كان يأكل من كد يده }.

وسئل صلى الله عليه وسلم كما روى ذلك الحاكم في المستدرك : {أيُّ الكسب أطيب يا رسول الله؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور } حديث صحيح، والصحابة كانوا تجاراً، مثل: أبي بكر ، وعثمان ، وابن عوف ، وكان منهم الفلاحون، مثل: جابر بن عبد الله ، ورافع بن خديج وغيرهما، ولم يركنوا إلى البطالة تحت مسمى الزهد كما فعل الكثير منا الآن.

إني أعرف أن كثيراً من أمثالي من المقصرين، تأثروا بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، في كتاب إحياء علوم الدين ، وقوت القلوب ، والرعاية للمحاسبي وصفة الصفوة لـابن الجوزي ، فأماتوا أنفسهم. الرسول المعلم الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: {لأن يأخذ أحدكم أحبله فيحتطب ويبيع خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه }.......



عمر يحارب البطالة



دخل عمر رضي الله عنه وأرضاه المسجد، فوجد شباباً يتعبدون، قال: من يعطيكم طعامكم؟ قالوا: الله، وهل يشك عمر أن الذي يطعم هو الله؟! قال: أدري أنه الله، لكن من يطعمكم؟ -لأن أوعية الطعام لا تنزل من السماء، أوعية اللحم والأرز والفاكهة لا تأتي من السماء، لا بد من أخذ الأسباب -قالوا: جيراننا. قال: جيرانكم خير منكم، انتظروني قليلاً، وظنوا أنه يأتي بأوعية فيها لحم وأرز، فأتى بالدرة التي يخرج بها الشياطين من الرءوس، ثم ضربهم وقال: [[اخرجوا، إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة ]].

فقضية أن نترك الدنيا والتجارة وطلب المال والرزق الحلال، بحجة أن الدنيا فانية، وأن الله سوف يحاسبنا على الأموال، ويبقى في رأس القائمة اليهود وهم أغنياء العالم، يسيرون السلاح والاقتصاد والإعلام والسياسة والكراسي والقرار، ونبقى متخلفين بحجة أن الدنيا فانية.

ثم يأتي في القائمة الثانية الرافضة ، وهم المرتبة الثانية بعد اليهود في الغنى، فيصدرون الثورات والقرارات والبدع، ونبقى نحن نسمى الفقراء -فقراء أهل السنة - وإذا أردنا مشروعاً ينادون بعد صلاة الجمعة: تبرعات تبرعات، والكراتين عند الأبواب، ثم نتبرع من ريال ومن عشرة ومن خمسين.

إذا أردنا كتاباً نطبعه فنصيح حتى تبح حلوقنا، ليس عندنا مصدر رزق، والخير كثير والحمد لله، لكننا ربما ظننا أن السعي لطلب الرزق ولجمع المال ينافي الزهد، وهذه بطالة، وقد تعرض لها الشيخ عبد الرحمن الدوسري رحمه الله في أول تفسيره بعرض جميل.

وقد ضغط على المسلمين بقوة الاقتصاد وأصبحت حروب الدول في العالم الآن في الاقتصاد، فأين مكان أهل السنة والجماعة في مبدأ الاقتصاد؟ وهل لهم بديل؟ هل لهم مشاريع؟ هل لهم أطروحات في جمع المال؟ ودعونا من الأحاديث الموضوعة والضعيفة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع المال وأنفقه، وقد دخل كثير من الصحابة الجنة بالمال، مثل: عثمان وغيره.



المال عصب الحياة



ذكر الجاحظ صاحب البخلاء : أن أحيحة بن الجلاح ، وهو تاجر من الأوس قبل الإسلام، وهو من ساداتهم، كان يجمع المال لكي يحمي عرضه، ويحمي مكانته، وينفق؛ يقول:

ولو أني أردت نعمت بالاً وباكرني صبوح أو نسول


ومازحني على الأنطاع غيد على أنيابهن الزنجبيل


ولكني أهب لجمع مال فأمنع بعد ذلك أو أهيل


يقول: لو أردت لذاذة الحياة، لكنت تزوجت فتاة جميلة، وجلست في بيتي وصابحني خمر في الصباح وغبوق في المساء، وأكلت اللحم المشوي، لكني أخشى أن أفتقر فأتعرض لمسبة، فأنا أجمع المال لأنفقه، وأحمي عرضي، وقال الآخر:

واجمع المال وحصله ولا تسأل الناس ذليل من سأل


ثم جد بالمال لا تبخل به تكن الشهم على الناس الأجل


كثير من الشباب يترك الوظيفة، ويترك التجارة والعمل بالورشة، والعمل بالمتجر؛ بحجة الزهد، وأنها تشغله وتلهيه عن طاعة الله، وهي من طاعة الله، ويبقى عالة يتكفف الناس، يقترض من هذا، ويقترض من هذا، ويموت مديوناً، وإذا سألته من يرزقك؟ قال: الرازق هو الله، لكن من جيوب إخوانه، رزقه الله من جيوب إخوانه، والمسلم لا بد أن يفكر بمصدر الرزق خاصة في عصر الاقتصاد.



من الأخطاء: عدم مراجعة الأخطاء والاستفادة من التجارب




أيضاً من أخطائنا: عدم مراجعة الأخطاء والاستفادة من التجارب، وينقصنا أننا لا نراجع أخطاءنا، وأنا متحرج في هذه الليلة، وقد كُلَّمت قبل هذا الدرس وحُذِّرت ألا أتكلم في هذا الموضوع، لأني سوف أكشف عوارنا للآخرين، فإلى متى نتكاتم؟! وما هو المجلس الذي يجمعنا لكي نتحدث بأخطائنا.؟! وإلى متى وقد مرت بنا عجلة الحياة؟! أما الآن فوجب علينا أن نتكاشف ونتصارح، وهذا -أظنه والله أعلم- منهجاً سديداً، فمراجعة الأخطاء منهج في القرآن، قال سبحانه وتعالى لأهل أحد : أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] ولم يرجع ذلك إلى القضاء والقدر، ونحن نخطئ كثيراً، ونقول: قضاء وقدر! نعم هو قضاء وقدر، لكن لماذا لا نستفيد من الخطأ الأول، وندرسه، ونجتمع له ونحلله، لماذا أخطأنا؟

الرماة الذين نزلوا من الجبل لامهم الله عز وجل، وجعلهم سبباً في الهزيمة وحاسبهم الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يقل قضاء وقدر، وقال سبحانه وتعالى للرسول عليه الصلاة والسلام، وقد تصرف باجتهاده في أسارى بدر : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال:67] يعني لماذا تأخذ الأسرى؟ هذا خطأ! ولكن الله عذره، ثم عفا عنه، وعمن أيده عليه الصلاة والسلام من الصحابة، وهذا دليل على منهج مراجعة الخطأ.

وعفا صلى الله عليه وسلم عن مجموعة من المنافقين، كانوا قد اعتذروا إليه كذباً، وما كان للرسول صلى الله عليه وسلم أن يعفو عنهم، لكن قدر الله أن يعفو عنهم، فلما عفا عنهم، قال الله سبحانه وتعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة:43] كان الأسلم والأحسن ألا تأذن لهم حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة:43] وفي صحيح البخاري أن أبا ذر عير بلالاً وقال: يا بن السوداء، فحاكمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: {قال:أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية } حتى لا يعود إليها مرة ثانية.

وعمر لم يولِّ رءوس المرتدين، وقادة المرتين الذين رجعوا إلى الإسلام قيادة الفتوح أبداً، كما قال ابن جرير وابن كثير ، مثل طليحة بن خويلد الأسدي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي الشاعر، لم يولهم عمر أبداً، لأنهم أخطئوا قبل، فاستفاد من خطئهم ألا يأمنهم على جيوش يقودونها في المعركة.

وهنا أسأل سؤالاً: يا شباب الصحوة! لماذا لا نقرأ ملفاتنا السابقة في العمل والدعوة والجهاد، هل تقدمنا أم تأخرنا؟ هل أحسنا أم أخطأنا؟ مثل ملفات حماة ، من هو السبب في قتل ثلاثين ألفاً في حماة ؟ معصومة دماؤهم، شيوخ وأطفال ونساء، أنا أعلم أن الجميع سوف يجيبني أنه الطرف الآخر، وأنا أقول: نعم الطرف الآخر، لكن من الذي تصرف في القرار، وهل كان من الحكمة الدخول مع الطرف الآخر، وهل كان من المصلحة رفع السلاح؟ في اعتقادي أنه لا بد أن ندرس الملف من أوله إلى آخره، لنرى ولا نجعل أفعال الناس وأقوال الناس كأفعال المعصومين، هم بشر لا ينطقون بالوحي، يقول رجل منهم: تبدأ المعركة، فيتسبب بقتل ثلاثين ألفاً، فلا بد من الملف أن نراجعه حتى لا نقع في خطأ آخر.

مثل ملف أفغانستان -وأنا أحترم الجهاد الأفغاني، وأسأل الله أن ينصر المجاهدين نصراً مؤزراً، ونحن مع الجهاد، والذي يتخلف عن الجهاد فيه نفاق، ولا نقصد إلا النصيحة، يعرف ذلك من عرفه، ومن لم يعرف ذلك فإني لا أستطيع أن أقنعه، لأنه وطن نفسه ألا يقتنع، فهو ملغم من داخله ألا يقتنع- مثلاً، لماذا لا ندرس ملف الجهاد منذ أن بدأ إلى الآن؟ لأن المجاهدين إخوان مثلنا، وقد فاقونا بأنهم شهدوا وحضروا، ورأوا بأعينهم، ولكن مع اجتماع الرأي وأهل العلم وأهل الدعوة، قد يكون هناك تصويب كثير.

مثلاً لماذا لا نراجع ملف الصحوة؟! فإن كثيراً من الناس يدعي أن الناس أصبحوا في صحوة، وأنهم عادوا إلى الله، وليس للشباب أخطاء وأن تربيتهم مجيدة، وعلمهم الشرعي متوسط، فإذا جئت تنصح قالوا: لا تشق الصف، لا تثر الغبار، لا تكن حجر عثرة، ولا تثر فتنة على المسلمين، لماذا أنا أثير إذا نصحت؟ وإذا عرضت وأبديت رأياً للناس، هذا لا يكون، فالرسول صلى الله عليه وسلم سمع من الصحابة، وكذلك أبو بكر وعمر ، وسوف يأتي كلام عن هذا إن شاء الله.......


[color=red]من الأخطاء: عدم عذر المجتهد المخطئ





[color:a65b=red:a65b]من أخطائنا أيضاً: عدم عذر المجتهد المخطئ:

الإجماع حجة قاطعة، والخلاف رحمة واسعة، قاله ابن تيمية في مختصر الفتاوى أما حديث: {اختلاف أمتي رحمة } فهو ضعيف، لكن الاختلاف قديم، والله سبحانه وتعالى خلق الناس مختلفين، حتى في أمزجتهم وتفكيرهم الشخصي.

أفراد الأسرة الواحدة لا يتفقون على وجبة الغداء أو العشاء، ربما لا يجمعون إلا في النادر، فمنهم من يريد وجبة كذا، والآخر يقول: كذا.

إذاً فالله ركب الناس على أن يختلفوا في جزئيات من جزئيات الحياة، وكذلك الشريعة، وللعلماء عذر في اختلافهم، وقد كتب ابن تيمية رحمه الله كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام ، بين فيه عذر المختلفين لماذا اختلفوا، لكن يرى البعض منا -مثلي أنا- أنه لا بد أن يتفق العلماء على كل جزئية، وهذا متعسر ومتعذر.

إن أمراً لم يجمع عليه السلف الصالح لا يلزم الخلف أن يجمعوا عليه، فيجوز أن نختلف في فرعيات الشريعة وفي أساليب الدعوة، وفي الجزئيات، وفي مسائل غير مجمع عليها في الصدر الأول، فما هو العيب في أن نختلف؟ مثل زكاة الحلي، كثير منا ثرب على غيره أنه لا يقول بزكاة الحلي، والآخرون يقولون بالزكاة، والأمر فيه سعة، واختلف فيه الصحابة، والأمر واسع، وأنت قل برأيك ولا تعنف ولا تثرب على الآخر.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:12

أما متى يكون المخالف مبتدعاً عند أهل السنة ؟
الذي أراه ضابطاً هو ما ذكره ابن تيمية في الرسائل والمسائل بقوله: من خالف إجماع الصحابة فهو مبتدع، هذا الضابط لكم وأطلب منكم أن تبحثوا في هذه المسألة فإنها تحتاج إلى تحرير. كيف هذا؟! لأن الأشعري -مثلاً- يقول: لماذا جعلتموني مبتدعاً، لأني أقول يراد بضحك الله عز وجل الثواب، يضحك ربنا: يثيب، مع العلم أنكم عذرتم الأحناف لما وضع الواحد منهم يده اليمنى على اليسرى تحت السرة، وقلتم: مجتهد مخطئ له أجر، فلماذا لا أكون مثله مجتهداً ولي أجر.

فنقول للأشعري: أنت خالفت إجماع الصحابة، أما الحنفي في هذه المسألة، فلم يخالف إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، وعدم عذر المجتهد المخطئ في أمرين:

الأول: في نقض الإجماع، فمن ينقض الإجماع لا نرحب به، ولا بد أن نرد عليه، ونعتبره مبتدعاً.

الثاني: من يتتبع الرخص، كأن يأتي إلى شواذ المذاهب السهلة في كل مذهب ويجمعها، كما يفعل العصرانيون في كثير من كتبهم التي طرحوها في الساحة، بل شافهنا بعضهم فقال: إذا رأيتُ في المسألة سبعة أقوال، فإني أختار أسهلها وأيسرها، وهذا من تتبع الرخص، ولا خير فيه، وهو مردود على صاحبه ومذموم.......


من الأخطاء: إعطاء بعض القضايا أكثر مما تستحقه




أيضاً من أخطائنا: إعطاء المسائل أكبر من حجمها، أو التشاغل بقضايا غير واقعة في حياة الناس، أو غيرها أهم منها.

ودين الله وسط بين الغالي والجافي كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143] والله يقول: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [الطلاق:3]

قال المتنبي :

فوضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى


إن من يسمي تربية اللحى وتقصير الثياب قشوراً مخطئ، وليس في الدين قشور، لكني أقول: من جعلها أصلاً من أصول الإيمان فقد أخطأ، إن كثيراً ممن يعظ أول ما يبدأ يحدث الناس يحدثهم بتربية اللحى، وبعضهم قد لا يصلي، أو يأكل الربا، أو يشرب الخمر، أو يزني، أو يرتكب شيئاً من شعب الشرك، وهذا يركز على تربية اللحية ليلاً ونهاراً، فأعطاها أكبر من حجمها، ثم بعضهم يلغيها من حجمها الصغير، ويقول: هي قشور لم ترد بها السنة، وهذا خطأ، لكن نعطيها حجمها ومساحتها.

الغيبة في القرآن ذكرت في آية أو آيتين، بينما معظم آيات القرآن عن التوحيد، والحسد أيضاً ذكر في آيتين، غض الصوت في آية، القصد في المشي في آيتين، أو في ثلاث، فأعطى الله كل مسألة حجمها، ومن أحسن من ألف في ذلك الأستاذ العلامة أبو الأعلى المودودي ، وهو كتاب: كيف تقرأ القرآن ؟ وأتى بقواعد فذة تنبئ أن الرجل ليس بالسهل وأنه كان عملاقاً.

يقول: أزل من عقلك كل تصور عن القرآن مسبق، وأعط المسألة حجمها... إلى غير ذلك، وهذا ليس من شأني في هذه المحاضرة.

أقول: أعطينا كثيراً من المسائل أكبر من حجمها، كم صدرت من فتاوى في التصوير، ومناقشات وتنبيهات وتحذيرات مع العلم أنها مسألة فرعية بالنسبة لمبدأ العلمانية ، الذي لم يلق من الحديث والكلام عشر معشار ما وجده التصوير، تكلمنا في التصوير ليلاً ونهاراً في كتيبات، وردود، ومناقشات، ومباحثات ومحاضرات!

والعلمانية أنا أجزم أن كثيراً من العلماء لم يتكلموا فيها ولو بكلمة، وهي مذهب يهدد الإسلام من جذوره.

قبل سنة كان كثير من الناس لا يعرفون شيئاً عن حزب البعث ، وهو حزب مارد، دخيل يريد هدم الإسلام، فلم يتكلم عنه أحد، وبقينا نتكلم كثيراً عن التصوير والفيديو وضررهما على الأمة.

إن البدع تهدد العالم الإسلامي في وقت لم يهتم بنشر العقيدة الصحيحة، ولم تبين الإيمانيات كما عرضها الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح .

كم أخذت مسألة القيام للداخل، أنا أعرف فيها رسائل، وهذا يقول هذا الرأي، ويغضب عليه آخر، لأنه خالفه.

وكذلك جلسة الاستراحة، وتحريك الأصبع في التشهد، هل سمعتم أن الدعاة تكلموا بغزارة في مسألة الحداثة، والغزو الفكري، والولاء والبراء، والربا، ووسائل هدم الإسلام لبنة لبنة، كالإعلام المهتري، وغير ذلك من المسائل الكبيرة، والواحدة منها كارثة على الأمة وعلى الإسلام والمسلمين، وهذا من أخطائنا: أنا نعطي المسألة أكبر من حجمها، أو نصغرها.......


من الأخطاء: استعجال النتائج




ومن أخطائنا: استعجال النتائج، وهي آفة تصيب الحريصين على الدعوة وعلى الخير، يسابقون الزمن، يبذر الواحد منا البذرة اليوم ويريد النتيجة غداً، وسنة الله عز وجل في الخلق والحياة على الترتيب والتدرج، لا بد من التدرج، الليل لا يفجؤك بسواده، والنهار لا يفجؤك بضوئه، وذلك لأن الله: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [الحديد: 6] تدريجياً.

والإنسان لا يولد من بطن أمه، ثم تنبت لحيته، ويكتمل عقله، ويتكلم على المنبر، بل يولد رضيعاً ثم طفلاً ثم شاباً ثم كهلاً ثم شيخاً هرماً، حتى يصل إلى الله، هذه سنة الله.

كذلك الشجرة، والإسلام كالشجرة، وعرض الدعوة على الناس لا بد أن يكون بالتدرج، وفي الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام أنه أرسل معاذاً إلى اليمن ، وقال له: {فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك } بالتدرج، لا تبدأ بالصلاة قبل الشهادة، أو مع الشهادة، بل بعدها: {فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة }.

قال سبحانه وتعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [طـه:114]

لكن انتظر حتى يصلك القرآن، وحتى تتثبت مما يقال لك، قال سبحانه وتعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35] لا تستعجل النتيجة، ولا تقطف الثمرة الآن، اصبر إلى ميقات محدد وأجل مسمى، لتنال أجرك ومثوبتك وثمرتك من الدعوة، قال سبحانه وتعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة:16] أي لتعجل بالقرآن، قال سبحانه وتعالى: وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ [الإسراء:106] لأنه للتربية، وكذلك عرض الدعوة على الناس، لا بد له من تمهل وتريث واستراتيجية ودقة وحكمة وحنكة، حتى ننتصر وحتى نحصل على مكاسبنا إن شاء الله.

في الصحيحين من حديث صهيب أنه تبرم هو وبعض الصحابة، والرسول عليه الصلاة والسلام متكئ على برد عند الكعبة، فقال له: {يا رسول الله ألا تستنصر لنا؟! ألا تدعو لنا؟! فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أنهم قوم يستعجلون، وقال: والذي نفسي بيده! ليتمن الله هذا الدين حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون } وبالفعل بعد خمس وعشرين سنة، خرجت كتائبه عليه الصلاة والسلام مهللة مكبرة، ترفع الدين في العالم.

وشقت الصمت والأنسام تحملها تحت السكينة من دار إلى دار


وفضفضت مكة الوسنى أناملها وفضت الكون إيذاناً بإخبار


النور أقبل من خلف الظلام وفي عينيه أسرار عشاق وسمار


في كفه شعلة تهدي وفي دمه عقيدة تتحدى كل جبار


أيضاً لسنا مطالبين بالنتائج، فالنتائج على الله، وإنما عليك أن تدعو، فإن استجيب لك وإلا فأجرك محفوظ مكفول عند الله، سواء استجيب أولم يستجب، ذكر الله نوحاً في القرآن، فقال: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً [العنكبوت:14] ومع ذلك، لم يؤمن معه كثير من الأفراد، وبعض الدعاة الآن أكثر أفراداً ومستجيبين من نوح عليه السلام، ولكن الأجر لنوح أكثر؛ لأنه رسول، ولأنه تعب وجاهد.

والنفوس مستعصية، وصعبة المراس، ولها دخائل، ولا تستجيب بسهولة، فالرجاء منا أن نتلافى هذا الخطأ، وأن نصبر على المدعوين، وما يمنعك أن تصاحب الشاب -مثلاً- سنة، وتدعوه سنة أو سنتين، رويداً رويداً، لعل القدر أن يستجيبوا بعد سنة، أو سنتين.......


من الأخطاء: الانطواء والفرار من المشاركة




ومن أخطائنا: الفرار من الدعوة والمشاركة والتأثير، بحجة الفتنة والحفاظ على الدين، أنا لا أنكر أن العزلة قد تكون مستحبة أحياناً لبعض الناس، وفي بعض الأحوال، وفي بعض الأماكن، كعزلة أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه في عهد عثمان رضي الله عنه، لكن أن تكون صبغة عامة، أو يدعى إليها لتصبح ظاهرة في الصحوة، هذا ليس صحيحاً، وهذا خطأ.

ما هو دليل الذي يفر من المجتمع والمشاركة، ومن التأثير والدعوة؟ يستدلون بأدلة منها:

حديث أبي ثعلبة الخشني وهو حسن: {مر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة }.

وهذا لم يقع بعد، فما زال في الناس من يستمع، وما زال كثير منهم يقبل الحق ويتأثر بالدعوة، بل الكثير -والحمد لله- نرى منهم الاستجابة، ونرى منهم الإكرام لطلبة العلم والدعاة لأنه يطلب العلم ولأنه يدعو إلى الله عز وجل.

وبعض الناس يقرأ حديث أبي سعيد في الصحيحين : {يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن } ويحملونه على أنه هذا العصر، وتجد بعضهم يذهب من بيته إلى المسجد، ولا يشارك في الدعوة، والتأثير، ولا في معاونة إخوانه، أو في الاجتماع على الحق، بحجة أن العصر مظلم، وأن الواقع أصبح لا يتحمل المخالطة، وهذا خطأ، قال عليه الصلاة والسلام والحديث حسن عند أبي داود وأحمد : {الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم }.

إنك إذا خالطت أوذيت، وتعرضت إلى إهانة واستهزاء وسخرية، ولكن هذه الطريق هي طريق الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وقال لقمان عليه السلام لابنه كما حكى عنه ربنا في كتابه: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:17] ولم يقل: افرح بما أتاك، لأنه يعلم أنه سوف يأتيه إيذاء وسخرية وشماتة، فقال: اصبر على ما أصابك.

والصلاة: جماعة، والجمعة: جماعة، والعيدان: جماعة، والحج: جماعة، والفطر يوم يفطر الناس، والصيام يوم يصوم الناس، والأضحى يوم يضحي الناس، وتعاونوا على البر والتقوى، الإسلام مشاركة ومعاونه، نحن جمعية كبرى، أعضاؤها كل بار على وجه الأرض.

النفع اللازم والمتعدي:

وكثير منا يشتغل بالنفع اللازم، ويظن أنه أنفع من المتعدي، فيقول: انظر هؤلاء الدعاة، شتتوا شملهم وقسوا قلوبهم بالتحرك والتنقل والأسفار، لو جلسوا وأدوا النوافل، وركعتي الضحى وذكروا الله، فقد قال صلى الله عليه وسلم: {وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ خير مما طلعت عليه الشمس } ولزموا صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وقيام الليل لكان خيراً لهم. ولا يعلم هذا أن أولئك هم المجاهدون صراحة، وأنهم وقفوا على الثغور، وأنهم الشجا في حلوق المارقين والزنادقة، وأنهم ضربوا منهم كل بنان.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في النفع المتعدي إلى غير صاحبه: {لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم } فإنه مكسب عظيم، فإذا هدى الله على يديك رجلاً واحداً وإني أعتبر هذا العمل أفضل من مائة ركعة أو من ألف ركعة؛ لمن قبل الله عز وجل منه وحتى من قبل منه ألف ركعة، فالذي هدى الله به رجلاً أفضل، وهذه طريقته عليه الصلاة والسلام وطريق الخلفاء الراشدين من بعده، والأئمة الكبار.

أما من وجدوا في فترات يستدل بهم بعض الناس كـداود الطائي وإبراهيم بن أدهم ، ويوسف بن أسباط رحمهم الله، من الذين أصلحوا قلوبهم، وأثنت عليهم الأمة، فهم أخيار، لكن لايكون كلامهم منهجاً للأمة، ولا للشباب ولا للجيل.

والغزالي في الإحياء يؤيد العزلة، وقد كان في أول حياته محباً للخلطة في بغداد ، وأيدها في كتبه الأولى، فلما صدف إلى العزلة وأحبها أيدها.

وأعرف أن المعتزل عن الناس يشعر بخشية وخشوع ورقة قلب، وأن من يجاهد ويأمر وينهى ربما شعر بقسوة، لكن أجره على الله عز وجل، لأنه واقف بين الصفين، وسنانه يقطر دماً، وهو يحمي ثغور الإسلام، أما هذا فعمل لنفسه فقط.

والنظر إلى المجتمع بنظرة التشاؤم يورث الورع البارد من مخالطة الناس.

وفي صحيح مسلم عنه عليه الصلاة والسلام قال: {من قال: هلك الناس فهو أهلَكَهم } وفي لفظ {أهلكُهُم } فإن كان أَهْلكُهُم: فهو أشدهم هلاكاً لأنه أعجب بنفسه أو أهلكَهم: -فعل ماض- أي: أنه بفعله هذا تسبب في إهلاك الأمة وإغراقها؛ لأنه أشاع الفاحشة أو التهاون في صفوف الأمة.

ويصاب بعض الناس الذين يفرون من الواقع بشيء من تنزيه النفس، فيقول أحدهم: أعوذ بالله! واقع مظلم! ما دخلت إلى الأسواق ولا رأيت فيها من المنكرات؟! نسأل الله العافية والسلامة، نقول له: ألا تشارك معنا في الأمر بالمعروف؟ فيقول: أعوذ بالله! تقول له: ألا تدعو؟ فيقول: أعوذ بالله! نسأل الله العافية، أنت الواقع في المصيبة، إن الذي ينزل إلى السوق ويأمر وينهى ويتكلم ويعظ ويجاهد أفضل منك بدرجات عند الله سبحانه وتعالى.......



_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:13

من الأخطاء: عدم الرجوع إلى المستنبطين




أيضاً من أخطائنا: عدم الرجوع إلى الذين يستنبطونه، من هم الذين يستنبطونه؟ هم أهل العلم، قال تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18] وقال سبحانه وتعالى عن صنف وشريحة من الناس: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] والذين يستنبطونه منهم هم أهل الفقه، وأهل الرأي والعقل، فالخطيئة التي نرتكبها ونخطئ فيها، أننا لا نعود وقت الحوادث إلى العلماء، مثل فتنة قتل الشيخ جميل الرحمن ، أصبح الكثير يتكلم، وكل أخذ منبراً، وكل تحدث، حتى من أناس ما رأينا لهم حديثاً في الإيمانيات ولا في العقيدة، ولا في الفكر الإسلامي، أو الأدب الإسلامي، أو في الردود على المبتدعة والضالين، ومع ذلك تكلموا في الفتنة.

مع العلم أن لنا مادة علمية ولنا عالم نباهي به علماء الأمة، وهو سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ، فلماذا لم نعد إليه؟ لماذا لم نسأله؟

ما رأيه في الأزمة وما رأيه في المشكلة؟

فهو عالم، والله يأمرنا أن نعود إلى العلماء في الأزمات بقوله: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] والذين يستنبطونه هم العلماء: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] وهذه المسائل حساسة، وتودي إلى فتن رهيبة في الأمة لا يعلمها إلا الله (أعط القوس باريها) هذا مثل عند العرب، وهو أن تعطي كل صاحب تخصص تخصصه.

عرض على عمر رضي الله عنه وأرضاه بيت من الشعر لأحد الشعراء، هجا به أحد الشعراء الزبرقان بن بدر .

دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي


فهل يستدعي عمر أبي بن كعب سيد القراء؟ أو زيد بن ثابت صاحب الفرائض؟ لا إنما يستدعي صاحب القافية، وشاعر الدين والملة، حسان بن ثابت ، وقال: ما رأيك في البيت؟ أهجاه؟ قال: لا ما هجاه ولكن سلح عليه؛ فلا بد من الرجوع إلى أهل العلم.

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا


والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين من حديث ابن عمرو : {إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العلماء، ولكن يقبضه بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً، وفي لفظ رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا }.

فنحن لن يتوقف حال المسلمين على فتواي أو على فتواك، ولا احتاجتنا الأمة، وقد كان الصحابة يتدافعون الفتيا، ونحن نقفز وندخل في الفتيا، ونحبها ونحببها ونأخذها بالقوة، وليس هذا من الحكمة.

فينبغي لنا إذا حصل حادث أو طرأ طارئ على الأمة أن نعود إلى الذين يستنبطونه، وأن نسألهم وأن نتريث حتى يصدروا أمراً، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فأجر واحد، ونسلم نحن من التبعة، ونسلم من اللوم، ونسلم من الإثم، ولنولِّ حارها من تولى قارها.

وسوف نعود بموقف موحد، وسوف تجتمع قلوبنا إذا عدنا إلى الذين يستنبطونه من العلماء.

وأمر آخر وهو أنه ينتقد العلماء بسهولة في مجالسنا، يخطئ الواحد منهم في مسألة فرعية، فننقده، وننسى حسناته، فلابد أن نعرف أن هؤلاء العلماء -بإذن الله- لولاهم لخطب الدجال من على المنبر، ولاستبيحت كرامة الإسلام، ولمرغ الإسلام في التراب.

إن العالم الذي يفتي في الحيض يشرف هذا الدين، والعالم الذي يفتي في مسائل فرعية يرفع رأس هذا الدين، والعالم الذي سد علينا ثغرة أحسن كل الإحسان، وانتهاك حرمة العلماء، واقتحام هذا السياج الخالد المقدس بسهولة أمر لا يقره الإسلام ولا الأدب، فلابد أن نعرف قدرهم وأن نحترمهم.......


من الأخطاء: ضيق النظرة الدعوية




أيضاً أيها الإخوة: من أخطائنا: ضيق النظرة الدعوية، أو تحجيمها في أسلوب واحد فحسب، قال محمد أحمد الراشد في المنطلق : علماء السلف علماء عامة، وأنا أعجبت بهذه الكلمة، وصدق فيما قال، فعلماء السلف علماء عامة، أحمد ، العز بن عبد السلام ، مالك ، الشافعي ، ابن تيمية ، ابن القيم ، كانوا علماء عامة، تجدهم في المساجد، في الشوارع، في الحوانيت، يخالطون العامة، أما تحجيم الدعوة في أمر خاص أو في جزئية بسيطة سهلة، فهذا ليس من مسلك أهل السنة والجماعة ، المجتمع شرائح وطبقات وفئات، ولكل أساليبه.

ولا بد أن نوفي هذه الجوانب حقها، والله سبحانه وتعالى أعطى الناس مواهب بحيث أنه يمكن في مجموعهم أن يقوموا بشأن الدين، لكن لا تعطى المواهب لرجل واحد، فلا نستطيع أن نقول: هذا الرجل يكون هو الخطيب والمحاضر والمفتي والشاعر والمتكلم، فهذا ما لا نستطيع أن نقوله.

وأنا أعرف أن كثيراً من الإخوة ومن الشباب يعتذر عن عدم مشاركته في الدعوة بأنه لا يستطيع الخطابة أو إلقاء المحاضرات، أو المشاركة في الندوات، وليست الدعوة منحصرة في هذه الجوانب، بل الدعوة تخطيط وتنسيق وإرادة وإدارة، ومشاركة بالمال وبالدعاء، ولكن لا تنصرون إلا بضعفائكم، بدعائهم وباستغفارهم وبصلواتهم لكم.

فأنا أدعو كل مسلم أن يوسع نظره في مسألة مجال الدعوة، وطرق الدعوة وأساليب الدعوة، وأن يعلم أنه سوف يستطيع أن يقدم شيئاً لهذا الدين، فأنت أوتيت مثلاً موهبة في التفسير، وهذا موهبة في الحديث، وذاك في الأدب، وهذا في المال، وهذا في الجسم، فإذا اجتمعنا جميعاً رفعنا راية هذا الدين، بإذن الله سبحانه وتعالى.

أيضاً من الأخطاء: تضخيم بعض جوانب الخير على حساب جانب منها، فإن بعض أهل الطموح إذا عشق جانباً من جوانب الخير كالجهاد والعلم، استولى عليه هذا الجانب، حتى جعل الإسلام في هذا الجانب، فهذه شريحة من الشباب، يدندنون بالجهاد صباح مساء، حتى تركوا طلب العلم من أجل الجهاد، بل حملهم ذلك على تنقص حلقات الدروس، وقالوا: لا يفتي القاعدون، ودروس القاعدين ليس فيها بركة، كيف تدرسون الأمة وأنفها في التراب؟! ولقد أصبنا بالذل منذ أن سقطت الأندلس ، لماذا هذا التوسع في هذا الجانب على حساب الجانب الآخر؟! ويقابله آخر يطلب العلم، فيجعل العلم ليله ونهاره حتى يضر بمسألة الجهاد، والإسلام كل متكامل، ولا بد أن نعطي كل مسألة حجمها، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يلبس لكل حالة لبوسها، فهو خطيب على المنبر، ومفتٍ في الحلقة، ومدرس للجيل، ومجاهد في الجبهة، فلا بد أن نعطي كل مسألة حجمها، على أنه قد يفتح لبعض الناس أبواب من الخير لا تفتح للآخرين، وإن الله قد يفتح لك في الأوراد والذكر، ويفتح على غيرك في أبواب الجهاد، والثالث في العلم، والرابع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148].......


من الأخطاء: التقصير في التخطيط المسبق




من أخطائنا: تقصيرنا في التخطيط المسبق، والدراسات المتأنية، والانطلاق بعشوائية، فقد يقوم جهاد أو مشروع كبير بجرة قلم، أو برأي طارئ، ثم لا يحاسب هذا الذي بدأ المشروع، أو بدأ الجهاد، أو بدأ هذه القضية، وكأنه معصوم يتكلم بالوحي، والله سبحانه وتعالى قال لرسوله عليه الصلاة والسلام وهو المعصوم: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران:159] وقال سبحانه عن المؤمنين: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38] والرسول صلى الله عليه وسلم استشار الصحابة في أكثر من موطن، وفي حديث الإفك أنه استشار أسامة ، واستشار علياً ، والوحي ينزل عليه صباح مساء، فمن الخلل أن نلقي بالقرار في يد شخص واحد، ليسير الأمة، ومصير الأمة كجهاد أو مشروع كبير، ثم لا نسأله ولا نناقشه ولا نناصحه ولا نفاوضه، ولا نحاسبه، هذا خطأ، والحقيقة أن الغرب أفلح في هذا المورد أكثر من الشرق الإسلامي الذي جعل القرار في يد واحد، وبُرمج الناس على ذلك، حتى لم يقبل الناس النقاش ولا الحوار ولا المناصحة.

وفي السيرة أن عمر رضي الله عنه دخل الكعبة، وقال: لقد هممت أن أوزع كنوز الكعبة على الفقراء.

قال أبي بن كعب : والله لا تفعل! قال: ولِمَ؟ قال: لم يفعل صاحباك، الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، قال: [[هما المران يقتدى بهما ]].......


من الأخطاء: ترك الدعوة بحجة الذنوب




خطائنا: تذرع البعض عن الدعوة والمشاركة والتأثير بذنوبه وخطاياه، وأن مثله لا يدعو الناس، وأنه ينبغي عليه أن يكمل، فإذا كمل دعا، وهذا خطأ يخالف الكتاب والسنة، ومنهج الصالحين، قال سبحانه وتعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً [النور:21].

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم : {والذي نفسي بيده! لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم }.

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه


سأل الإمام أحمد تلميذه عن مسألة، فقال له: لماذا لا تأمر ولا تنهى؟ قال: حتى أكمل، قال: أوه! ومن الذي يكمل؟!! أو كلمة تشبه ذلك، أي أنه لا يكمل أحد إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد يكمل إنسان كمالاً نسبياً، لكن هل ينتظر حتى يتبرأ من الذنوب والخطايا، هذا ليس بصحيح، قال عليه الصلاة والسلام كما عند الترمذي وغيره: {كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون } فعلينا أن ندعو ولا نتذرع بالذنوب، وكثير من الأحباب يرى أنه لا يحق له أن يشارك ولا أن يتكلم، ولا أن يدعو لأنه مذنب، وهل سمعتم أن واحداً ممن حضر هذا الجمع، أو من غيره، أو من قادة الصحوة، أو من جهابذة الأمة وفضلائها؛ معصوم من الذنب، لا أعلم أحداً، فالذنب حتم على العبد، ولا بد أن يذنب، ولكن الله يغفر الذنب، ويستر العيب وما نحن إلا مقصرون، والراحم والساتر هو الله سبحانه وتعالى.......


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:13

من الأخطاء: الإقليمية في الدعوة




أيضاً من أخطائنا: الإقليمية في دعوتنا، فيجب إذا تحدثنا أن نتحدث وكأن البلد الذي أمامنا هو العالم الإسلامي، وكأن الكرة الأرضية أمامنا بمشكلاتها وبمقتضياتها وبأطروحاتها وبما فيها.

يجب علينا أن نخاطب العالم الإسلامي جميعاً، فقد قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] وقال سبحانه وتعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]. فانطلق صلى الله عليه وسلم من هذا المبدأ.

خطابه لكل العالم ولكل من في الأرض.

تسمع أحياناً بعضنا في محاضراته يتكلم عن جزئية من جزئيات إقليم من الأقاليم، ثم تبقى المحاضرات والكتيبات والأشرطة والندوات، إلا القليل تتحدث عن بلد من البلاد الإسلامية، دون البلاد الأخرى التي تعج بكثير من الأخطاء وكثير من التقصير.

قال سبحانه وتعالى: وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [الأنعام:92] قال بعضهم: (من حولها) هم أهل الأرض، فأهل الأرض كلهم حول مكة .......


من الأخطاء: عدم احترام التخصص




أيضاً: من أخطائنا: عدم احترام التخصص.

وأنا أقول للأخيار والفضلاء وأنا متطفل بين أيديهم: إن علينا نحن في دائرتنا -دائرة الصحوة الإسلامية- أهل الالتزام والمسيرة الخالدة -وأما أولئك فلنا كلام آخر معهم- أن نعتني بالتخصص، وكان السلف يرون أن من يتكلم في غير فنه يخطئ، وقالوا عن بعضهم في التراجم: أخطأ لأنه تكلم في غير فنه.

والإنسان عرضة للخطأ، والرسول صلى الله عليه وسلم أقر مبدأ التخصص مع أصحابه، فجعل سيد القراء أبياً وزيد بن ثابت للفرائض، وحساناً للشعر، وخالد بن الوليد للجهاد، وعندنا ثغرات، وعندنا من الأخيار من يستطيع أن يسدها إذا وقفوا في مواطنهم التي يُسِّروا لها.

مثلاً فضيلة الشيخ الدكتور بكر أبو زيد في الفقه وفي عالم بناء العقيدة وعرض منهج أهل السنة والجماعة لشباب الصحوة، فنريده في هذا المكان، فسوف يسده لنا، والدكتور الشاعر عبد الرحمن العشماوي نريده في الأدب والقوافي متصدياً لها، منافحاً عن الدين، ونشكره كذلك، وسوف يسد علينا هذه الثغرة.

إشراقات الدكتور أحمد التويجري في رده على الزنادقة الجدد نطلبها، ونريده من واقع تخصصه لا يعدوه.

وعدوى الإعلام، وبلايا الإعلام، دواؤها من عند الدكتور سعيد بن زعير فنريده في هذا، فهو يجيده، لعل الله أن يسد هذه الثغرة به.

فلا نطلب من الطبيب أن يكون خطيباً -وقد يكون هذا في النادر- ولا نطلب من المهندس أن يكون مفتياً، ولا من الشاعر أن يكون طبيباً، أو نحو ذلك.

وافهموا هذا المعنى، فهذا أمر مهم، وكثير من الناس يترك تخصصه ويذهب إلى تخصص آخر، فيسيء ويخطئ، والأمة والحمد لله مكتملة في هذه الجوانب، عندنا عشرات من الشعراء، وعندنا عشرات من الخطباء، وعشرات من المفتين ومن المؤذنين.......


من الأخطاء: التقصير في تكثير سواد المؤمنين




ومن أخطائنا أيضاً: التقصير في تكثير سواد المؤمنين.

الدين مبني على مراغمة أهل الباطل، وهذه الكلمة لـابن القيم في مدارج السالكين ، فينبغي لنا أن نظهر الإسلام قوياً في اجتماعاتنا وفي لقاءاتنا، وفي محاضراتنا، وقد مشى أبو دجانة في أحد مشية الخيلاء أمام الكفار، والخيلاء محرمة إلا في مثل ذاك الموطن، فقال صلى الله عليه وسلم: {إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن }.

فعلينا أن نكثر سواد الأخيار والمؤمنين، في مثل اللقاءات والدروس والمحاضرات، ونحشد حشداً هائلاً في الحضور، حتى نظهر هذا الدين بمظهر القوة والتعاون، فالعيد جماعة، والجمعة جماعة، والاستسقاء، وصلاة الكسوف، والأفراح الإيمانية، وكذلك المحاضرات والدروس، بعضهم يذكر أنه لا يستفيد من المتكلم، نعم قد يكون المتكلم مفضولاً وأنت أفضل منه، لكنك تحضر لتكثير سواد المؤمنين، ولإظهار القوة والكثرة والعدد، لأن هذا مقصود، والمرتدون والمارقون والمرتزقة يزعجهم تجمع المؤمنين.

يزيد يغض الطرف دوني كأن ما زوى بين عينيه عليّ المحاجم


فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ولا تلقني إلا وأنفك راغم


إن إرغام هؤلاء مطلب شرعي لنا، ونحن نريد أن نغيظ هؤلاء المارقين المرتدين، الذين يفرحون بتجمعات أهل الباطل، ويحشدون حشودهم من أجل الباطل.

وأنا في هذا المكان أدعو العلماء والقضاة وكتاب العدل والمشايخ وأساتذة الجامعات والأدباء والمربين، أن يحضروا المحاضرات، وماذا عليهم لو حضروا، وقد حضر من هو أفضل منهم عند كثير من الدعاة ممن هو أقل منهم علماً وأدنى منهم شأناً، وقد قال ابن القيم في بدائع الفوائد : إن سليمان عليه السلام على جلالته استمع إلى الهدهد، لما قال: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ [النمل:22] فحق لهم أن يحضروا، وأن يشاركوا وأن ينصروا هذا الدين بالحضور.

وإن المحاضر يفرح ويثلج صدره، ويتشجع إذا رأى المشايخ والقمم العلمية والدعاة والجهابذة أمامه.

ثم إن الشباب يرون أن مشايخهم قد حضروا وأثروا الساحة بالحضور، ودخلوا بعلمهم وبحكمتهم واتزانهم، وقادوا الركب إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا مطلب، ونحن نغفل عنه كثيراً، لقد تخلى بعض الدعاة عن المشاركة في الندوات والمحاضرات، لأن الجمع خذلهم.

حتى أصبحنا نرى أنه يجب علينا أن نحشد الناس حشداً وأن نحضرهم لهؤلاء حتى تقوم دعائم هذا الدين، وسبحان الله الذي جمع بعض الوجوه في الشر ولم يجمعها للخير!

رأى عمر رضي الله عنه وأرضاه سارقاً يقام عليه الحد ووراءه جماعة من الناس، فحثا في وجوههم التراب، وقال: قبح الله هذه الوجوه، التي لا ترى إلا في الشر، فكثير من الوجوه لا ترى إلا في الشر أو في الطوارئ التي تحدث ولا مصلحة من ورائها، أما أهل الخير فقليل، وأنا أعرف أن الحضور كثير، لكن بالنسبة لمن يحضر في بعض أماكن اللهو واللغو والعبث هم قليل، فهناك ألوف مؤلفة إن حضر هنا ستة آلاف، ففي المدرجات ستون ألفاً وأكثر، فجزى الله خيراً من كثر سوادالمؤمنين وحشره الله في زمرة المؤمنين.......


من الأخطاء: التقصير في مد الجسور مع الطبقات الأخرى




ومن أخطائنا: التقصير في مد الجسور مع كثير من طبقات الناس.

قد نتوجه بالدعوة والتأثير والعلم والتربية والتوعية إلى شباب الصحوة، أو الطلاب، أو أهل الخير، أو من فيه التزام.

والمراكز الصيفية والمخيمات قد لا تسجل إلا من فيه التزام، بل لا يأتيها في الأصل إلا من عنده شيء من الالتزام، ولو الالتزام الظاهر، ولكننا نترك طبقات وشرائح كبرى هي أكثر من الطبقات التي نتحدث إليها، كطبقة التجار مثلاً، وطبقة الجنود والفلاحين، وطبقة عوام الناس.

والرسول صلى الله عليه وسلم كما قلت في أول الحديث رجل عامة صلى الله عليه وسلم ورسول عامة، وكذلك علماء السلف ، فلا بد أن نصل إلى هؤلاء، والناس على الفطرة، وهم يقبلون الدعوة، ويحترمون الداعية إذا وصل إلى قلوبهم، وتحدث معهم.......


من الأخطاء: الغلظة والفظاظة




أيضاً من أخطائنا: الغلظة والفظاظة، توجد فينا وفي أمثالنا غلظة وفظاظة في التعامل، وعدم وجود اللين والبشاشة والبسمة الرائقة التي تجذب قلوب المدعوين، ومدح الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم باللين، فقال: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] إنه يجب علينا في هذه المرحلة أن نكسب الناس وأن نتألفهم، وقد تألف الرسول صلى الله عليه وسلم صناديد العرب بالإبل، وتألفهم بالمال والثياب، فلماذا لا نتألف الناس بالبسمة والزيارة والتواضع حتى نكسب الناس؟

وقد أثنى الله على نبيه فقال: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] وقال صلى الله عليه وسلم: {وتبسمك في وجه أخيك صدقة } وهذا لا يستطيع له إلا من أصلح الله قلبه، وهداه سنة محمد عليه الصلاة والسلام.

ويبقى هناك سؤال ربما يطرح وهو الذي قلته في بداية هذا الدرس: لماذا لم توجه النقد إلى الآخرين، ووجهته لنا نحن الدعاة؟

وأجيب بما أجبت في أول المحاضرة لكن بأسلوب آخر أقول: الأحسن أن نتلافى أخطاءنا قبل أن ينبهنا غيرنا على الأخطاء، والتناصح منهج إسلامي، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [[المؤمنون نصحة والمنافقون غششة ]] أما أولئك فلهم كلام آخر، والرسول صلى الله عليه وسلم ترك تعزير وإقامة الحد على عبد الله بن أبي ، قالوا: لأن الحد لا يطهره، وإنما أقامه صلى الله عليه وسلم على من قذف من المسلمين؛ لأن الحد يطهره.

فأنتم وأنا التنبيه يطهرنا، لأننا إن شاء الله على حديث: {إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث } فهو شيء سهل لا يعكر إن شاء الله صفو الماء ولا ينجسه.

وهي مرحلة لا بد منها، وهي مرحلة أن ننظر وراءنا في أخطائنا التي وقعنا فيها، وندرس ملفاتنا السابقة في الدعوة والعمل، والجهاد والتعليم، ولأنَّا لسنا معصومين، وإنما عرضة للتجارب، ونحن في عصر أصبح العالم كله يدرس أخطاءه.......


ملخص الأخطاء




وألخص الأخطاء:

الأول: قلة الإنصاف.

الثاني: صعوبة عرض عقيدة التوحيد السهلة الواضحة الميسرة على الناس.

الثالث: تسمية البطالة بالزهد، والانزواء عن كسب المال وجمع الرزق.

الرابع: عدم مراجعة الأخطاء والاستفادة من التجارب، وقد وقعنا في أخطاء مدلهمة ولم نستفد منها.

الخامس: عدم عذر المسلم المخطئ، إذا كان قصده الحق.

السادس: إعطاء المسائل أكبر من حجمها، أو التشاغل بقضايا غير واقعة، أو غيرها أهم منها.

السابع: استعجال النتائج.

الثامن: الفرار من الدعوة والمشاركة والتأثير بحجة خوف الفتنة والحفاظ على الدين.

التاسع: عدم الرجوع إلى الذين يستنبطونه من أهل العلم فيما يلم بنا.

العاشر: ضيق النظرة الدعوية، أو تحجيمها في أسلوب واحد فحسب.

الحادي عشر: تقصيرنا في التخطيط المسبق، والدراسة المتأنية، والانطلاق بعشوائية في أعمالنا وفي مشاريعنا.

الثاني عشر: تذرع البعض بذنوبه وخطاياه، فلا يدعو إلى الله.

الثالث عشر: الإقليمية في دعوتنا.

الرابع عشر: عدم احترام التخصص.

الخامس عشر: التقصير في تكثير سواد المؤمنين.

السادس عشر: تقصيرنا في مد الجسور مع الطبقات الأخرى من طبقات المجتمع، وعامة الناس.

السابع عشر: الغلظة والفظاظة في بعض أساليبنا.

أسأل الله أن يصلح الحال.

أقول لكم أيها الأحباب: هذه وجهات نظر تقبل المناقشة وتقبل الحوار، فهي من كلام رجل ليس بمعصوم، وهو مخطئ، بل هو أول مخطئ.

لعمرو الله ما نسب المعلى إلى كرم وفي الدنيا كريم


ولكن البلاد إذا اقشعرت وصوح نبتها رؤي الهشيم


فأنا الهشيم هذه الليلة، فخذوا من الهشيم ما استطعتم، واعفوا عن أخيكم، عفا الله عنكم! واعلموا أنها من مبدأ النصح عسى الله أن يصلح بنا وبكم طريق الرشاد، وأن يحفظنا وإياكم من طريق الهالكين، وأن يجعلنا ممن إذا استمع القول اتبع أحسنه، وأن يهدي بنا وبكم أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى صراط الله المستقيم، وأن يرغم بنا أنوف المرتدين والمنافقين والملحدين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.......

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:14

واهتز العرش
في هذه المحاضرة تقرأ قصة بطل من الأبطال، إنه سعد بن معاذ: إسلامه ، مواقفه البطولية ، موقفه من يهود بني قريظة ، وحكمه فيهم ، ووفاته ، وما حصل له من كرامات يوم وفاته من تشييع سبعين ألفاً من الملائكة لجنازته ، واهتزاز العرش لموته.

وأشار الشيخ إلى دروس عظيمة وجليلة من سيرة هذا البطل الذي خلد التاريخ اسمه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

إسلام سعد بن معاذ




إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته:

عنوان هذه المحاضرة: واهتز العرش.

نعيش اليوم مع صحابيٍ جليل ومجاهد نبيل، اخترناه لسبب عجيب ولنبأ غريب، اخترنا سيرته؛ لأنه عدو لليهود، ولأنا نعيش اليوم عداوة اليهود وبغيهم ومكرهم، فرشحنا هذا البطل الشهيد ليكون قصتنا، ولأننا مع جهادٍ دائم مع أعداء الله، فكان من الحكمة أن نتحدث عن مجاهد صادق، ومقاتل مقدام، صارت شجاعته حديث الركبان، وأصبحت بطولته مضرب المثل، فحيا الله أبا عمرو سعد بن معاذ الأوسي الأنصاري ، ويكفيه شرفاً وفخراً، وحسبه ثناءً ومدحاً أن عرش الرحمن اهتز له لما مات، وليس بعد ذلك فخر ومجد، وليس بعد ذلك علو ورفعة، وأملي من الواحد الأحد الذي قيض للإسلام من أمثال سعد بن معاذ أن يقيض من هذا الجيل ومن أصلابه ومن أبنائه ومن أحفاده عشرات من أمثال سعد ، فليس ذلك على الله بعزيز، أسأله أن يردنا كما كنا أعزة أقوياء شرفاء بديننا وبمبادئنا، فلقد كان سلفنا خير أمة أخرجت للناس.

عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه


وأسد غابٍ إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون لقياه/SH>>
يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه


سعد بن معاذ ! حيا الله التضحية والبطولة، والمجد والفداء، اللهم أعني على أن أعطيه حقه من السيرة، وأن أقدمه لهذا الجيل المتوضئ الطاهر الطيب كما كان رضي الله عنه.

أما قصة إسلامه وقصة حياته فلا يتسع لها المجال، ولكن هيا بنا: بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا [هود:41] ومع سعد بن معاذ .......



سعد يريد قتل مصعب بن عمير



أرسل صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مصعب بن عمير ؛ الشاب المرفَّه، المطيب المعطر، الجميل الوسيم، الذي ترك الجمال والترف والبذخ والإسراف لوجه الله، أرسله يدعو إلى لا إله إلا الله، ووصل المدينة وأخذ الناس يستجيبون له؛ لقوة وصدق ما يحمل ونبل ما يحمل من الحق، وسمع به سيد المدينة سعد بن معاذ ، قيل له: رجل من مكة أتى يغير دين الناس ومبادئ الناس، يحرف الشباب عن دينهم الأول؛ الدين الخرافي الوثني الشركي، فغضب سعد رضي الله عنه، وأخذ حربته، لكنه يريد شيئاً والله يريد شيئاً آخر؛ والله فعالٌ لما يريد، والله غالب على أمره.

دعها سماويةً تجري على قدرٍ لا تفسدنها برأيٍِ منك منكوس


أخذ حربته يريد أن يقتل مصعب بن عمير سفير الإسلام، ورسول الرسول صلى الله عليه وسلم، وأقبل والموت في حربته، والسم على حد الحربة، ورآه مصعب وكان مصعب حليماً رقيقاً رحيماً حكيماً، قال: أيها الرجل! لا تعجل. أي: لا تذبحني، لا تقتلني، اسمع كلمة. قال: قل، قال: اسمع مني فإن كنت قلت حقاً؛ فأنصت للحق، وإن كنت قلت باطلاً؛ فعليك بي، وكان العرب عقلاء حكماء وهذا سيد الأوس وهو من الأنصار رضوان الله عليهم.



سعد ينطق بالشهادتين



فركز سعد الحربة، ثم جلس مصعب يتحدث عن لا إله إلا الله وعن رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ويقرأ القرآن، فدخل الإيمان مباشرة كالنور وكالبشرى، وكضوء الفجر إلى قلب سعد بن معاذ رضي الله عنه، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وكسب الإسلام رجلاً بطلاً، ومجاهداً وشهيداً عظيماً، بلغ به الحال إلى أن اهتز عرش ذي الجلال والجمال والكمال لموته، فجمعنا الله به في حسن المآل.

فلما قال: لا إله إلا الله، قال: اذهب فاغتسل، فذهب فاغتسل، ودب الإسلام في عروقه، ودخل شرايين قلبه، وانتفض جسمه فخرجت كل ذرة من ذرات الشرك والوثنية والكفر والفجور.


سعد ينطلق داعية في أهله وعشيرته



وماذا يفعل الآن؟ هل يبقى لبيته ولبطنه ولأطفاله؟ لا. المسلم رباني عالمي، المسلم باع رقبته من الله، المسلم باع روحه من الله، المسلم دمه لله، رأسه وماله ووقته لله، أما الإسلام الهزيل الذي يعيشه المليار الآن، حتى يقول القروي :

لقد صام هندي فدوخ دولة فهل ضر كفراً صوم مليار مسلم


وقال الآخر في هذه الأصفار المليار وزيادة!

عدد الحصى والرمل في تعدادهم فإذا حسبت وجدتهم أصفارا


من كل مفتون على قيثارة كلٌ وجدت بفنه بيطارا


لكن سعداً ليس صفراً، سعد بطل، اغتسل وتوضأ وصلى، ثم ذهب إلى قبيلته.

انظر إلى هذه الدعوة وهذا التأثير، قال تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214].

قال: اجتمعوا لي رجالاً ونساءً، ولا يدرون ما الخبر، وهو السيد المطاع والأمير المقدم رضي الله عنه؛ اجتمعوا رجالاً ونساءً.

معناه: عندي بيان خطير، عندي إعلان عالمي، عندي أمر هام، عندي وثيقة ربانية.

فاجتمع الرجال والنساء، فقام فيهم، وانظر البطاقة الشخصية وهو الآن يريد أن يستدرجهم رضي الله عنه ويكسبهم للإسلام، ويخرجهم من عبادة الوثن والكفر والزور.

قال: كيف أنا فيكم؟ هذا السؤال الأول، ما رأيكم فيَّ؟

قالوا: أفضلنا وسيدنا وأصدقنا وأكرمنا وأشجعنا.

قال: أأنا صادق؟ قالوا: صادق ميمون النقيبة.

قال: أأنا عدل؟ قالوا: عدل.

قال: فإن كلام رجالكم وكلام نسائكم عليَّ حرام حتى تؤمنوا بالله وحده وبرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ما أعظمها من كلمة! جزاه الله عن الإسلام خيراً، وهكذا يفعل المسلم، موقف عصامي، أما تمييع الدين، وتمييع الولاء والبراء، ومصادقة كل فاجر وعدو للإسلام، وكل منافق وملحد، فهذا ليس من الدين، لا مجاملة لأبيض أو أسود.

فسمعوا الخبر فقاموا، قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قالوها رجالاً ونساءً، فصاروا في كفة حسناته وفي ميزان بركاته رضي الله عنه وأرضاه.

قال الراوي: وليس في بني عبد الأشهل رجل كافر، وذلك ببركة هذا الرجل.



موقف سعد بن معاذ في غزوة بدر




وجاء عليه الصلاة والسلام فملأ المدينة نوراً وإيماناً ويقيناً، وكان من أول المستقبلين له في المدينة سعد بن معاذ ، وسار مع الرسول عليه الصلاة والسلام كالسيف المسلول، تدرون كم عمره؟ عمره ثلاثون سنة يوم أسلم، ائتوني من أبناء الإسلام أبناء الثلاثين والخمسة والثلاثين والأربعين، أهل الملهيات والشهوات والمغريات والأغنيات، ائتوني بواحد فقط من المليار مثل سعد بن معاذ .

كان ليله مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان نهاره جهاداً ودعوة وطلب علم وتضحية، وكان مع الرسول صلى الله عليه وسلم مسدداً موفقاً، يضيفه، يكرمه، يتكلم بين يديه بالحكمة، وفي اليوم الفاصل، يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان.. من ينسى منكم بدراً ؟! وهل بدر تنسى؟!

بدر رفعت رءوسنا، وأوصلتنا السماء، وسحقت أعداءنا.

بدر كتبت لنا تاريخاً، قائدها محمد صلى الله عليه وسلم، والقيادة العليا عند جبريل، وبيض الله وجه حسان حيث يقول:

وبيوم بدر إذ يصد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد


ويقول الأصمعي عن بيته الشعري: هذا أشرف بيت قالته العرب.

فيقول: أنتم يا أعداء الله يا مشركين! إن كان قائدكم الشيطان فقيادتنا العليا جبريل ومحمد عليه الصلاة والسلام.......


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:15

النبي صلى الله عليه وسلم يعده الله بإحدى الطائفتين



حضر صلى الله عليه وسلم بدراً وقد وعده الله جلّ وعلا إحدى الطائفتين: إما عير أبي سفيان وعليها التمور والزبيب والثياب؛ وهذه يريدها الصحابة؛ لأنها سلامة وعافية: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال:7] أي: يأخذون البعير محملاً إلى المدينة ، لكن الواحد الأحد يريد شيئاً آخر، يريد أن يستخلص شهداء، يريد أن يصاول الإسلام، يريد الصراع العالمي، يريد أن يظهر الصادق من الكاذب، يريد سبحانه أن يعلم من في قلبه حرارة للدين، أما الإيمان الميت الذي تعيشه الأمة الآن فليس من الدين.



النبي صلى الله عليه وسلم يعرض الأمر على الصحابة



حضر صلى الله عليه وسلم بدراً واستعرض الجيش، وقد أخبره الله ووعده إحدى الطائفتين، وإذا بالطائفة الثانية ذات الشوكة ألف من كفار مكة مدججين بالسلاح، وإذا هم بالوادي، مفاجأة كبرى، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر، لكن كلهم من أمثال سعد بن معاذ ، الواحد منهم بألف، فقام صلى الله عليه وسلم يستشير الناس، يريد صلى الله عليه وسلم الأنصار، لأن المهاجرين مع الرسول صلى الله عليه وسلم وفي صفه، فقد هاجروا معه، وتركوا الأوطان والإخوان والخلان والجيران معه، فهم مضمونون وورقة رابحة، شيك مسدد مدفوع القيمة من قبل.

لكنه صلى الله عليه وسلم لا بد أن يعرض الرأي للجميع، قال: ما رأيكم أيها الناس - وهو القائد الأعظم الحكيم المعصوم يستشير الناس- ما رأيكم؟

فوقف المقداد بن عمرو رضي الله عنه وقال: يا رسول الله! صل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وأعط من شئت، وامنع من شئت، وحارب من شئت، وسالم من شئت، والله! لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] لكن نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون؛ فتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له.

فالتفت إلى الأنصار، ولا يتكلم في الأنصار إلا سعد الشاب، صاحب الثلاثين سنة، قال: يا رسول الله كأنك تريدنا؟ قال: نعم. فوقف كالعلم، وكان وسيماً جميلاً، وفصيحاً مليحاً صبيحاً، إذا تكلم بهر العقول، قال: يا رسول الله لقد صدقناك وآمنا بك، وعلمنا أن ما جئت به حق، يا رسول الله! اذهب إلى ما أمرك الله به، والذي نفسي بيده لو استعرضت بنا البحر وخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، يا رسول الله! إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، وعسى الله أن يريك منا ما تقر به عينك.

فدعا له صلى الله عليه وسلم.

فقام وأشار بالعريش، لتبقى القيادة الربانية العليا محمد صلى الله عليه وسلم في العريش؛ ليتلقى أوامر الله عن طريق جبريل، ووقف سعد ينافح عن الإسلام في الصف الأول، وانتصر الدين، وانتصر الحق على الباطل، وارتفعت لا إله إلا الله، وقاتلت الملائكة مع المسلمين، واشتبكت السماء مع الأرض، واشتبك الحق مع الباطل، وانتهت المعركة بألف إلى صفر، صفر للطاغوت ولهبل والصنم والوثن والكفر والمكر، وانتصر محمد صلى الله عليه وسلم وجبريل والحق والإيمان والإسلام، وعاد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة .

فلما وصل صلى الله عليه وسلم أتت الليالي ولا يزداد هذا الإمام -سعد بن معاذ - إلا رسوخاً في الإيمان، وقوة تصديق؛ لأن المسلم يزداد يوماً بعد يوم في الخير.

يقول أحد تلاميذ الإمام أحمد : صحبت أبا عبد الله أحمد بن حنبل فكان يزداد مع الأيام خيراً.

والواجب أن يكون غدك خيراً من أمسك، قال ابن تيمية : والعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات.

أنت اليوم إذا كنت عاقلاً بصيراً لست اليوم مثلما تكون بعد سنة؛ لأنك تسمع العلم وتقرأ الكتب، فالواجب أن تكون أحسن.


دور سعد بن معاذ في معركة الخندق




استمر سعد رضي الله عنه، وجاءت معركة الخندق، وحصن الرسول صلى الله عليه وسلم النساء والأطفال، وحفر الخندق حول المدينة وتألبت قبائل العرب واليهود والمنافقين ضد الرسول صلى الله عليه وسلم وسموا الأحزاب، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم فلَّ حدهم، وشتت شملهم، وأخزى كيدهم.

فخرج سعد وأمه رضي الله عنها وأرضاها تنظر إليه، وهي تلقي عليه نظرة من الحصن، واسمها سبيكة بنت رافع ، تتبسم له ويتبسم لها، فتوصيه، وتقول: لو سددت هذا المكان، يعني: درعه كان مفتوحاً من جهة، لبس الدرع أخذاً بالتوكل؛ لكن هي الأم تبقى الأم، فالأم هي الحنونة الرءوفة، والأم أنت ابنها الصغير ولو كان عمرك سبعين سنة، فتنظر برحمة تقول: لو سترت بالدرع، فيلتفت إليها ويقول:

لبث قليلاً يشهد الهيجا حمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل


يقول: أنا أطلب الموت في سبيل الله، أرجوكم دلوني على الموت، لا أريد الحياة؛ لأن الذي يريد الحياة والبقاء للأكل والشرب وليس عنده رسالة ولا مبدأ كالبهيمة، قال تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] والله يقول عن اليهود: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ [البقرة:96] يعيش حياة الذل والمهانة.

ووصل وقاتل رضي الله عنه، وأتاه رجل مشرك رعديد، فأطلق سهماً وبقدرة القادر يترك السهم كل الجسم المغطى، ويأتي في هذه البقعة الصغيرة التي كانت أمه تخافها ولذلك لا تأخذ حرزاً غير حرز الله، ولا حصناً غير حصن الله، ولا كفاية غير كفاية الله.

علي بن أبي طالب يوم الجمل قالوا: البس درعاً فضفاضاً، قال: أتظنون أن الدرع يمنعني من الموت فهذا درعكم، فخلعه رضي الله عنه، وخرج بالثياب، ثم قال:

أي يوميَّ من الموت أفر يوم لا قدر أم يوم قدر


يوم لا قدر لا أرهبه وإذا ما جاء لا يغني الحذر


يقول: أنتم تظنون أن هذا الدرع يحميني، إن الحماية من عند الواحد الأحد، والحفظ من عند الله: فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:64].

وأنتم تعلمون أن علياً لما جلس يقضي بين خصمين وكان متوكلاً، قالوا: الجدار يريد أن ينقض عليك، جدار هائل يريد أن يسجد على علي ، قال علي : حسبنا الله ونعم الوكيل، فلما انتهى من الخصومة وقام هو والخصوم وابتعدوا سقط الجدار مكانهم.

أتى سعد رضي الله عنه سهم، يقول سعد : من الذي أرسل السهم؟ يريد الاسم -البطاقة الشخصية- قال: أنا ابن عرقة ، قال: عرق الله وجهك في النار، لأنه عدو لله، وكان الجرح في الأكحل، وكأن هذا الجرح في قلوب المسلمين ليس في سعد ، فأخذه صلى الله عليه وسلم وضرب له خيمة في المسجد ليعوده من قريب عليه الصلاة والسلام، وما أرحمه بالأمة! كان إذا أراد أن يصلي صلى الله عليه وسلم مر بـسعد وسلم عليه، وإذا انتهى من الصلاة مر بـسعد وسلم عليه، من هو هذا؟ إنه سعد بن معاذ ، صاحب المواقف المشهودة، أننساه؟ لا. يمرض ويحترم ويحتفى به.

تستمر الأحداث مع سعد رضي الله عنه وأرضاه وهو في الخيمة يتحرى موعود الله، يطلب الشهادة، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من طلب الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه } يتمنى متى يموت شهيداً في سبيل الله، وإنها لأمنية غالية أسأل الله أن يحققها لي ولكم في سبيله.

انتهى الأحزاب وفروا، وبقي أعداء الله إخوان القردة والخنازير الذين نقضوا العهد، ولا عهد لهم ولا ميثاق ولا كلمة أصلاً.

نقضوا الميثاق ونقضوا الوثيقة التي كتبت بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، وظن إخوان القردة والخنازير أن الأحزاب سوف تنتصر على الرسول صلى الله عليه وسلم فمزقوها، وانظر إلى الخذلان، قالوا: ليس بيننا وبين محمد عقد ولا عهد، ومزقوا الوثيقة، وهذا كلام فارغ، وهم قد وقعوا عليها، وأشهدوا عليها، وأول ما واثقوا عليه محمداً صلى الله عليه وسلم: ألا يقاتلوه وأن يدافعوا عن المدينة ، وفي الأخير كذبوا وخانوا وغدروا.......


الهجوم على يهود بني قريظة




فأتى جبريل من السماء للرسول صلى الله عليه وسلم والرسول صلى الله عليه وسلم قد وضع اللأمة، بعد الخندق بعد الحصار والجوع، والخوف والمشقة، والضنا والسهر والتعب، قال جبريل: أوضعت لأمتك؟ قال: نعم. قال: وعزة الله وجلال الله ما وضعت الملائكة السلاح، أين يذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فهذا القائد العظيم مأمور من السماء، قال: عليك ببني قريظة فقال: {لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة } فانطلق الصحابة، منهم من صلى في الطريق، ومنهم من ترك الصلاة حتى وصل.

طوقهم صلى الله عليه وسلم وصاح بهم: انزلوا يا إخوان القردة والخنازير، اهبطوا.. تعالوا إلى هنا؛ لأنهم خانوا الله ورسوله، ونقضوا الميثاق، فتذكروا وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وما أحسن شجاعة الإسلام والإيمان يوم وصل بهم الحال إلى هذه العزة يوم طوقوا اليهود في بيوتهم وحاصروهم وأصبحوا في أضيق من ثقب الإبرة.......



اليهود يطلبون حكم سعد بن معاذ



ضاق الأمر باليهود فتلمسوا من يساعدهم -أصلاً ليس لهم طريق إلى الواحد الأحد، الطريق مقطوع، وليس لهم طريق إلى الناس إلا بحبل من الله وحبل الناس وهو مقطوع- فما تذكروا إلا صديقاً واحداً فقط، وحبيباً وقريباً إلى قلوبهم، كان صديقاً وحليفاً لهم في الجاهلية، إنه سعد بن معاذ ، كان يبايعهم ويشاريهم، لديهم اتفاقيات ينصرونه في الجاهلية وينصرهم هو وبني عبد الأشهل والأوس قالوا: لا ننزل إلا على حكم سعد بن معاذ ، قال عليه الصلاة والسلام: ترضون بحكم سعد بن معاذ ؟ قالوا: لا ننزل إلا على حكم سعد بن معاذ ، قال صلى الله عليه وسلم: عليَّ بـسعد بن معاذ .

فذهبوا إلى سعد بن معاذ وهو مجروح في المسجد، فأتوا به على حمار ولم يأتوا بالمواكب، نحن اليوم نمشي بالمواكب العظيمة ولا نساوي أظفارهم، وهو يركب حماراً وهو أعظم من مليون من المعاصرين.

فوطَّئوا له الحمار وأركبوه، وأقبل رجلاه تخطان في الأرض كان طويلاً كالحصن، فلما وصل قال صلى الله عليه وسلم للجيش المدجج بالسلاح والقادة والكتائب: {قوموا إلى سيدكم فأنزلوه } فقام الصحابة جميعاً وأنزلوه من فوق الحمار برفق حتى وضعوه؛ لأنه سوف يصدر حكماً نهائياً في أعداء الله، يحفظ في التاريخ ويسجل في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بل في الصحيح.



سعد بن معاذ يصدر حكمه في اليهود



فنزل سعد بن معاذ في الخيمة، وأخبره صلى الله عليه وسلم أنهم يريدون حكمه، فمن إجلاله للرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه له وتوقيره قال: أيرضى من في هذه الناحية بحكمي؟ ناحية الرسول صلى الله عليه وسلم، فالآن سوف يصدر الحكم، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: أرضى. ولم يقل هو محمد صلى الله عليه وسلم ولا يا رسول الله، إجلالاً:

أهابك إجلالاً وما بي رهبة إليك ولكن في علاك تسجل


قال: أيرضى من في هذه الناحية؟ -أي: محمد صلى الله عليه وسلم- تصوروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، محمد سيد الخلق قال: نعم. قال: وترضون بحكمي؟ -أي: اليهود- قالوا: نرضى بحكمك.

قال: رأيي فيهم يا رسول الله! أن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم، وأن تقسم أموالهم. فقال صلى الله عليه وسلم، تعليقاً على هذا الحكم: {والذي نفسي بيده! لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سموات }.



النبي صلى الله عليه وسلم ينفذ حكم سعد



وبدأ تنفيذ الحكم، وأنزل المقاتلة أمام الناس، والزبير وعلي جاهزان بالسيوف، فضربوا جمجمة سبعمائة في الخندق، وأخذوا الذرية والأموال، وهذا حكم الله، فحكم من غدرك وخانك وغدر بك وحارب ضدك بعد المواثيق والعهود؛ هذا الحكم، فهذه هي اللغة التي يفهمها اليهود، أما لغة السلام، لغة جميع القضايا، لغة دغدغة المشاعر فلا، بل لغة السيف. يقول المتنبي :

من ابتغى بسوى الهندي حاجته أجاب كل سؤال عن هلٍ بلم


ويقول أيضاً:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم




قصة وفاة سعد بن معاذ




فبعد أن سفك صلى الله عليه وسلم دماء اليهود، وعاد سعد ، هل ذهب يتنعم ويشاهد أفلاماً، ويطالع مجلات، ويروي قصصاً ويسمر؟ لا. ذهب إلى الخيمة ينتظر الشهادة، فتهبط عليه الشهادة تدريجياً، فساعات الصفر بدأت تقترب، الأيام تطوى، ليلقى الله ليوفيه أجره وثوابه، ويرفع منزلته ويعلي قدره، وأي حياة هذه الحياة؟!

أيا رب لا تجعل حياتي أتت على شرجع يعلى بخضر المطارف


ولكن شهيداً ثاوياً في عصابة يصابون في فج من الأرض خائف


إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى وصاروا إلى موعود ما في المصاحف


شهداء عند الواحد الأحد: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [آل عمران:169-170].

رجع سعد بن معاذ إلى الخيمة ينتظر الوفاة، وأخذ عليه الصلاة والسلام يكرر زيارته له ويجلس معه، وفي يوم من الأيام رفع سعد يديه إلى الواحد الأحد، إلى من يجيب الدعاء: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].. وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] رفع يديه، هل يسأل الله أن يشافيه ليعود للدنيا؟ وماذا يفعل بالدنيا، لا قصر ولا دار ولا مزرعة ولا وظيفة ولا منصب ولا ذهب ولا فضة، هل رفع يديه أن يعافى ليبقى في حياة لا تساوي شيئاً؟ يقول التهامي :

حكم المنية في البرية جاري ما هذه الدنيا بدار قرار


طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذار والأكدار


وقال غيره:

دار متى ما أضحكت في يومها أبكت غداً تباً لها من دار


بل يريد جوار الواحد الأحد.

امرأة فرعون آسية أعقل من ملايين المسلمين الآن، تقول: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11] وهي في القصور والدور والذهب والحشم والخدم والجنود والأعلام والأقدام، ومع ذلك تريد جوار الواحد الأحد.

فقام سعد يدعو، وكان موفقاً في الكلمات والعبارات والدعوات: اللهم إن كنت أبقيت بين رسولك صلى الله عليه وسلم وبين قريش حرباً فأبقني لها، وإن كنت أنهيت الحرب بين رسولك صلى الله عليه وسلم وبين قريش فاقبضني إليك.

فلما انتهى من الدعاء انفجر الجرح مباشرة -لأن المعركة مع قريش انتهت- وسال، وحضر عليه الصلاة والسلام الدقائق الأخيرة في حياة هذا البطل الشهيد المجاهد، فحضر ومعه الوزيران الصحابيات الكبيران أبو بكر وعمر كما هو دأبه: دخلت أنا وأبو بكر وعمر .. خرجت أنا وأبو بكر وعمر .. جئت أنا وأبو بكر وعمر .

ونظر إلى سعد ، وأخذت نفس سعد ترتفع إلى الواحد الأحد: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً [الفجر:27-28].

سبع سنوات في الإسلام قضاها فقط، هي خير عند الله من سبعة قرون لكثير من التافهين، ماذا فعلت أنت وأنا في عشرات السنوات تصرف من أعمارنا صرفاً؟ ماذا قدمنا؟ هل ضحينا؟ هل بذلنا؟ هل دعونا؟ هل تعلمنا العلم الصحيح؟ أين أيامنا؟ أين أوقاتنا؟

دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان


فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني
......



بكاء النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لموت سعد



تقول عائشة رضي الله عنها: كنت أنظر من وراء الباب، باب عائشة يطل على المسجد مباشرة، ومحمد صلى الله عليه وسلم يحكم العالم من غرفة، يرسل الهداية للدنيا من غرفة من طين، يدخل دينه القارات الست من غرفة.

يقول سعيد بن المسيب : رفعت يدي فوصلت إلى سقف غرفة الرسول صلى الله عليه وسلم.

حتى خالد محمد خالد يقول معلقاً لما قال صلى الله عليه وسلم متواضعاً لأحد الناس ارتعدت فرائصة لما رآه: {هون عليك.. إني ابن امرأة كانت تأكل القديد بـمكة } سيد المتواضعين.

أنا أمي آمنة بنت وهب كانت تأكل القديد، يعني: تخلطه بالملح من الفقر، قال خالد محمد خالد معلقاً: نعم أنت ابن امرأة تأكل القديد في مكة لكنك صاحب اللواء المعقود، والحوض المورود، والمقام المحمود، ودينك يدخل القارات الست.

فهو أعظم إنسان خلقه الله.

فجلس عليه الصلاة والسلام، وعائشة تنظر إلى سعد أمامهم، ونفسه تفيض والجرح ينزف، تقول عائشة : والله الذي لا إله إلا هو، إنني كنت أعرف بكاء الرسول صلى الله عليه وسلم من بكاء أبي بكر من بكاء عمر على سعد .

أما أبو بكر الفصيح فكان يقول: واكسر ظهراه عليك يا سعد ! واكسر ظهراه عليك يا سعد ! واكسر ظهراه عليك يا سعد ! ثم فاضت روحه.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:16


العرش يهتز لموت سعد



انتهت حياته القصيرة وبدأت حياته الأخرى الطويلة الجميلة من الذكر الحسن، الخلود عند الواحد الأحد في الجنة، وأول إعلان للرسول عليه الصلاة والسلام عن سعد ، عن هذه التضحيات والمكرمات، تأتي الآن الترجمة؛ وليست كتراجمنا نحن، فلان جمع فأوعى، فلان الدكتور، فلان الفيلسوف، فلان رئيس كذا، عميد كذا، أستاذ كذا، لا. ترجمة أخرى لا يسمع بمثلها، وتأبين لم ينقل مثله.

أول كلمة للرسول صلى الله عليه وسلم يقول للناس وللعالم وللدنيا، تحفظها الكتب: {لقد اهتز عرش الرحمن اليوم لموت سعد بن معاذ } الدنيا بكت، الصحابة تأثروا، الجرح لا ينطفئ في القلوب، لكن أعظم من ذلك أن عرش الواحد الأحد الرحمن الديان المنان القهار الغفار الجبار جل في عليائه، الذي ما السموات السبع بالنسبة لعرشه إلا كسبع دراهم ألقيت في ترس، هذا العرش العظيم الضخم يهتز لموت سعد : {لقد اهتز عرش الرحمن لموت < p=1000293>سعد }.

قال أهل العلم: وذلك فرحاً، ويا لها من خاتمة عظيمة! ويا له من مرد طيب! ويا له من منقلب حسن عند الله! إذ اهتز عرش الله لموت هذا الإمام العلم، الذي خلقه فصوره فشق سمعه وبصره، ثم رزقه الإيمان، ثم وفقه للجهاد، ثم قبض روحه ثم اهتز عرشه له، ثم أدخله جنات النعيم.

بإمكانك أن تتخذ من سيرة سعد مثلاً لك ولأبنائك ولجيلك ولطلابك، فيبقى أمامك هذا الإمام تعلمه وتدرسه وتتأثر بسيرته إن كان لك قلب، إن كان فيك ذرة من حياء، إن كان لك ضمير: لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37].



ماذا أعد الله لسعد في الجنة



أتى وفد من بلاد فارس بجبة لكسرى من حرير مخلوطة بألوان -وتصور ملك فارس ماذا يلبس- فلما رآها الصحابة تبرق مع الشمس، وكادت تعمي أبصارهم، فأخذوا يمسحونها بأيديهم ويلمسونها بأصابعهم، فيقول عليه الصلاة والسلام: {أتعجبون من هذه؟ والذي نفسي بيده! لمناديل سعد بن معاذ خير من هذه في الجنة } المناديل فقط -مناديل العرق- فكيف النعيم؟ كيف الدور؟ كيف القصور؟ كيف المنقلب؟ كيف النظر إلى وجه الباري سبحانه وتعالى؟ كيف الخيام؟ كيف الحور العين والطعام والشراب واللباس والعز والمجد والملك الكبير؟

المناديل فقط خير من جبة كسرى التي شريت بالآلاف المؤلفة من الدنانير. فهذا شيء من طرف النعيم في الجنة.

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ } كل نائحة تبالغ إلا من تبكي على سعد بن معاذ فهي صادقة، أمه أرسلت دموعها، وشيعته وقالت:

ويل ام سعد سعداً كرامة وحدا


وسؤدداً ومجدا وفارساً معدا


سد به مسدا يقدمها ما قدا


هذه بعض الكلمات قالتها تشييعاًِ على عادة العرب في رثاء أبنائهم، وجزاها الله عنه خيراً، وجزاها عنا خيراً أيضاً، فهي التي بإذن الله أوجدت لنا هذا البطل الذي صار شامة نفتخر به أمام الأمم هو وأمثاله من المهاجرين والأنصار، بنوا لنا مجداً رضوان الله عليهم لما صدقوا مع الله، فرفع قدرهم ومنزلتهم، وحكم جهادهم سبحانه، وعزَّ بهم دينه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.



تشيع الملائكة لسعد بن معاذ



من الكرامات لـسعد أن شيعه سبعون ألف ملك، وهذه في السير، وأنا أنقل أحاديث السير كما نقلها أهل السير من باب الرواية ولا نشترط فيها ما نشترط في حديث الحلال والحرام وأحاديث العقائد، ولكن نفعل كما قال الإمام أحمد حيث نقل عنه ابن تيمية في الفتاوى أنه قال: إذا أتى الحلال والحرام تشددنا وإذا أتت الفضائل تساهلنا، لكنني لا أتعمد أن أنقل حديثاً كذباً أو موضوعاً معاذ الله.

فشيعه سبعون ألف ملك، وكان صلى الله عليه وسلم خير من شيعه إلى قبره؛ جعله الله روضة من رياض الجنة وهو كذلك بإذن الله.


دروس وعظات من سيرة سعد




أما الدروس من هذه القصة:......



العمر المبارك ليس بكثرته



فأولاً: العمر المبارك ليس بكثرة السنوات، فمن الناس من يعيش ثمانين أو تسعين سنة هباء منثوراً، تجدهم يأكلون ويشربون، وأغلوا الأسعار، وأفسدوا الهواء، وشربوا الماء.

ليس لهم دور في الحياة ولا في العبادة ولا قراءة القرآن إنما هم ضياع في ضياع، بل منهم من بلغ الثمانين، وإذا سألته عن حياته فإذا هي هموم تافهة رخيصة لا تساوي ذرة، ولكن هذا الرجل عاش سبع سنوات في الإسلام، ومن الصحابة من عاش شهراً واحداً، ومنهم من مات في نفس اليوم الذي أسلم فيه فدخل الجنة.

فليس العمر المبارك بكثرة السنوات ولا بطول العمر، بل قد يوفقك الله عزّ وجلّ فتحصل وتنتج في سنة واحدة من العطايا المباركة، والعبادة والنوافل، وقراءة القرآن، وطلب العلم، وحضور المناسبات الخيرة ما يفوق على مائة عام لغيرك، فهو توفيق من الله سبحانه وتعالى:

قد يضيق العمر إلا ساعة وتضيق الأرض إلا موضعا


فساعة مباركة خير من ألف ساعة غير مباركة ولا جميلة.



الصدق مع الله



فالله الله في السرائر؛ فإن الله لما علم صدق نية سعد وإخلاصه؛ وفقه وألهمه وسدده في المواقف، ثم رزقه الشهادة؛ فكان مسدداً مهدياً حتى مات.

فالله الله في الصدق معه، فإنه بقدر صدقك يمنحك الله الثبات في الأقوال والأفعال والتصرفات، ويحرسك سبحانه وتعالى بعين رعايته.


التضحية بالنفس والنفيس



كان عندك أحد أعز من الله ومن رسوله وأحب وأكرم؛ فأحسن الله عزاءك في إيمانك! فإنه لا زوجة ولا أهل ولا مال ولا أبناء ولا دار ولا وظيفة أفضل وأعز وأرفع من دين الله، فضَحِّ بها كلها لترتفع لا إله إلا الله محمد رسول الله.

ويل لمن قدم شيئاً على الله وعلى رسوله، خسارة له.

بعض الناس يحن لمزرعته، لاستراحته، لوظيفته، عبد الدرهم والدينار والخميصة والخميلة.. تباً له وسحقاً! ما عندنا أشرف من الدين.. من لا إله إلا الله.. من تمريغ الجباه لله الواحد الأحد:

نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا


جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا في مسمع الروح الأمين فكبرا



الأثر الذي تركه الرسول عليه الصلاة والسلام في أصحابه



لا إله إلا الله! ليس في العالم مربٍ ولا مصلح ولا موجه ترك من التأثير في أصحابه وأتباعه كما فعل عليه الصلاة والسلام، لا إله إلا الله! ساعة واحدة يجلسها مع الإنسان فيحوله من الصفر إلى الألف، فيصبح مجاهداً شهيداًَ في سبيل الله!

لا إله إلا الله أي تأثير هذا؟!

يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع العرب ويربيهم، فالواحد منهم يطعن بالرمح في ظهره ويخرج من صدره فيقول: فزت ورب الكعبة!

أما الثاني: فيكلمه الله كفاحاً بدون ترجمان، والثالث تغسله الملائكة، والرابع يقطعه مسيلمة الكذاب قطعة قطعة ويقول: لا أسمع شيئاً من كلامك، والخامس يهتز له عرش الرحمن.

قدَّم عليه الصلاة والسلام وأثر في الناس وفي أصحابه تأثيراً؛ لأنه رسول معصوم، وهو أصدق الناس عليه الصلاة والسلام، وأخلصهم في التربية والعطاء المبارك، ولذلك من أراد أن يؤثر في طلابه وأصحابه وأمته وقومه، فليصدق مع الواحد الأحد ويخلص له العبادة وأن يتوجه إليه، فإنه الله الذي يأتي بالقلوب، وهو الذي يسخر الأرواح والنفوس للداعية وللمربي وللمعلم، وهذه رسالة أبعثها للأساتذة والمربين والمدراء والآباء والدعاة أن يقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في إخلاصه وصدقه مع ربه، ولذلك جاء بهذه الثمرات التي أذهلت العالم وأذهلت كل الدنيا، ويقتدي صلى الله عليه وسلم في عمله بعلمه، وهو الأسوة الحسنة والقدوة المثلى صلى الله عليه وسلم.




فضل الله وجوده وكرمه على عباده الصالحين



الفضل لله، تظنون أن سعد بن معاذ متفضل على الله؟! لا. الفضل للواحد الأحد، هو الذي هداه وأعطاه ومنحه، ورغم أن سعداً جاهد وقدم دمه وروحه، لكن الفضل لله: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ [الحجرات:17] لا تظن أنك متفضل على الله يوم أتيت الليلة أو حضرت المحاضرة أو صليت أو صمت أو جاهدت، بل الفضل له وحده، يقول سبحانه وتعالى: {يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً }.

وقد ذكر الشيخ سليمان بن عبد الله بن عبد الرحمن أثراً قدسياً أن الله يقول: {وعزتي وجلالي! ما اعتصم بي عبد فكادت له السموات والأرض إلا جعلت له من بينها فرجاً ومخرجاً. وعزتي وجلالي! ما اعتصم بغيري عبد إلا أسخت الأرض من بين قدميه، ثم لم أبال في أي واد من أودية الدنيا هلك } لأنه الفعال لما يريد، فالفضل والجود والكرم له، فاسأل الله من فضله، ولا تمن ولا تعرض أعمالك، واحتسب أعمالك على ربك؛ لأن بعض الناس يعمل كأنه خادم أو موظف، حتى إن بعضهم يعمل في الدعوة، فإذا سألته: لماذا لا تواصل؟ قال: يا أخي! نعمل مع أناس لا يقدرون الجهود ولا يعرفون تعبنا، وكأنه موظف في شركة. فأنت تعمل عند الواحد الأحد: يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً [الفتح:29].

أفتطلب فواتيرك من البشر وشيكاتك من الناس؟!



تأثير الكلمة الطيبة ومكانتها في الإصلاح والصلاح



لا تحتقر كلمة طيبة، فـسعد قال كلمات سجلها التاريخ، ونفع الله بها الدين، ونصر بها الإسلام، فكلمته في بدر هي خير من جيش عرمرم، وكلمته لما حكم في بني قريظة سجلها التاريخ، فلذلك لا تحتقر الكلام الطيب. إذا حضرت مناسبة فاختر أحسن كلام تنصر به الدين كله، إذا حضرت إصلاحاً قل الكلمة المصلحة، إذا سمعت نيلاً من عرض مسلم فدافع عنه وقل كلمة: {من ذب عن عرض أخيه المسلم ذب الله عن وجهه النار يوم القيامة } رواه أبو داود ، فإلى متى تدخر الكلام الطيب إذا لم تقله في المناسبات؟ وإلى متى تحتفظ به وتخزنه؟! لأن الله يقول: فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا [المائدة:85] قولة واحدة لعن بها قوماً، وقولة واحدة رضي الله بها عن قوم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64] فلا تحتقر كلاماً طيباً، بل تكلم وأثر.




ليس للمسلم أن يوالي أعداء الله



وهذا نأخذه من فعل سعد لما أتى فنسي التحالف في الجاهلية مع اليهود، فلقد كان صديقاً وحبيباً لليهود قبل إسلامه، وكان معهم وكانوا معه، لكن بعد (لا إله إلا الله) أيصادق ويوادُّ اليهود بعد الإسلام والإيمان؟

لا. المسلم يفاصل، فالمسلم موقفه ظاهر، إما كافر أو مسلم، أما تمييع القضايا وقول بعضهم: يا أخي! الناس عباد الله عز وجل، ولا يكون الإنسان متزمتاً ولا متشدداً، يا أخي! تألفوا الناس، وأنت تعلم العواقب، بل نحن نعلم العواقب فالمؤمنون في الجنة والكفار في النار، ونعرف العواقب، المؤمن رضي الله عنه والكافر لعنه الله، إسلام وكفر، جنة ونار: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7].

فلا تمييع، بل ولاء لله عز وجل، ولذلك شرَّف الله سعداً لما قام في عشيرته وقال: كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله.

أما الإسلام السلبي وإيمان المرجئة ؛ أن يلتزم الإنسان ثم يبقى إسلامه لنفسه فقط، ولا يؤثر على إخوانه وأولاده، ولا على بناته وأسرته، ولا قبيلته وعشيرته، ويغسل يديه من الأنشطة الدعوية، ومن الجمعيات الخيرية، ويبقى منزوياً بحجة الوقار والورع البارد المظلم، فهذا لا ينفعه شيئاً.

أيضاً: تمريض المسلم في المسجد لا بأس به، وهذا له أحكام، لكن استدل بها البخاري وغيره من قصة سعد .

ففي المسجد قد ينام النائم للمصلحة وللجاجة، إذا لم يكن هناك ضرر، وقد يمرض أيضاً، وقد يستقبل فيه وفوداً، وقد تروى فيه أشعار للمصلحة الشرعية كما فعل حسان رضي الله عنه، وإنما فُعل بـسعد رضي الله عنه إكراماً له.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:16

إنزال الناس منازلهم



قال عليه الصلاة والسلام: {قوموا إلى سيدكم } فصاحب الجهاد، والعالم وطالب العلم والداعية، والسلطان المقسط العادل يحترم، والشيخ الكبير والزاهد والعابد يوقر وينزل منزلته، أما أن تجعل الناس سواسية، أو تشرف وتحترم الفجرة، وتهين الطائعين وأولياء الله عز وجل فهذا خطأ وبعض الناس هكذا دنيوي بحت؛ فإذا جاء الفجرة أهل الدنيا احترمهم وقدرهم وشرفهم وعظمهم، وإذا جاء أهل الصلاح والإصلاح والولاية والخير وقيام الليل استهان بهم وقال: هؤلاء حمقى مغفلون، فهذا هو النفاق بعينه.

فيشرف وينزل الإنسان منزلته.



المقصد من الحياة



الحياة للجهاد والدعوة فقط، فتكون أمنيتك في بقائك في هذه الحياة ليس لغرس الأشجار.

أشجار من؟ وأزهار من؟ وبذور من؟ وقصور من؟ وهل بقيت لكسرى وقيصر القصور، أو بقيت للرومان وفارس، أو للدولة الأموية والعباسية والعثمانية؟! تبني لمن؟!

يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمران


ويا حريصاً على الأموال تجمعها أقصر فإن شرور العمر أحزان


ولكن تطلب الحياة لتزداد إيماناً، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {خيركم من طال عمره وحسن عمله، وشركم من طال عمره وساء عمله }.

روى أحمد في المسند بسند صحيح: {أن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه رأى رجلين -أخوين- أسلما معاً، أحدهما قتل شهيداً في سبيل الله، والثاني تأخر عنه أربعين يوماً ثم مات موتاً طبيعياً، فرآهما في المنام في الجنة وإذا بينهما درجات، وإذا الذي مات حتف أنفه أرفع من الشهيد في سبيل الله بدرجات كثيرة فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقص عليه القصة، قال: كم مكث بعده؟ -أي: بقي بعده في الحياة- قال: أربعون ليلة، قال: كم صلى من صلاة؟! وكم دعا الله من دعوة؟! وكم سبح من تسبيحة؟! } فأنتم في خير كل يوم يمر بكم غنيمة؛ تصلون فيها خمس صلوات، تسبحون، تقرءون القرآن، تتصدقون، تصبرون على الأذى، تصارعون الأحداث وتجاهدون.

من تمنى الشهادة بصدق وجدها.

فأنت إذا تمنيت على الله وعلم حسن نيتك وفقك، من علم، من جهاد، من دعوة، من شهادة، فاطلبوا الله فالخزائن عنده وحده، وهو الذي يلبي الطلب سبحانه ويجيب الأسئلة، فادعوه وألحوا عليه، فإذا علم منكم أنكم صادقون أعطاكم ما تمنيتم.



كرامات الأولياء



كرامات الأولياء لا نجحدها بل نقرها كما أقرها أهل السنة والجماعة ، فإن الله يكرم الأولياء كرامات كما أكرم أبا بكر وكثر له، أما معجزاته صلى الله عليه وسلم فهي ما يقارب الألف كما هو معلوم، لكن أتكلم عن كرامات الأولياء الصالحين -وإكرام سعد بأن شيعه سبعون ألف ملك- وهذا سببه تفاضل الناس في الإيمان، فهل تظن أن إسلامي وإسلامك وإيماني وإيمانك كإيمان سعد ؟ حاشا وكلا! وقد قال تعالى: هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ [آل عمران:163].

إنسان قدم نفسه ويتمنى الشهادة، وينام في خيمة في المسجد، وترك الدنيا من أجل مرضاة الله، وقام يعلن القطيعة لأسرته وعشيرته وقبيلته وذريته إن خالفوا أمره في اعتناق الإسلام، وقطع ما بينه وبين اليهود من أواصر.. تجعله مثل إنسان لا يأتي صلاة الفجر إلا دبراً.

إن أردت أن ترى مستوانا الإيماني، فتعال معنا في مساجدنا في صلاة الفجر، وانظر إلى حالنا، إن أردت أن ترى مستوانا فاحضرنا لترى ما في الصف الأول؛ لترى أن كثيراً من المسلمين الذي يلقون الكلمات الطيبة والقصائد الرنانة في نصرة الدين، لا يحضرون الصف الأول.

لا تلقي علينا كلمات ولا محاضرات.. نسألك بالله أن تحضر الصف الأول، ولا تفوتك تكبيرة الإحرام: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ [التوبة:105] فالمسألة عمل وصدق مع الله عز وجل.

قال محمد بن واسع : إذا رأيت الرجل يتهاون عن تكبيرة الإحرام مع الجماعة في الصف الأول فاغسل يديك منه.

والصحابة والسلف ما كانوا في الصف الأول فقط، بل في قيام الليل، في الثلث الأخير: {ينزل ربنا إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟! هل من مستغفر فأغفر له؟! هل من مذنب فأتوب عليه؟! }.

فقصدي من هذا: أن الناس متفاضلون في الإيمان بلا شك، وهو معتقد أهل السنة والجماعة ، والإيمان يزيد وينقص.

وأقول هذا لمن فهم من كلامي أني أقول: بعدم زيادة الإيمان، فأنا أشهد الله وملائكته وحملة عرشه أنني معتنق لمنهج السلف وأهل السنة والجماعة ، وكل قول قلته أو كتبته مخالف لمعتقدهم فأنا عائد عنه، بل الصحيح ما درسنا وتعلمنا وحفظنا وقلناه في محاضرات سابقة وكتبناه في كتب: أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية لقوله سبحانه وتعالى: لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:4] وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً [محمد:17] وغير ذلك من الآيات والأحاديث.

فنعترف أن إيمان أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أعظم من إيمان كل مؤمن من الأمة، وأن الناس متفاضلون بحسب جهادهم وهجرتهم وصدقهم وتضحيتهم.



حكم البكاء على الميت



البكاء على الميت عندنا بكاء رحمة لا نياحة وتسخط على القضاء والقدر، نبكي إذا مات الميت كما بكى صلى الله عليه وسلم على سعد وابنه إبراهيم وقال: {تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون }.

وأقف وقفة مع استنتاجات وألمعية ابن تيمية رحمه الله، قيل له: الفضيل بن عياض ضحك لما مات ابنه، والرسول صلى الله عليه وسلم بكى لما مات ابنه، فأي الحالين أفضل؟ وهذا السؤال الأصل أنه لا يعرض، لكن لا بد أن يجيب العالم على أي سؤال يحصل.

والفضيل بن عياض كان عنده ابن اسمه علي ، وهو ولي من أولياء الله، فهو يشبه أباه، بل إن بعضهم قال: أزهد من أبيه، وكان زاهداً خاشعاً لله مخبتاً، وكان الفضيل بن عياض يقول للإمام في مكة : لا تقرأ من الزواجر؛ أخاف أن يموت ابني، ووقع ما كان يحذر.

فالإمام في يوم من الأيام -وهذه القصة ثابتة- صلى في الفجر وقرأ: وَالصَّافَّاتِ صَفّاً الصافات:1] ثم استمر الإمام يقرأ إلى حين قال: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات:24-26] وهذا الخطاب لأهل النار.. وقفوهم: اسألوهم عن رسلنا الذين أرسلناهم، اسألوهم عن الحياة، اسألوهم عما أعطينا من النعم مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ [الصافات:25] أين آلهتكم؟ أين أحزابكم؟ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات:26] أي: لا نصرة، فسمعها علي بن الفضيل فوقع مغشياً عليه، فرفع إلى البيت فإذا هو قد مات، فأتى الفضيل ولما حضر إلى المقبرة ضحك رضاً بأمر الله.

قال ابن تيمية : حال الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم وأكمل وأرفع من حال الفضيل فإن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع بين الرضا والرحمة، والفضيل ما استطاع أن يأتي إلا بالرضا، ولم يستطع أن يأتي بالرحمة. سدد الله ابن تيمية وغفر له.

فالرسول صلى الله عليه وسلم رضي فقال: {ولا نقول إلا ما يرضي ربنا } ورحم فبكى؛ فهي رحمة من الله في الرسول صلى الله عليه وسلم.

فالبكاء غير التسخط والنياحة؛ لأن بعض الإخوة الشباب إذا سمعوا شخصاً يبكي على ميت، قالوا: حرام لا يجوز. فهذا خطأ، بل يبكي وتدمع العين لكن لا تنح، ولا تلطم وجهاً ولا تشق ثوباً ولا تنتف شعراً.




العيش عيش الآخرة



عظيم ما أعد الله لعباده في الجنة -وقد أخبرتكم- لكنني أقول لكم مسألة: إذا تصورتم أي نعيم في مخيلتكم وذاكرتكم ومرت بكم مواقف من النعيم والعطاء واللذة والمتعة فاعلموا أن في الجنة: {ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر } واعلموا أنه قد صح في الحديث: {لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها } واعلموا أنه صح في الحديث: {أن الخيمة الواحدة للمؤمن في الجنة طولها في السماء ستون ميلاً، ويرى باطنها من ظاهرها وظاهرها من باطنها، له في كل جهة منها أهلون، -أي: حور عين- }.

وهذا مأخوذ من ذكر منازل سعد بن معاذ ، وإنما أراد صلى الله عليه وسلم أن يبين عظم ما أعد الله لعباده المؤمنين، ويا حسرتاه! يوم نسمع الآيات البينات والأحاديث الثابتات عن نعيم الجنة وما فيها من فوز وخلود، ونعيم وقرة عين، ثم نتشاجر ونتناحر ونتخاصم على الجيفة! يقول عمران بن حطان شاعر الخوارج :

أرى أشقياء الناس لا يسأمونها على أنهم فيها عراة وجوَّع


أي: الدنيا، فترى بعض التجار ينزل إلى الآن أكياساً من الأموال والأطعمة، وقد جاوز السبعين من عمره، وهو يعد المال فتفوته صلاة الجماعة.

كم تأكل؟! كم تشرب؟! إلى متى؟! تنزل الأكياس وتحسب الفواتير، ومشغول الذهن، ويفتح شركات في الليل والنهار، ومشغول عن قول: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وليس من الذين يتلون القرآن ولا يتصدق بعضهم ولا يزكي، فهذا من أشقياء الناس تجده خادماً مسكيناً ضعيفاً هزيلاً. يقول:

أرى أشقياء الناس لا يسأمونها على أنهم فيها عراة وجوَّع


أراها وإن كانت تسر فإنها سحابة صيف عن قليل تقشَّع



إجلال النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه



إجلال النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه واجب شرعي، وأوصي نفسي وإياكم بتعزير الرسول صلى الله عليه وسلم، وتوقير كلامه ومقامه الشريف، وعدم التعرض لجنابه الطاهر الطيب الرفيع بشيء من الاستهزاء -أعاذكم الله من ذلك- أو السخرية، أو المزح، أو اللهو، أو اللعب، إنما هو ليس بالهزل، ووقار ومقام تعظيم، فالله الله يوم يروى حديثه أو كلامه أو سيرته صلى الله عليه وسلم لا تشتغل بشيء من المزاح أو الأذى أو الاستهتار فإنه الكفر كل الكفر: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65].

احذر! فبعض الناس شرير يقع على الأحاديث ويعلق عليها، يسمع قصة نبوية ويعلق عليها، فيكفر من وقته ويحكم عليه بالكفر الصراح.

الله الله.. أُخذ ذلك من تعظيم سعد يوم قال سعد : أيرضى بالحكم من في هذه الناحية؟ هذا تعظيم للرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم بشر لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور:63].

الرسول صلى الله عليه وسلم ليس كمثلي ومثلك، إنه مؤيد معصوم يوحى إليه وينزل عليه الوحي، ويتكلم يوم القيامة ولا يتكلم أحد، لا نوح ولا إبراهيم ولا موسى ولا عيسى ولا أي نبي عليهم الصلوات والسلام، الكل يعتذر، كل يقول: نفسي نفسي، وفي الموقف كل من خلق الله يريدون أن يفصل الله بينهم، فيذهبون إليه فيقولون: يا رسول الله! يا محمد! اشفع لنا ليفصل الله بيننا في هذا الموقف. فهل يعتذر؟ وهل يقول: نفسي نفسي؟ وهل يقول: عندي ذنب؟ يقول: أنا لها! أنا لها! ما أحسن الكلام! صاغ ذلك الموقف حافظ الحكمي الشيخ الجليل رحمه الله، وكان شاعراً مجيداً، وهكذا الشعر في خدمة الدعوة:

واستشفع الناس بأهل العزم في إراحة العباد من ذا الموقف


وليس فيهم من رسول نالها حتى يقول المصطفى: أنا لها


ولست أنت ولا أنا ولا ابن فلانة، بل محمد صلى الله عليه وسلم، أبو القاسم يقول: أنا لها، فيشرفه الله في هذا المقام المحمود، فعليك أن تعرف حقوق المصطفى عليه الصلاة والسلام كما عرفها أصحابه رضوان الله عليهم، فكان إذا تكلم أصغوا وسكتوا وخشعوا وأنصتوا كأن على رءوسهم الطير، حتى روي: أن عبد الله بن رواحة جلس على الرصيف خارج المسجد والرسول صلى الله عليه وسلم -في الظاهر- يريد من داخل المسجد، فقالوا له: لمه؟ قال: سمعته يقول صلى الله عليه وسلم: اجلسوا فما أمكنني إلا أن أجلس مكاني.

فهو الامتثال لأمر الله ولأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، والاحترام والتوقير وكثرة الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم وإجلال أمره، فليس أحد في العالم كائن من كان يقدم كلامه على كلام الرسول عليه الصلاة والسلام.



اليهود هم أهل المكر والغدر والخديعة



هي حادثة وقضية الساعة: خيانة اليهود ومكرهم وخداعهم ونقضهم المواثيق، فلا يوثق بهم قوم لعنهم الله وخذلهم كيف يوثق بهم؟ وهم العدو.

ولذا أحببنا سعداً لأمور كثيرة منها: أنه عدو اليهود اللدود، كان صديقاً قبل لا إله إلا الله، لكن لما أتت لا إله إلا الله انتهى الأمر، فأصبح الموت لهم، فهو الذي حكم بقتلهم، وهو الذي أبادهم بحكمه بالسيف؛ فليس لهم إلا العداء، لأنهم قتلة الأنبياء والرسل.

فهل توالي الذين يقولون: إن يد الله مغلولة؟! لعنهم الله.

وهنا يقولابن تيمية : القرآن يأتي بالشبهة موجزة ثم يرد عليها رداً مبسطاً أو طويلاً مسهباً حتى لا يترك لها أثراً: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة:64] فقط.

بخلاف ما يفعله بعض الدعاة والوعاظ حينما يأتي بالشبهة فيطولها كثيراً ثم يرد عليها يقول: وهذا لا ينبغي والله المستعان أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم؛ فيثبتها في القلوب ثم لا يزيلها؛ وهذا بخلاف أسلوب القرآن، حيث الشبهة فيه: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة:64] انتهى الكلام عن الشبهة، واسمعوا الرد: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة:64] الآية.

علم أن اليهود أهل عداوة أبدية؛ لأنهم كفروا بالله، ولأنهم قتلة الأنبياء والرسل ثم يعلم أنهم ينقضون المواثيق، فليس لنا رجاء في يوم من الأيام أنهم سوف يصدقون وسوف يتقيدون بأي ميثاق، بل هم خانوا الله، فماذا تريد أن يكونوا معي ومعك؟ أو أن يصدقوا معي ومعك؟ بل هي الخيانة المستمرة، وطبع الغدر هو الخلق المستمر في أعداء الله عز وجل.

فمن هذا المنطلق نشكر لـسعد بن معاذ موقفه الصلب الصامد مع اليهود، وبمثل هذه المواقف انتصر الإسلام، ولكن لما لاين أبناء المسلمين اليهود وصانعوهم وداروهم، ودخلوا في فلك الصلح معهم؛ وقعت الكارثة بالمسلمين والذلة والهوان والغلبة، ولكنا لا نزال نطمع.

لا تهيئ كفني ما مت بعد لم يزل في أضلعي برقٌ ورعد


أنا تاريخي ألا تعرفهطارق ينبض في قلبي وسعد


فأملنا بالواحد الأحد.

قد ينشأ لنا شاب ناشئ كـسعد بن معاذ -وليس على الله ببعيد- من المدارس التي تخرج حفظة القرآن، ومن الجامعات التي تحفظ البخاري ومسلماً .. ومن دور الرعاية.. المؤسسات الخيرية.. من الجمعيات الخيرية المباركة.. من المساجد الطاهرة العامرة، تخرج لنا جيلاً إسلامياً متوضئاً مصلياً مجاهداً، يدحر اليهود ويمزقهم، وينتصر عليهم بلا إله إلا الله محمد رسول لله.

فلا يأس ولا قنوط، وإنما يبقى عندنا أمل بأن الدين الذي حمله سعد نحن نحمله إن شاء الله مع اختلاف المراتب، والقرآن الذي قرأه سعد هو بين أيدينا غض طري كأنما نزل اليوم، الرسول الذي هدى سعداً بإذن الله صلى الله عليه وسلم هو رسولنا، والقبلة التي اتجه إليها سعد نتجه إليها.. فماذا ينقصنا؟

ينقصنا أن نزيل عنا الهوى والإعراض، والكسل والعجز، وأن نري الله من أنفسنا الصدق في إيماننا، نأخذ الكتاب بقوة، وانظر عبارة القرآن: خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم:12] لا هزل.. انتبهوا.. استيقظوا.. تثبتوا ثبتكم الله.. تقووا قواكم الله بإيمانكم.. بمبادئكم.. بدينكم.. بكتابكم.. بسنة نبيكم عليه الصلاة والسلام.

فإذا علم الله منا ذلك؛ نصرنا وأيدنا وثبتنا، وإلا فإنه قد مرّ في العالم الإسلامي فترات كهذه الفترات التي نعيشها، كفترة التتار وفترة الصليبين حتى دخلوا بغداد وأخذوا الخلافة، وكسروا منابر المساجد، ومزقوا المصاحف، وهدموا المنابر، ومع ذلك أخرج الله من ينصر هذا الدين.

قد أكون أنا وأنت في تقصير، فلا نصلح للجهاد الآن، ولا لكسب النصر والتضحية، فيأتي الله من أبنائنا وأصلابنا بأبطال، وإني لأراهم في مدارس تحفيظ القرآن، وإني لأراهم في جماعة التحفيظ التي تملأ مساجدنا والحمد لله، وإني أراهم في من يحفظ السنة المطهرة في الحرمين، كأنهم يقولون: المستقبل لنا: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود:81] والنصر لنا والغد المشرق معنا، والله مولانا.

فلا يأس ولا إحباط، وأرجو أن يسحب كل إنسان مخذل أوراق الهزيمة النفسية التي يقدمها حين يقول: كيف ننتصر على الدول النووية العظمى والجيوش الجرارة؟ فنقول: لا. الواحد الأحد معنا: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21].. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14].

فهو الذي مزقهم كل ممزق، وهزمهم في بدر وأحد والأحزاب وعين جالوت والقادسية واليرموك وفي حطين .

فأعيدوا لنا من هذا الجيل، أخرجوا لنا من الإنتاج الجديد على شكل سعد بن معاذ ، حفظوهم الكتاب والسنة لا الأغنية والمجلة الخليعة، ولا الفيلم الهابط ولا الضياع ودغدغة مشاعرهم بأن يكون مستقبلهم فلة وسيارة وزوجة، وأن يكون نجماً كروياً ولامعاً غنائياً، لا. بل نريد سعد بن معاذ ، هؤلاء عظماؤنا وأبطالنا، وهؤلاء مجدنا وشرفنا، وهؤلاء هم قادة مسيرة النصر التي يقودها محمد صلى الله عليه وسلم.

هذه سيرة هذا الإمام رضي الله عنه وأرضاه وجمعنا به في جنات النعيم.

وفي الختام: أتوجه بالدعاء إلى الواحد الأحد؛ فأسأله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب؛ أن يوفقنا لما وفق إليه سعد بن معاذ ، وأن يخرج منا جيلاً ربانياً صادقاً موحداً.

أسأله أن يجمع كلمتنا، وأن يصلح ولاة أمورنا، وأن يرزقهم البطانة الصالحة الناصحة التي تدلهم على الحق وتحذرهم من الباطل.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:17

حوار بين تقي وشقي

إن الصراع بين الحق والباطل، والخير والشر؛ قائم منذ أن خلق الله البسيطة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، صراع بين التوحيد والإلحاد، صراع بين الكفر والإيمان؛ مروراً بإبراهيم عليه السلام مع النمرود، وموسى مع فرعون، ومحمد صلى الله عليه وسلم مع الكفرة والملحدين.

فضل الهداية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
أما بعـد:

جئت بالحب إليكم والسلام حاملاً أزكى التحيات العظام

في البكيرية أحبابي ولي إخوة فيها وأصحاب كرام

كم بها من مقرئ أو عالم يشبه البدر معالي التمام

رفعوا الإسلام في أرض الهدى ورووا الحكمة عن خير الأنام

أما محاضرتي فعنوانها: حوار بين تقي وشقي.

الناس صنفان: تقي وشقي: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7].. هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19].

العيون قسمان:

عين عرفت الله ودمعت من خشيته، وتدبرت آياته، وتفكرت في مخلوقاته.

وعين نظرت إلى الحرام، وأعرضت عن هدي خير الأنام، وتصفحت المعاصي وأطلّت على الحرام، فهي العين الباكية يوم العرض الأكبر على الله.

والقلوب اثنان:

قلب عرف الله وامتلأ بلا إله إلا الله، وأحب رسول الله وسار على منهج الله، فهو قلب سعيد.

وقلب أعرض عن الذكر والتلاوة، والصلاة والمعرفة، والنهج السديد، وسيرة محمد صلى الله عليه وسلم، فهو قلب منكوس.

والآذان أذنان:

أذن استمعت إلى الوحي، وإلى التلاوة والحديث، وإلى الدعوة والخير والذكر والبر، فهي أذن سعيدة.

وأذن أعرضت واستمعت إلى الغناء، والفحش، وإلى البعد والانهيار، وإلى كل ما يغضب الرب فهي أذن شقية.

والألسنة لسانان:

لسان نطق بالحكمة، وقال الخير، وذكر المولى، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر.

ولسان تكلم باللعنة والزور، والاستهتار والاستهزاء، والغيبة والنميمة، فهو لسان خاسر.

لسانك لا تذكر بها عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن


وعينك إن أبدت إليك معايباً لقومٍ فقل يا عين للناس أعين


أما عناصر هذه المحاضرة:

فمنها: إبراهيم عليه السلام في حوار حار مع النمرود بن كنعان .

موسى وفرعون في مناظرة ساخنة في إيوان فرعون.

محمد صلى الله عليه وسلم يحاور فاجراً.

مسيلمة الكذاب كذاب اليمامة يعترض على حبيب بن زيد أحد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

الأسود العنسي دجال اليمن يتحدث مع أحد الأبرار فيفحمه هذا البار الراشد.

ثم ننتقل إلى رجل هو من المسلمين وهو الحجاج مع عالم هو سعيد بن جبير لنسمع إلى حوار بين الاثنين.

وفي الأخير مع ربعي بن عامر أحد الصحابة وهو يدخل على رستم قائد فارس.

حوار بين تقي وشقي.

ما أحسن الهداية، وما أجلَّ أن تعرف الله، وما أعظم أن تتعرف على الواحد الأحد، سبحان الله كم فَقَدَ من فَقَدَ الله! وماذا فات من وجد الله! وسبحان الله كم هي القلوب التي أعرضت عن الله!......


إبراهيم عليه السلام في حوار مع النمرود


يقول سبحانه وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة:258]. يدخل إبراهيم عليه السلام يحمل لا إله إلا الله، يتصدر بالدعوة في سبيل الله، ينزل للناس، يدخل على الطغاة في قصورهم، يدخل على المجرمين في أوكارهم، وفي هذا درس لكم يا طلبة العلم! يا دعاة الإسلام! يا حملة الشهادات! يا أصحاب الكليات! يا من درس العلم الشرعي! فيه درس على أن تنزلوا إلى الساحة، وأن تخالطوا الناس، وتعظوهم، وتشعلوا المنابر، وتتحدثوا إلى الجماهير، فالله يقول: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ [البقرة:258] هل ينكر عظمة الله إلا من ألحد؟! هل ينحرف عن منهج الأنبياء إلا من تزندق؟! إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة:258] إي والله! من الذي يحيي العظام وهي رميم؟ إلا الله؟ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79] من أخرج المولود باكياً من بطن أمه لا يعرف شيئاً فدلَّه وبصَّره، وأحياه وأطعمه وسقاه؟! من علم النحلة بيتها ورزقها، وأن تجوب القفار والوهاد والجبال؟! من علم الثعبان أن يرتحل ويهاجر؟! من علم الجرادة أن تأوي والنملة أن تجمع في جحرها؟!

قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا


قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا


والنحل قل للنحل يا طير البوادي ما الذي بالشهد قد حلاَّكا


وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكا


واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا


فالحمد لله العظيم لذاته حمداً وليس لواحدٍ إلاَّكا


ذكر ابن الجوزي : أن رجلاً رأى عصفوراً يأتي بقطعة لحم فينقلها من مكانٍ في المدينة ويرتحل بها إلى رأس نخلة كل يوم، فتعجب هذا الرجل؛ لأن العصفور لا يعشعش في النخل، فتسلق النخلة فرأى حية عمياء، كلما اشتهت الأكل أتى هذا العصفور بقطعة لحم، فإذا اقترب فتحت فمها فيلقي اللحمة في فمها. سبحان من دلَّ العصفور ومن دلَّ الحية على رزقها!

فيقول: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة:258]. اسمع الكذاب، اسمع الدجال، اسمع الملعون الذي ينكر أعظم الآيات في الدنيا، ولذلك وجد في الساحة من تزندق واستهزأ بالقيم وتوحيد الألوهية والربوبية، إي والله وجد ذلك! عجباً لهم كيف يكفرون! وعجباً لهم لا يؤمنون! أفي الله شك؟! أفي آياته لبس؟! أفي ما أنزله من الكتاب والسنة غبش؟! حتى يستهزئ بعضهم بالقيم والأخلاق والدين والكتاب والسنة: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة:65-66].

فسكت إبراهيم لا سكوت العاجز المتقهقر المنهزم، ولكن: قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة:258] قال: كيف؟! فأتى برجل مسجون قال: هذا أحييته تركته لوجوهكم، وأتى برجل آخر فذبحه قال: هذا أمتُّه.

إنه كذاب، والله ما هذا بالإحياء والإماتة، قال إبراهيم عليه السلام: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة:258] إن كنت صادقاً أنك إله فأتِ بالشمس من المغرب فإن الله يأتي بها من المشرق: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة:258] انهزم وخاب وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة:258] إي والله: إن أوراقهم تحترق فليس لهم حجج ولا براهين، دجالون كذابون
مفترون على الله.

هذا جدال وحوار ومناظرة بين تقي عرف الله وهو إبراهيم، وبين شقي وهو النمرود وماذا كانت النتيجة؟ هل سكت النمرود ؟ لا. لقد جمع حطباً وأجج ناراً، وأمر الجنود بأخذ إبراهيم وقال: قيدوه وألقوه في النار فإلى من يلتفت إبراهيم؟!

يا واهب الآمال أنت حفظتني ومنعتني


وعدا الظلوم عليَّ كي يجتاحني فحفظني ونصرتني


فانقاد لي متخشعاً لما رآك منعتني


من يمنعك إلا الله؟! الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173-174].

يقول ابن عباس كما في صحيح البخاري : {حسبنا الله ونعم الوكيل كلمة قالها إبراهيم حينما ألقي في النار، فجعلها الله برداً وسلاماً، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم يوم قيل له إن الناس قد جمعوا لكم }.

ألقوه في الحبال، وشدوا إبراهيم في القيد، وحملوه في المنجنيق، وأشعلوا له ناراً، وأتاه جبريل في الساعة الحرجة، والساعات الحرجة يعرفها بعض الناس منَّا، إذا أتت عليه مشكلة أو قضية يتمنى أن الجن يساعدوه، وبعض الناس ضعاف العقول والإيمان يستعين بالجن، حتى إذا مرض ابنه في البيت يذهب إلى المشعوذين والسحرة والكهنة، فينسى عقيدته وإيمانه، ومبادئه ومنهجه.

جاء جبريل إلى إبراهيم وهو مقيد بالحبال، لا إله إلا الله موقف ما أصعبه، ومقام ما أرهبه! قال: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا وأما إلى الله فنعم، فحملوه فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، ووقع في النار فكانت برداً وسلاماً، فسبحان من أنجاه وحماه ووقاه! لأنه تقي، وسبحان من رد الخبيث الخسيس! لأنه شقي. أتدرون بماذا عذب الله النمرود ؟ ذكر بعض أهل العلم أن بعوضة دخلت أنف النمرود فتغذت على دماغه حتى أصبحت كالعصفور فكانت تفرفر في رأسه فيجد انزعاجاً وألماً وعذاباً وخيبة، لا تسكت هذه الفرفرة والقرقرة حتى يُضرب بالنعال أو بالكرابيج على رأسه، وفي الأخير ضرب فذهب مخ رأسه:

لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار
......


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:18

فقدان الإيمان سبب لعيشة الضنك


وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت:16] وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124]. إي والله! وجدوا معيشة الضنك يوم سكنوا ناطحات السحاب بلا إيمان، وجدوا عيشة الضنك يوم استقلوا السيارات الفاخرة بلا إيمان، وجدوا عيشة الضنك يوم سكنوا الفلل وتولوا المناصب بلا إيمان: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى [طه:124-125]. كان يبصر، بل كانت عيناه تدحرج كعيون القط في الحياة لكنه لا يبصر الهداية، يبصر التفاح والموز والبرتقال، يبصر الورقة والدخان، والمعاصي، والمسكرات والمخدرات، يبصر الفاحشة والجريمة، يبصر كل شيء إلا الدين والمصحف، مصحفه مجلة خليعة، وتلاوته الأغنية الماجنة، وجلاَّسه كل رعديد وزنديق ومارد وفاجر: قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:125-126].

أيها الأخيار: ليس العمى عمى العينين ولو أنه عمى ظاهراً، إنما العمى عمى القلب: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الرعد:19]. تجد بعض الناس عيونه كعيون الثور، لكنه لا يفهم، ولا يعي، ليس عنده قلب ولا حياء، مثل أبي جهل ينظر ويبصر، وعبد الله بن أم مكتوم أعمى بعيونه، ولكن قلب ابن أم مكتوم يعي ويبصر، وقلب ذلك الفاجر أعمى، فيقول الله في أبي جهل : أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [الرعد:19] والذي يعلم أنما أنزل من عند الله: ابن أم مكتوم . أما أبو جهل فهو أعمى عن الحق.

يقول الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في عمى ابن أم مكتوم عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى [عبس:1-2]. وهذا الأعمى أبصر الهداية، يقول الله للرسول عليه الصلاة والسلام، كأنه يقول: مالك تأتي إلى الثيران في الحضائر وإلى المجرمين وإلى الفجرة الذين تدحرج عيونهم وهم لا يعرفون القرآن، ولا الهداية، ولا النور، وتُعرض عن الصالحين ولو كانوا فقراء عمي في الظاهر لكنهم في الباطن مبصرون: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى [عبس:1-10].

أما تدري أن هذا الأعمى سوف يكون منارة من منارات الأرض تستقبل نور السماء! ولذلك عاش ابن أم مكتوم حتى أتت معركة القادسية وحمل ابن أم مكتوم الراية وهو أعمى وقُتل في المعركة شهيداً، وأبو جهل قتل وسَيُدَهْدَهُ على وجهه في النار.

ابن عباس ترجمان القرآن، حبر الأمة وبحرها، العلامة الكبير، الذي قال له صلى الله عليه وسلم: {اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل }. لما كبر وبلغ السبعين عمي، فقال له بعض الحساد: أحسن الله عزاءك في عينيك يا ابن عباس ! كلمة حق أريد بها باطل، يستهزئ أو يستهتر، فرد ابن عباس وعرف أن الرجل مستهزئ مستهتر فقال:

إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي فؤادي وقلبي منهما نور

قلبي ذكيٌ وعقلي غير ذي عوجٍ وفي فمي صارم كالسيف مشهور


هكذا الهداية، وهكذا الإشراق واللموع، ما دام أنه عرف الله فلا يضره ذهاب البصر، إنما المشكلة
ذهاب البصيرة.

إذاً، فإبراهيم عرف الله؛ فحاور هذا، فسعد في الدنيا والآخرة، وأضل الله ذاك الشقي لأنه لم يعرف الهداية.

أيها الإخوة: لا ينقصنا خبز ولا مربى ولا خضروات ولا ميرندا، إنما ينقصنا الهداية والالتجاء، ينقصنا زيادة الإيمان، وكيف نعرف طريقنا، ينقصنا دعاة ينزلون إلى الساحة، لا ينقصنا شهادات فقد أصبحت براويز معلقة في البيوت، ولا ينقصنا دنيا فقد مات أكثرنا في المستشفيات من التخمة وكثرة الأكل، يقول الشافعي :

تموت الأسد في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلاب


ما سمعنا بأحدٍ في هذه الفترة مات جوعاً هنا، ولكن سمعنا أن قلوباً تموت جوعاً وتموت ظمأً وفقراً، وتموت قحطاً وجدباً. فهل من غيث، ولا غيث إلا (الكتاب والسنة)؟
حوار بين موسى عليه السلام وفرعون

وأما موسى عليه السلام فأمره عجيب صلى الله عليه وسلم، كان يرعى الغنم لكنه عرف الله، عنده عصا يهش بها على غنمه، ويتوكأ عليها، فجأة يقول الله له: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه:24]. من هو فرعون؟

إنه رجل دجال جمع القصور والأموال حتى تكبر وتجبر، فوقف على المنبر يقول: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] ويقول لأهل مصر : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24]. فيصفقون له ويقولون: تبقى وتسعد وتسلم عينك، لعنه الله في الدنيا والآخرة وقد فعل، يقول: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51] فأجراها الله من فوق رأسه.

قال تعالى لموسى: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه:24] موسى يعرف أن حرس فرعون ستة وثلاثون ألفاً يقول بعض الرواة: على القصر ستة وثلاثون ألف حارس، وموسى جاء من الصحراء معه عصا يرعى الغنم والضأن: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه:25]. هذا في أول طريقه إلى فرعون لدعوته، كيف أتكلم؟ ولكن أسعده الله فطلب شرح صدره، ذاق الناس اللذائذ لكن لم يجدوا كحلاوة الإيمان حلاوة، أكلوا الأطعمة، ولكن لم يجدوا لها طعماً بلا إيمان، جلسوا على المشروبات والمرطبات والمشهيات ولكن لم يجدوا لها طعماً يوم فات الإيمان: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه:25].

يقول الله للرسول عليه الصلاة والسلام: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح:1]. فتِّش في صدرك، كيف كان قبل أن نشرحه؟ أما كان ضيقاً؟! أما كان حرجاً؟! أما كان متصادماً؟! ففتِّش في حناياك وابحث في خفاياك، أما شرحنا لك صدرك؟! أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ الله [الزمر:22] أيستوي إنسان يأتي إلى صلاة الفجر بنشاط مع شخص لا يقوم إلا لصلاة الظهر؟! أيستوي إنسان يقرأ القرآن بحب مع إنسان إذا أتى إلى الصلاة كأنه يجرجر في الحديد أو يساق إلى السجن أو المذبحة؟! يقول سبحانه وتعالى عن الذين تضيق صدورهم بالصلاة: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142]. يقوم أحدهم إذا سمع الأذان فيجلس يستخير ويحرك عيونه ربع ساعة هل يقوم أو لا؟ الشيطان يسحبه إلى الفراش والله يدعوه إلى المصلَّى، فيتوضأ ويأخذ وقتاً طويلاً حتى يقيم الناس الصلاة، ويأتي يدردر أرجله، ويقف في طرف الصف كأنه نخلة منكوسة على جدار! وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [المنافقون:4]. لا حياء، هل يستوي هو ومن ينشرح للدين؟! ويحب ويتلذذ بسماع القرآن، ويهش للرسالة الخالدة، ويجلس مع الدعاة، ويحب طلبة العلم، ويحب زيارة العلماء، ولسانه دائماً رطبة بذكر الله؟!

إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس


هل يستوي هذا مع إنسان لم يشرح الله صدره، أحسن شيء عنده أن يسمع الأغنية، يعيش في الهيام والخيال، يقول: دعنا من ذكر الموت، دعنا من التزمت والتشدد، يريد محرمات، وكأنها حلال
وأما الطاعات فتشدد وتزمت؟!

نقول له: اجلس معنا، قال: لا. له كتب خاصة من كتب الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وله مجلات غير المجلات، ومجالس غير المجالس.

وقال موسى: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي [طه:25-27]. أريد يا رب أن أكون داعية، أريد أن أكون خطيباً أرجُّ قلب الفاجر، وفي هذا درس: أن على طلبة العلم أن يتعلموا الخطابة والكتابة، ويتعلموا الأدب، ويتعلموا فنَّ الكلمة وروعة الخطاب، وفن المقام والكلام والالتزام، وأن يتعلموا السحر الحلال في الكلمات والجدال، ليحولوا أحوال الناس من حال إلى حال.

قال تعالى: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه:27-28]. لأن في لسانه شيئاً فحل الله عقدته، ولكن قال: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي [طه:29-30] فجعل الله له ذلك في آخر الآيات، قال: قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [طه:36] وذهب موسى وهارون، وقال الله لموسى وهارون وهما في الطريق: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه:43] أي: تجاوز الحد، لكن اسمع أدب الدعوة: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] لأن القلوب لا تلين إلا لكلمة حبيبة، والآذان لا تستمع إلا إلى الحب والصفاء، والقلوب والأرواح لا تنقاد إلا بالحكمة.

انتبها -يا موسى ويا هارون- لا تجرحا شعور الفاجر، وليس فاجراً مثل الفجار، بل دجال، ذبح الأنفس، وشرب الدم، وسوَّد وجه التاريخ، وداسه تحت قدميه: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].

قال سفيان الثوري : "القول اللين الذي أمر الله به موسى وهارون أن يكنيا فرعون أي: يدادعوانه بالتكنية، يا أبا فلان، أنت إذا رأيت زميلك وحبيبك وناديته بكنيته يبتهج ويهش ويبش، يقول الشاعر:

أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه فالسوءة اللقب


كذاك أُدِّبت حتى صار من خلقي أني وجدت ملاك الشيمة الأدب


فدخلا عليه، وكانت كنيته كما قال سفيان الثوري (أبا مرة ) مرَّر الله وجهه في النار، وقد فعل، يقول موسى: يا أبا مرة إن أردت أن يبقي الله عليك شبابك وملكك وصحتك فأسلم لله رب العالمين، فقد سمعنا عنك الخير، وهذا أسلوب دعوي من السحر الحلال، وهو لم يسمع عنه إلا النار، ولم يسمع عنه إلا اللعنة والسخط والبغض، فقال له موسى: أنت مثلك يصلح الناس، ومثلك إمام يقتدى به، فأسلم وقل: لا إله إلا الله، فأتى الفاجر. واسمعوا إلى الحوار: قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى [طه:49]. لا إله إلا الله، أنكر الله، أنكر من خلق السموات والأرض أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:17-22] والله سبحانه وتعالى يقول في آية أخرى: هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:1-2] ويقول: يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6] يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:6-8].

قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى [طه:49]. وهنا لو قال موسى: ربي الله، لقال فرعون: هو الله، وإن قال: ربي ربي، لقال: أنا ربك، فماذا يقول؟! فأتى بجواب مبهت مسكت دامغ، يقول الزمخشري صاحب الكشاف : لله دره من جواب كالصاعقة) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50] هذه مواصفات لا تكون إلا في الواحد الأحد، ولا يدعيها أحد أبداً، حتى يذكر ابن تيمية أنه لا ينكر الصانع أحد، حتى فرعون يوم قال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] قاله في الظاهر أما في الباطن فيعلم أن هناك إلهاً، ويعلم أن في السماء إلهاً، وأن من خلق السموات والأرض هو رب قادر حكيم سميع بصير، حتى يقول له موسى: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً [الإسراء:102] يا مجرم والله إنك تعلم أن الله خلق السموات والأرض فلا تكابر!

قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50] خلَقه ثم هداه لمعيشته، وهداه لكل شيء، هدى النملة أن تأتي إلى الجحر فتنقل حبة لتخزنها للشتاء، هدى النحلة أن تسافر مئات الأميال والكيلو مترات وتأخذ الرحيق وتجعله في الخلية، هدى الثعبان كما يذكر مثل صاحب كتاب الإنسان لا يقوم وحده كريسي موريسون الأمريكي يقول: ما للنحلة تهاجر مئات الأميال وتعود إلى خليتها؟ من دلها؟ أعندها إريال؟ فيرد عليه سيد قطب : لا، بل علمها الله: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [النحل:68] سبحان الله! ما أعظم الله! وما أجلَّه! ولكن ما أكثر من لا يتعرف على الله سبحانه!

قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50] ولهذا لما لم يستطع فرعون أن يعاند هذا الدليل، راوغه بقوله قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى [طه:51] أي: ما للناس يموتون ولا يعودون؟! ما رأينا آباءنا وأجدادنا، هذه كلمة يقولها كثير من الملاحدة والزنادقة، كـلينين وماركس وهرتزل وأمثالهم وأذنابهم وعملائهم، كلمتهم هذه يقولون: يموت الإنسان ثم يتحلل ولا يعود، لا والله، والله لتبعثن كما تستيقظون ولتموتن كما تنامون: أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ [العاديات:9-10] وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281].

وانظروا أيها الإخوة كيف كان جواب موسى لفرعون عندما قال له: قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى [طه:51] فكأن من المناسب أن يكون الجواب وما دخلك أيها المجرم من هذا الكلام؟ لقد تجاوزت حدودك؛ لكنه أجاب عليه بكلام مؤدب، كما أمره الله عز وجل: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىَ [طه:44] فقال: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى [طه:52] فدمغه، وأزهق روحه، وانتصر عليه في الحوار في ديوانه وتحت سقف قصره، كما انتصر عليه في القتال في البحر يوم نصره الواحد الديان، إذاً حربه برية بحرية، ونظرية علمية، وميدانية قتالية، وهذا هو الجدل العلمي العملي الذي عاشه موسى عليه السلام في حياته الدعوية وانتصر، فهو التقي الذي دمغ الفاجر الشقي.......


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:18

الرسول صلى الله عليه وسلم يحاور اليهود



ورسولنا صلى الله عليه وسلم -أيضاً- عاش مثل تلك الأحداث، فإذا قرأت القرآن فإنك تلاحظ أن الرسول عليه الصلاة والسلام عاش في حياة مريرة مع من حوله من اليهود والنصارى والمنافقين، فمرة يرد على اليهود، ومرة على النصارى، ومرة على المنافقين، ومرة على المشركين.

يقول عبد الله بن سلام والحديث في الترمذي وعبد الله بن سلام من اليهود لكنه أسلم يقول: {لما وصل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس، فكنت فيمن انجفل، فاجتمعوا عليه في السوق فتبينت وجهه، فلما رأيت وجهه، عرفت أنه ليس بوجه كذاب }. وجهه كالقمر ليلة أربعة عشر.

لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبئك بالخبر


وجهه وجه صادق مخلص، وجهه رائع وجميل.

قال: {فلما رأيت وجهه سمعته يقول: يا أيها الناس -اسمع الكلمات، حتى الكلمات كالدرر- افشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام }. وراوي الحديث هو نفسه عبد الله بن سلام .

فقال عبد الله بن سلام : {يا رسول الله! أسألك عن ثلاث آيات لا يعرفها إلا نبي -لأن عبد الله بن سلام عنده التوراة- أسألك عن ثلاث آيات إن أجبتني عليها أسلمت وآمنت، قال: ما هي؟ قال: ما هو أول ما يأكل أهل الجنة إذا دخلوا الجنة؟ }.

الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقرأ ولم يكتب: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:48] هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ [الجمعة:2] لم يقرأ ولم يكتب أو يدرس في مدرسة أو في كتاتيب أو في جامعة.

قال: {يا رسول الله! أسألك عن ثلاث: ما أول ما يأكل أهل الجنة إذا دخلوا الجنة؟ هذه الأولى، والثانية: متى يشبه الولد أباه ومتى يشبه أمه؟ وهذه الثانية، والثالثة: ما هي أول علامات الساعة؟ }.

فالرسول عليه الصلاة والسلام لم ينتظر كثيراً فلقد أتاه الوحي: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:4-5].

قال: { أما أول ما يأكل أهل الجنة إذا دخلوا الجنة فإنه زيادة كبد الحوت، قال: صدقت، قال: وأما أن يشبه الولد أباه، فإذا أتى الرجل زوجته فعلا ماؤه ماءها أشبه أباه، فإن علا ماؤها ماءه أشبه أمه، قال: صدقت، وأما أول علامات الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، قال: صدقت، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم يقول: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت -أي: أهل زور وفجور- إذا علموا أني أسلمت بهتوني، فلا تخبرهم بإسلامي وأدخلني هذه المشربة -غرفة خلفية- واسألهم عني، فأدخله عليه الصلاة والسلام في الغرفة وأغلق عليه ونادى اليهود، فأتوا وجلسوا، قال: يا معشر يهود! كيف ابن سلام فيكم؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، وفقيهنا وابن فقيهنا، وعالمنا وابن عالمنا، قال: أرأيتم إن أسلم، قالوا: أعاذه الله من ذلك، قال: فإنه أسلم، ففتح له الباب عليه الصلاة والسلام، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقاموا ينفضون ثيابهم ويقولون: شرنا وابن شرنا، وسيئنا وابن سيئنا، وخبيثنا وابن خبيثنا، فيقول الله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأحقاف:10] }.......

النبي صلى الله عليه وسلم يحاور العاص بن وائل



الرسول عليه الصلاة والسلام عاش الحوار، يأتيه شقي فاجر وهو العاص بن وائل ، كان يلبس الديباج ويوشيه بالذهب، ولكن لم ينفعه ديباجه ولا ذهبه ورحل إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم ، حل إلى نار جهنم ولبئس المهاد، لم يعرف الله، ولم يسجد له، لم يتلذذ بعبوديته، لأن العبودية شرف، ووالله لو لم نتشرف بعبودية الله لنكونن عبيداً لوظائفنا ولدنيانا، وعبيداً حتى لأحذيتنا أبداً:

ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا


دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا


{ أتى العاص بن وائل فأخذ عظماً ففتته، ثم نفخ فيه أمام الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: يا محمد! أتزعم أن ربك يحيى هذا العظم بعد أن يتوفى صاحبه ويبعثه ويعيده، فيقول صلى الله عليه وسلم: نعم، ويدخلك النار، لا يعيده فقط بل يعيده ويعيدك ويدخلك النار، فيقول الله تبارك وتعالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:78] }. نسي خلقه، نسي أنه خلق من ماء مهين، نسي مَنْ كوَّن سمعه وبصره، وأعطاه كل شيء! وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79] فسبحان الله، وجلت قدرة الله!

حوار حبيب بن زيد مع مسيلمة الكذاب

هنا شقي آخر واسمع إلى الأشقياء وما أكثرهم في الدنيا! مسيلمة الكذاب يدعي أنه نبي، فيرسل له صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة وهو حبيب بن زيد ، عمره ثلاثون سنة، لكن حبيب بن زيد تربى على القرآن، مات أبوه وربته أمه، وليس معها إلا هذا الابن البار، عاش على القرآن، لا يملك من الدنيا إلا سيفه يفلِّق به هام الأعداء، وإلا مصحفه يتصل فيه بربه، وإلا قلبه الذي وعى الإيمان والقرآن.

فيقول عليه الصلاة والسلام: {يا أيها الناس: إني مرسلكم إلى ملوك الدنيا فلا تختلفوا عليَّ، قالوا: سمعاً وطاعة، قال: قم يا حبيب بن زيد ، واذهب إلى مسيلمة الكذاب } وهو يدري أنه الموت والذبح، فيتهيأ ويودع أمه وتبكي عليه؛ لكن علمت أنه أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، وعلمت أمه أنها سوف تفارقه ولا تلقاه إلا في جنة عرضها السموات والأرض، فعانقته وهي تبكي، ولسان
حالها يقول كما يقول ابن زيدون :

بنتم وبنَّا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا


نكاد حين تناديكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا


إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا


وذهب ووصل إلى مسيلمة ، فقال مسيلمة : {من أنت؟ قال: حبيب بن زيد ، قال: ماذا جاء بك؟ قال: جئت برسالة من الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: أتشهد أنه رسول؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال: أتشهد أني رسول؟ قال: لا أسمع شيئاً، قال ثانية: أتشهد أن محمداً رسول؟ قال: أشهد، قال: أتشهد أني رسول؟ قال: لا أسمع شيئاً، قال للجندي: اقطع منه قطعة، فقطع قطعة من لحمه فوقعت في الأرض، فأعاد عليه السؤال فأعاد الجواب، قال: لا أسمع شيئاً، فقطع الثانية، فأعاد السؤال، قال: لا أسمع شيئاً، فقطعه حتى قتله في مجلسه } وارتفعت روحه إلى الله: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30].

[[ خبيب بن عدي عرض له المشركون مشنقة الموت، وقالوا: ماذا تريد يا خبيب ؟ قال: أريد أن أصلي ركعتين. قالوا: صلِّ ركعتين واستعجل، فقام فتوضأ وصلى ركعتين، فرفعوه فقال: والله الذي لا إله إلا هو لولا أن تظنوا أنه جزع بي من الموت لطولت الركعتين، اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، قالوا: أتريد أن محمداً مكانك وأنك في أهلك ومالك؟ قال: لا والله لا أريد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذى بشوكة وأني في أهلي ومالي ]] ثم يقتل رضي الله عنه وأرضاه.

يقول أهل السير كـموسى بن عقبة : كان خبيب بن عدي قبل أن يُقتل يقول: [[اللهم أبلغ عنا رسولك ما لقينا الغداة، السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا رسول الله ]] هو في مكة والرسول عليه الصلاة والسلام في المدينة ، فأخذ صلى الله عليه وسلم في تلك اللحظة يقول: {وعليك السلام يا خبيب ! وعليك السلام يا خبيب ! عليك السلام يا خبيب ! } وأنشد خبيب قصيدة الموت وهي قصيدة الفداء:

ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنبٍ كان في الله مصرعي


وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أجزاء شلوٍ ممزع
......


حوار أبي مسلم الخولاني مع الأسود العنسي




الأسود العنسي مدعي النبوة في اليمن يقول لـأبي مسلم الخولاني وهو أحد الأولياء من التابعين: أتشهد أني رسول الله؟ قال: لا أسمع شيئاً، وكذبه أبو مسلم الخولاني ، فجمع له حطباً وألقاه في النار، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فجعلها الله برداً وسلاماً.

كان عمر بن الخطاب يعانق أبا مسلم الخولاني ويقول: [[مرحباً بخليل هذه الأمة، أو بالرجل الذي أشبه الخليل ]] أو كما قال، لماذا؟ لأنه تقي وذاك شقي.......


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
طالبة العفو من الله
مؤسسة المنتدى
مؤسسة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 1879
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الخميس 1 نوفمبر 2007 - 0:19

حوار ربعي بن عامر مع رستم

وقبل أن أنتقل إلى الحجاج لأنه لا زال في دائرة الإسلام لأختم به هذا الحديث أقص قصة رجل من شباب الإسلام وهو ربعي بن عامر رضي الله عنه وأرضاه، أحد القواد في جيش القادسية ، ويدخل على رستم قائد بلاد فارس الذي معه ما يقارب من مائتين وثمانين ألفاً من الجنود، فيقول رستم : ماذا جاء بكم؟ ومع ربعي رمح مثلَّم وثوب ممزق، وفرس كبير معقور، قال: ماذا جاء بكم ويضحك رستم ووزراؤه معه، جئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس المعقور والرمح المثلِّم والثوب الممزق؟! قال ربعي في الحوار: [[إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ]] قال تعالى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة:258] يقول هذا الشقي وقد حلف بآلهته: لا تخرج من قصري أو إيواني حتى تحمل تراباً على رأسك، فحمله، وقال لأصحابه: هذه بشرى أن يملكنا الله أرضهم، وفي الأخير يدخل سعد منتصراً، ويدخل إيوان الضلالة والعمالة وهو يقول: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ [الدخان:25-29].

هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19]. والدائرة دائماً تقع على الأشقياء الذين لم يعرفوا الله تبارك وتعالى.......
الحوار بين سعيد بن جبير وبين الحجاج

وهذا الحوار هو بين أحد الناس المعرضين عن الله وهو الحجاج بن يوسف ، الحجاج هو الحجاج والشمس هي الشمس:

بينما يذكرنني أبصرنني عند قيد الميل يسعى بي الأغر


قلن: تعرفن الفتى قلن: نعم قد عرفناه وهل يخفى القمر


ليس بقمر، لكنه قمر في الظلم والانحراف وسفك الدماء، الحجاج بن يوسف هذا له قصص لا بأس أن نورد بعضها، يقول طاوس بن كيسان عالم اليمن : كنت جالساً عند مقام إبراهيم عليه السلام في الحرم، وبينما صليت ركعتين عند المقام، جلست انتظر وأنظر إلى الناس يطوفون، وإذا بجلبة السلاح، وإذا بوقع الرماح والسيوف، فالتفت فإذا هو الحجاج وحرسه قد دخلوا الحرم - الحجاج الذي قتل مائة ألف نفس، يقولون عنه: أنه رئي بعد مامات في المنام أن الله قتله بكل نفس قتلة واحدة، إلا بـسعيد بن جبير العالم العابد الزاهد قتله سبعين مرة- قال: فلما أتى الحجاج جلس، وإذا بأعرابي أتى من اليمن -يحمل إيماناً وعقيدة- يطوف، فنشبت حربة لأحد حراس الحجاج في ثوب هذا الرجل اليماني، فوقعت على الحجاج فقبضها الحجاج وقال للرجل: من أين أنت؟

قال: من أهل اليمن .

قال: كيف تركت أخي؟

قال: من أخوك؟ -يقول للحجاج : من أخوك؟-

قال: أخي محمد بن يوسف .

ومحمد بن يوسف ظالم مثل الحجاج وكان والياً على اليمن .

قال: تركته سميناً بطيناً.

قال: ما سألتك عن صحته لكن سألتك عن عدله؟

قال: تركته غشوماً ظلوماً.

قال: أما تعرف أنه أخي.

قال: يا حجاج ! أتظن أنه يعتز بك أكثر من اعتزازي بالله، قال طاوس : والله ما بقيت شعرة في رأسي إلا قامت من هذه الكلمة.

موقف الحجاج مع سعيد بن جبير موقف عجيب، وسعيد بن جبير أحد الصالحين العلماء الذين نشروا العلم والحديث، وكان أمة من الأمم، قانتاً لله حنيفاً ولم يكن من المشركين، وكان الحجاج يبحث عنه، ولما اصطاده بعد ثمان سنوات وقيل أكثر، أدخل عليه، وقصته معروفة ذكرها صاحب تحفة الأحوذي في أول شرحه على الترمذي في المقدمة.

دخل سعيد بن جبير ، فقال له الحجاج : ما اسمك؟ يعرف أنه سعيد بن جبير عالم المسلمين.

قال: أنا سعيد بن جبير .

قال: بل أنت شقي بن كسير.

قال: أمي أعلم إذ سمتني.

قال: شقيت أنت وشقيت أمك، والله لأبدلنك في الدنيا ناراً تلظى.

فقال سعيد : لو أعلم أن ذلك إليك لاتخذتك إلهاً.

قال الحجاج : عليَّ بالمال، فأتوا بأكياس الذهب والفضة فنثروها بين يدي سعيد بن جبير ليفتنه.

قال سعيد بن جبير : يا حجاج ! إن كنت اتخذت هذا المال ليمنعك من عذاب الله فنعم ما فعلت، وإن كنت اتخذته رياءً وسمعة وصداً عن سبيل الله فوالله لا يغنيك من الله شيئاً.

قال الحجاج : عليَّ بالمغنية - جارية وهي تغني الأغنية وبدأت تُروَّج من عهد الحجاج ، بدأ العزف على الموسيقى، وبدأت الجواري وهو تاريخ قديم لما يسمونه بكواكب الشرق وكم في الشرق من كواكب لكنه ظلام دامس! ينتهي بكوكب تسمى كوكب الشرق ، يوم أتت إسرائيل بطائراتها ودباباتها تسحق الأجيال والألوف المؤلفة، والناس يصفقون لـكوكبة الشرق .

قال للجارية: اعزفي -يذبح عالم المسلمين سعيد بن جبير محدث الدنيا وتغني الجارية!- فانطلقت تعزف فبكى سعيد بن جبير .

فقال الحجاج : طربت -أي: تبكي من الطرب- لأن بعض الناس يبكي عند سماع الطرب؛ لكن وقت الموت ليس ساعة طرب: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:34-36]. قال: طربت فتبكي؟!

قال سعيد : لا والله، والله ما بكيت إلا أني تأملت في جارية سُخِّرت لغير ما خلقت له -أخلقت تغني؟ كلا. بل خلقت تسجد لله، خلقت تعبد الله، خلقت تعرف طريقها إلى الله.

قال: خذوه، يعني: خذوا سعيد بن جبير وولوه إلى غير القبلة، وقال: والله لأقتلنك قتلة ما قُتل بها أحد من الناس.

قال سعيد : يا حجاج بل اختر لنفسك أي قتلة تريدها، والله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله بمثلها فاختر لنفسك.

قال: ولوه إلى غير القبلة.

قال: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115].

قال: أنزلوه أرضاً.

قال: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55].

قال: اقتلوه.

قال سعيد : [[لا إله إلا الله محمد رسول الله، خذها يا حجاج حتى تلقاني بها غداً عند الله، اللهم لا تسلطه على أحد بعدي، يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج ]] وبعدها في المجلس ثارت بثرة في يد الحجاج ، وبقي شهراً يخور كما يخور الثور لا ينام، ولا يستطيع الأكل والشرب والراحة، يقول: ما مرت بي ليلة إلا رأيت كأني أسبح في الدم، وما مرت بي ليلة إلا رأيت كأن القيامة قامت، ورأيت أن الله يحاسبني ويقتلني عن كل من قتلته قتلة، إلا سعيد بن جبير قتلني به سبعين مرة.. وقصمه الله بعدها، ومع أنه مسلم لكنه شقي، والأمور عند الله عز وجل، لكن لم يعرف الهداية ولم يعرف طريق الاستقامة، ولا كيف يتأمل مهمته في الحياة.......


الحوار في الشعر

فيا إخوتي في الله! لا زال الصراع بين التقي والشقي، ولا زالت المناظرة حية بين هؤلاء وهؤلاء، وبين أناس أعمى الله بصائرهم وأبصارهم فلم يعرفوا الطريق، فهم أشقياء دائماً، أحدهم يقول من شقاوته وهو إيليا أبو ماضي :

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
إنه ملحد زنديق، لم يعرف الله، يقول: جئت من بطن أمي، وخرجت إلى الحياة، وأكلت خبزاً وفاكهة وتفاحاً وبرتقالاً.

جئت لا أعلم من أين! ولكني أتيت!!


ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت!!


أي: رأيت الناس يمشون فمشيت، ورأيتهم يخرجون فخرجت، لبسوا الثياب فلبست الثياب، ركبوا السيارات فركبت السيارة، وهذا حمار؛ لأن الذي لا يفهم لماذا خلق فهو حمار، قال:

جئت لا أعلم من أين! ولكني أتيت!!


ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت!!


وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت!!


كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري!!


ولماذا لست أدري؟!! لست أدري!!


ما الفرق بين هذا وبين أحد الوعاظ الذي يقول لأحد خلفاء بني العباس، يعظه ويذكره لقاء الله،
فيقول لخليفة الدنيا:

ستنقلك المنايا عن ديارك ويبدلك البِلى داراً بدارك


فدود القبر في عينيك يرعى وترعى عين غيرك في ديارك


فيغمى على الخليفة من كثرة البكاء حتى يرش بالماء، أي فرق بين هذا النتاج وهذا النتاج؟!

أو المؤمن الآخر الذي يقول:

ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حيٍ


ولكنا إذا متنا بعثنا ويسأل ربنا عن كل شيّ


إي والله، هذا حوار يستمر أبداً بين الأديب والأديب، بين الشاعر والشاعر، بين العالم والعالم، بين الزعيم والزعيم، بين أديب مؤمن، وأديب فاجر متهتك، بين عالم مؤمن مخلص، وبين عالم ملحد، بين شاعر عرف الله، وشاعر تنكر لمبادئه وأصالته وإيمانه، فهو حوار بين تقي وشقي، فأين مقامنا من هذا الحوار؟ وأين موقفنا يا عباد الله؟ وأين هو صفنا؟! هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19].

اللهم فإذا قسمت الناس فريقين، ووزعتهم فرقتين وطائفتين، فاجعلنا في السعداء.

اللهم فإذا وزعت الناس على واديين وعلى منزلين، وذي شعبين فاجعلنا في شعب أهل الإخلاص والصدق يا رب العالمين!

اللهم فإذا رضيت على قوم فاجعلنا معهم، وأبعدنا عن أهل الغضب والسخط يا رب العالمين!

اللهم اجعلنا في موكب إبراهيم، ونوح، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم ولا تجعلنا مع القوم الظالمين النمرود ، وفرعون، ومسيلمة ، والأسود العنسي ، وأمثالهم من أعداء الله.

اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين!

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.......

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://akhawat-aljannahway.ahlamontada.com
ام جنه
إدارة المنتدى
إدارة المنتدى


انثى عدد الرسائل : 3944
العمر : 35
البلد : مصر
العمل/الترفيه : محفظة قرءان
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   الثلاثاء 6 نوفمبر 2007 - 6:32

متابعين معكي يا غاليه
بارك الله فيكي وفي جهودك

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
أم نضال
ملكة جمال المنتدى
ملكة جمال المنتدى


انثى عدد الرسائل : 2259
العمر : 49
البلد : فلسطين
المزاج : سعيدة
دعاء :

مُساهمةموضوع: رد: المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )   السبت 15 مارس 2008 - 16:01


_________________







الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
المحاضرات المفرغة للشيخ (عائض القرني )
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات القصواء الإسلامية  :: 
منتدى الصوتيات والمرئيات
 :: منتدى المحاضرات المفرغة
-
انتقل الى: